المنزل المهجور .. قصّة قصيرة بقلم عبد الرحمان الصقلي من المغرب.

   قفزتْ ياسمين من شدّةِ الفرح وهي تعانقُ صديقتها البلجيكية جاكْلين وتصْرخ باللغة الفرنْسية : 

   ـ يوبي ! شكراً ماما ! أنا فرحةٌ لِأننا سنذهب إلى بلدي المغرب لِرُؤْية خالي عبد  السلام وأولاده. وستذهبين معنا صديقتي جاكْلين ولَوْ أنّكِ لا تُحِبِّينَ الأجانِب !

    هكذا عبّرتْ ياسمين عن فرْحتها للعودةِ إلى بلد أجدادها الذي لم ترَهُ مُنْذُ سِنين، لرؤية عائلة أمّها ببني شيكار شمال المغرب. وبدأتْ تعانق صديقتها البلجيكية الأصْل وترقصانِ معاً. في حين كانت أمّها وأبيها يهيّئان المسائل الضّرورية اسْتِعْداداً لِلسّفر غداً.  

   كان هذا اليوم ألخميس 30 يونيه مُشْمِس والجوّ رائع ! وغداً سيدخل شهر يوليوز مُعْلِناً بداية الحرارة وعطلة الصّيف. في كل شوارع مدينة مارْسيلْيا وأزِقّتها التي تعِجُّ بالأجانب ولاسيّما الجزائريّون، نرى المهاجرون يضعون حوامِلَ الأمتعة فوق السيارات ليُكدّسوا فوقها حقائب السّفر ومختلف الهدايا للعائلات.

    ـ فريد، زوجي العزيز لا تنسى أخْذ الحِذاء الجديد الذي اشتريته لك. إنّه يناسبك في الصّيف. خفيف ولونه جميل.

   ـ شكرا حبيبتي، سآخذه. وهل سنأخذ معنا بعض أغْطيتنا ، وِسادتي مثلاً ؟

   ـ لا. لن نحتاج إلى أيّ شيء. لقد فرح أخي كثيرا بذهابنا إليه بعد غيابنا كلّ هذه السِّنين. وقد قال لي في الهاتف مساء الأمْس أنّه رمّمَ الدار الكبيرة المهْجورة التي اشتراها من عند صديقٍ إسْباني كان قد بناها خلال الإسْتِعْمارعلى شكل قصر. وأنّه أثّثها كما ينبغي تَرْحِيباً بِقُدُومِنا. إنهم يحترمونك كثيراً.

إقْتربتْ ياسمين من أمّها جارّةٌ معها صديقتها جاكْلين من يدها بِتَحَدٍّ وسألتْها :     

    ـ  صحيح أمّي، في دار خالي عبد السلام توجد قِطّة ؟ 

    ـ  نعم إبنتي العزيزة. يوجد عند خالك أيضاً حِصانينِ وكلبان سلوقيّان أسْودان جميلان وطواويس زاهية الألوان.

    فابتسمت ياسْمين كالمُنْتصِرة وقالتْ لِصديقتها البِلْجيكية بِنَبْرة فوْقِية :

   ـ أسَمِعْتِ بِأُذُنَيْكِ عزيزتي جاكلين، خالي عنده كلّ الحيوانات. إنّهم أغْنياء يمْلِكون الكثير من المنازِل. ليس مِثْلنا نحن القاطِنين في فرنسا بلاد الرّخاء ولا نمْلِكُ حتّى شُقّة صغيرة.

    فأجابتها جاكْلين : 

    ـ قال لي أبي أنّ المُهاجِرين المغاربة لم يأتوا إلى بلدنا حتى أغْلِقَتْ كلّ أبْواب الأمل والعمل في وُجوهِهم، فهربوا إلى الخارج أملاً في تحْسين أوْضاعِهم الإقتصادية المُزْرِية. إنّها مأْساة الفقراء التي يُسمِّيها المُخْتصّون بِ ” الهجرة الإقتصادية ” أوْ ” إنْعِدام الأمْن الغذائي ” الذي يُسبِّبُ كل هذا النُّزوح لِلْمُهاجِرين ويُقوِّي اليمين المُتطرِّف عندنا.
     فقاطعتْهما أمها قائلة :

     ـ اليوم ستنامان مُبكِّراً لِأنّ الطّائرة التي سنُقِلُّها إلى الناظور ستقْلع مع التّاسِعة صباحاً، ولكنّنا يجب أنْ نكون حاضِرين في     المطار ساعتين قبْلَ الإقْلاع ، أيْ عند السّابِعة .

  .تناولي عشاءكما أنتِ وجاكلين واذهبا لِلنّوم

.     ـ نعم ماما

   وبعد العشاء، ذهبتِ الصّديقتان إلى غُرْفةِ نوْمِهِما فرِحتان وهما يُفكِّرانِ في رِحْلةِ الغد …  

    وصلتِ الطائرة في تمام الحادية عشر صباحاً. المطار مزْدحِم بِبعض المسافرين والناس الذين ينتظرون الوافِدين من أقْرِبائهم من بلاد الغُرْبة. وهما تنْزِلانِ مصْعد الطّائرة، قالتْ ياسْمين لِصديقتها مُفْتخِرة :

    ـ الجوّ أكْثر من رائع في وطني ! ما رأيكِ جاكلين صديقتي ؟

    ـ تفْعلين المُسْتحيل كالعادة لِتُبَرْهِني لي أنّ المغرب دائماً أجمل من بِلْجيكا بل من كل العالم. لا أفْهمُكِ صديقتي ياسْمين. إذا كان مغْرِبُكُم أجْمل من بلادي فلماذا لا تعيشينَ فيه ؟ يا لَلْمَنْطِق ..!

    عندما انْتهوا من إجْراءات الدّخول وطبْع الجوازات، وجدوا حقائبهم في الرّواق تدورعلى نفسها فوْقَ السجاد الكهربائية. فأسْرَعَ نحْوهم بعض الحمّالة لِحمْلِ الحقائب. وعندما خرجوا من المطار وجدوا العائلة في انتِظارِهِم بِشوْق. فتبادلوا التّحايا وتعانقوا، ثم ركب الجميع في السيارة وذهبوا.

     في الطّريق من مدينة العرْوي إلى النّاظور وبني أنْصار، ومنها إلى بني شيكار، كانت ياسمين كلّ مرّة تسْتغِلّ الصّمت داخل السّيارة لِتشْرح لِصديقتها بالفرنسية :

    ـ أتريْنَ جاكْلين هذا المقهى الجميل داخل البحر؟ سُكّان المدينة يُسمّونه : ” كْلُوب ” ، إنّهُ فريد من نوْعِه أليْسَ كذالك ؟

    ـ إنّه جميل فِعْلاً. لكن نادرا ما نُصادِفُ بِناية في المُسْتوى أو معْلمة تاريخية في هذه المناطِق من الشّمال، وهذه البناية الرّائعة واحدة منها. أبي هو الذي أمَدّني بهذه المعلومات عن منطقتكم شمال المغرب. يُتْقِنون العمل أحْياناً عندكم هنا.

   ـ لا صديقتي. ليس المغاربة مَنْ بنى هذه التُّحْفة الأثريّة بل الإسْبان أيام اسْتعمارهم لِبِلادنا.

   ـ ربّما عندهم مشاريع سيُحقّقوها على أرْض الواقِع مستقبلاً.  

     ـ ما هو مُؤكَّد لِحدِّ الآن أنّ السُّلْطة قرّرتْ هدْمه لِأنّه كما يدّعون يُعيق إقامة مشاريع أخْرى. هذا هو مشْروعهم الحالي والذي أثار ضجّة كُبْرى واسْتِنْكاراً عامّاً : مشروع الهدْم ! 

     ـ لا ، غير معْقول هدْم هذا الكْلوب، بل جريمة. هكذا فعل الطّالِبان في أفغانستان. هدّموا آثاراً قديمة مُهِمّة لِلإنسانية. هذا المقهى رومانْسي وموْقعه سياحي وجميل.

    فقاطعهما خال ياسْمين :

   ـ سوف نأتي هنا من حينٍ لِآخَر لِتناول الشاي والمشْروبات البارِدة. أنا من عُشّاق هذا المكان الهادئ ، وصاحب المقهى صديقٌ قديم.

    وصلتِ السّيّارة. ففتح الخادِم الباب الحديدية الكبيرة لِيدخلوا إلى دارٍ واسعة وسط المدينة يبدو عليها معالم الثّراء. ولكن بدون حديقة.

    ـ غيّرْتَ الكثير في هذه الدّار أخي عبد السّلام. إنّها تبْدو أجْمل من السّابِق.

    ـ ومع ذالك لا تُعْجبني بدون حديقة. ولهذا رمّمْتُ القصر لِقضاء عُطَلي هناك. تلك هي السُّكْنى المُفضّلة عندي لِهُدوء موْقِعِها وجمال حدائقها المتوحِّشة أختي فاطمة.

  دخلوا إلى صالون عصْري واسع ووجدوا الشّاي وأنواع الحلويات والمشْروبات في انتِظارِهم.

 فسألتْ ياسمين أمّها :

  ـ لا أرى الطّواويس ولا حيوانات هنا أمّي.

    فأجابها خالُها :

    ـ آه جميلتي ياسمين، الحيوانات توجد في الدّار الأخْرى التي سنذْهب إليها بعد الغذاء، ستسْتمْتِعين كثيرا هناك أنتِ وصديقتك.

ـ حَبَّذا أخي لَوْ تذْهب بِنا في زيارةٍ خفيفة إلى أحد الأوْلِياء الصّالِحين قبل أن نذهب إلى القصْر.    

   ـ بكل فرح أختي.

  ـ شكراً أخي.

 وفكّرَ ملِيّاً ثمّ قال :

   ـ سنذهب إلى المَعْلمة التّاريخية مولاي إدريس زرهون، إنّهُ موْقِعٌ سِياحي هامّ.

ولمّا ركب الجميع السّيّارة بمن فيهم زوجة عبد السّلام. شدّوا الرِّحال إلى وِجْهتهم المعْلومَة. قال لهم :    

   ـ سوف آخذكم إلى مكانٍ لمْ تروْهُ أبداً من قبْل، مدينة جبلية. سنذْهبُ اليوم إلى سيدي مولاي إدريس زرهون نواحي مدينة مكناس الجميلة. وسأفْعلُ هذا إكْراماً لضيْفتنا الفرنسية جاكْلين.

ففرِحَتْ ياسمين وشكرتْه نِيابةً عن صديقتها التي لا تعرف اللّغة الأمازيغيّة.    

   عندما اقْتربوا من المنْطقة التي يوجدُ فيها ضريح مولاي إدْريس، كان الوليّ الصّالِح يبْدو بِأسْطُحِه وقِبَبِه الخضْراء فوق الجبل وكأنّه هرمٌ روحي يُبارك الزّائِرين الذين يتوافدونَ عليه من كلِّ فجّ. وجاءهم الدليل بِلِباسِهِ الأبيض النّاصِع لِيقودهم وهو يشرح لهم تفاصيل الضّريح المُقَدّس، ويعطيهم نُبْذة عن تاريخه خلال حِقْبة الأدارِسة.

    هَمَسَتْ جاكْلين بصوْتٍ مُنْخفِض لِصديقتها :

    ـ ياسْمين، إشْرحي لي لِأنّي لا أعْرف ما تفْعلونه هنا ولا ما تقولونه. ولا أين سنذْهبُ الآن ؟

    ـ هذا البناء المِعْماري الذي نحن أمامه الآن صديقتي، بُنِي على قبر أحد الأشخاص المعروفين تخليداً لذكراه. نحن هنا في حضْرةِ مولاي إدريس زرْهون، وهو ولِيّ من أوْلِياءِ الله الصّالِحين حَسَبَ المراتب الدينية هُنا ومُعْتقداتهم. يقْصِدُه الناس ويأتون إليهِ من كلّ مكان لِلتّبَرُّكِ به، ويدْعونه لِيُساعدهم على الشِّفاءِ من الأمْراض ومُقارعة الفقْر والإنْتقام من الأعْداء الذين ظلموهم. إنّ هذا المكان مَلْجَأٌ لِلسّلْوى ومَن تقطَّعتْ بهم آمال الحياة.

     ـ لكن صديقتي، تعْرِفين أنّني من عائلة عِلْمانية. أبي أستاذ الفلسفة في جامعة السّورْبون وأمي تُدرّس الأنْثْروبولوجْيا. أنا لا أؤْمِن بكلّ هذه الخُرافات وحِكايات الدّجّالين. كلّ هذا النّوْع من الظّواهِر العتيقة ما هي سوى نقط خدمة ذاتية سيكولوجية (self service)، جُرعات يتناولها المارّة في هذا الوجود المادي لِتهْدِئة غضبهم من ظُلم المجتمع وقسْوة الحياة ..!   

    ـ على كلّ حال جاكْلين، ليس الوقت مُناسب لِمُناقشة مثل هذه المسائل المتشابكة. ستتْبعيننا وحاوِلي تقليد ما يفْعله الآخرون. وبعد ذالك سنعود إلى البيت، لنْ نظلَّ طويلاً هنا. قليل من الصّبْر صديقتي.

   ونادتْهم أمّ ياسْمين لِتَدْخُلا.

    كان قبر الوليّ يحتلّ مكانه الصّامِت في أحد أرْكانِ الضّريح قُرْبَ مِحْراب الصّلاة. وسقْفه المُزَخْرف بالجبْسِ والفُسيْفِساء المُتعدّدة الألوان، تُرصِّعه الأضْواء الباهِرة المُنْبعِثة من الثُّريّات العديدة، والتي كانت قويّة لِدرجةٍ تخال أنّ هذا المكان مَنْبع الأضْواء ومَشْرِق الأنْوار. 

    كان الصّمْت يلُفُّ المكان. لا يُسْمع سوى صوتٌ شجيّ لِشَيْخٍ يتْلو القُرْآن بِخشوع وهو جالس قُرْب القبْر. وأصْوات خافِتة لِأنين صلوات الزّائرين وأدْعيتِهم رافعينَ أيْدي التّضَرُّع نحْوَ الولِيّ أو يُقبِّلون قبْره وملابسه. وجاكْلين تسْترِقُ النّظر وتُحدِّقُ في النّاس بِغرابة واشْمِئْزاز. رمَقَتْها ياسمين فاقتربت منها وقالت لها :

    ـ لا تُحدِّقي في النّاس بهذه الطّريقة. أنْتِ تُحْرِجينهم صديقتي.

    فردّتْ جاكْلين بِتَحَدٍّ :

    ـ تخْنقني أجْواء الدّجل والشّعْوذة. خوارق اللاّشُعور وخُرافات الأدْيان تَغلْغلَتْ في نُخاعِكم وامْتزجتْ بِدِمائكم لِذالك لا تقْدِرون على فصْل الدّين عنِ الدّوْلة ولا تتطوّرون. أنتم تعْبُدون الأوْثان لِأنّكم جاهِلون ! كان من الواجب عليكم أنْ تُحارِبوا هذا القبْر بَدَلَ أنْ تُؤَلِّهوه أيُّها المُغفّلون.

     فهَمَّتْ بالهُروب وهي تبْصَق على الأرض المفْروشة بالزّرابي، لكن فجْأة، وقع زِلْزالٌ عنيف وإهْتزّ الضّريح وتشقَّقتْ جُدْرانه. وسقطتْ أكْبر الثُّريات على الأرض قُرْبَ جاكْلين، لِيَنْقَطِع التّيار الكهْربائي لِتعوم المدينة كلّها في ظلامٍ دامِس. ودبَّتِ الفوْضى في الضّريح. وبدأ الزّوار يُنادي بعضهم البعْض ويتفقّدونَ أوْلادهم وأهاليهم ويصْرخون. 

   عندما رجع التّيار، كانت جاكْلين ثابِتة في مكانها كالتِّمْثالِ المنْحوت. صفْراء اللّوْن ومُطأْطِئة الرّأس وقد بالتْ على الزّرابي. فبدأ الزّوار المَذْهولون يقْتربونَ منها يُحدِّقونَ ويسْتنْكِرون. ثمّ هرْوَلَ إليها عبد السلام ووخطفها بين ذِراعيْه وذهب بها مُسْرِعاً إلى السّيّارة وهو يعْتذِر لِحارس الضّريح الذي أسْرَعَ لِتنْظيفِ المكان وفحْصِه. 

   في طريق العوْدة، خيّمَ صَمْتٌ رهيب ليفْسح المجال لِلتّفْكير فيما جرى والذي لمْ يكُنْ قط في الحُسْبان :

   السيّد عبد السلام حائر يُركِّز اِهْتمامه على الطّريق وفي ذِهْنِهِ علاماتُ اسْتِفْهامٍ عريضة. ياسمين المصْدومة تُجفِّفُ دُموعها وهي تتأمّل وجه صديقتها المَغْشيّ عليها. وأمّها حائرة بِسببِ كلّ ما وقع ، وخائفة على جاكلين التي أوْصَتْها أمّها أنْ تعْتني بها خلال السّفر. إلى أنْ كسَّرتِ الصّمْت المُطْبق بسؤالها:

  ـ غريب ما وقع أخي، لم أسْتطِع إسْتيعاب الحادث الفُجائي داخل الضّريح.

  ـ حقّاً إنّهُ لشيءٌ غريب، لمْ أرَ في حياتي ما يُشْبِهُه ! كأنّ الوليّ أغْضَبَهُ شيءٌ ما فانْتَقَم بِزِلْزال. ولكن كيف وقع هذا وماذا أغْضَبَه ؟

كانت ياسمين تُتابِع حديث خالها وأمّها بِاهْتِمام. وكانت تعْرف أسْبابَ ما وقع، لكنّها لم تنْبس بِبنْت شفة.

   إسْتمرّ الصّمْت والتّفكير وسط الحيْرة على إيقاع أزيز مُحرِّك السّيارة المُسْرِعة. ولم يشْعروا حتى كانوا أمام القصْر المهْجور الذي يبدو غارِقاً في الظّلامِ والضّباب.

    خرج الخادم يحلّ باب القصر. ثم تبعتْه الخادمة مُرحِّبة بالزّوار.

   حمَلَ السيد عبد السلام جاكلين بمساعدةِ الخادم. وذهبا بها مباشرة إلى غرفة النّوم التي كان فيها سريرين. واستلْقتْ ياسمين على سريرها بجانب صديقتها لِتُواسيها …
    ـ إبْنتي ياسْمين، أعْرِفُ أنّ اليوم كان صعْباً جِدّاً عليكما، حاوِلي إيْقِاظ جاكلين لِتتعشّى.
    ـ إنّها مُسْتغْرِقة في النّوم. الأفْضل أنْ نتْرُكها على حالِها أمّي. كانتِ الصّدْمة بِالنِّسْبةِ لها قويّة وقد ظلّتْ تبْكي. كادتِ الثّريّا الكبيرة التي سقطتْ قُرْبها أنْ تقْتلها لَوْ لم تهْرب في الوقتِ المُناسِب.

    ـ أوَ لم تَقُلْ لكِ شيْئاً عمّا حدث اليوم ؟
    ـ قالتْ عِبارة لمْ أفْهمها بعد !
    ـ وماذا قالت ؟
    ـ أنّها ستُعيدُ النّظَر في كُلّ ما علّمها ولقّنها أبواها من أفْكار. كان هذا آخِر ما قالتْه وأجْهشتْ بالبُكاء…
    ـ إذن بما أنّكِ لا ترْغبين في العشاء فسأُغْلِق الباب ورائي وسأذهب أنا أيضاً لِلإسْتِلْقاء، رأسي يُؤْلِمني. ليلة سعيدة إبنتي العزيزة.
    ـ ليلة سعيدة أُمّي.
    إنْقلبَ الجوّ في الطّبيعةِ بسرعة. وبدأتِ الرّياحُ تعْصِفُ بكُلّ قِواها على المنْطقة. وانْقَظَّتِ السُّحُب الدّاكِنة الحُبْلى بالأمْطار تغْزو سماء بني شيكار الهادِئة. وسرْعانَ ما بدأتِ الأشْجار تتمايل وترْقُص بِطريقة هِسْتيريّة على أصْداءِ زَمْجَرة الرّياح وعويلها المُخْتلِط بِآذان العشاء المُخْتلِف النّغمات …
    تأمّلَتْ ياسْمين صديقتها البِلْجيكية فأشْفقتْ عليها. أمْضتْ يوْماً من أصْعَبِ أيّام حياتها في أوّلِ يوْمِ عُطْلتها في المغرب. وبدأتْ تُحِسُّ بالذّنْب لِأنّها شجّعتْها على الذّهاب مع عائلتها إلى المغرب فوقع لها ما وقع. يا لَلْمأساة !
    تمَلْمَلَتْ جاكْلين في سريرها وفتحتْ عيْناها بِصُعوبة. فقالت لها ياسمين وهي تُقبِّلها بِحنان :
    ـ أنتِ بخير صديقتي ؟ قولي لي أنّكِ بِخَيْر جاكلين.
    ـ صُراخ أبْواق الصّوامِع يُزْعِجُني في اللّيْل. لِماذا كُلّ هذه الضّجّة والصُّراخ الهِسْتيري في سُكونِ اللّيْل ؟!
    ـ سينتهي الآذان الآن صديقتي. حاوِلي ألاّ تتلفّظي بِمِثْلِ هذا الكلام جاكلين. لِلسّماءِ آذان. وقد يزيدُ في اللّعَنات ويُعقِّدُ حالنا. هل تريدينَ أن تتعشّي جاكلين ؟
    ـ لا شكرا. أريدُ فقط أنْ أنام في الهُدوء.
    تأمّلتْها ياسْمين بِامتعاض وهي تنْقلِبُ إلى الجِهةِ الأخْرى من السّرير. واسْتغْرقتْ في التّفْكيرِ في كُلِّ ما حدَث من غرائِبِ الأُمور هذا اليوم. وفجْأة، سمِعتْ حوْلها ما يُشْبِهُ تصُّدع الجُدْران. فقامتْ من مكانها واقتربت من جُدْران الغُرْفة لِتتحقّق، فرأت أنّها بدأتْ تظْهر عليها شُقوقٌ وقد اِحْترقتْ صِباغتُها وبدأتْ تتآكَل. كأنّ اللَّعْنة تبِعتْهم إلى القصْرِ المهْجور. كلّ شيئٍ في غُرْفةِ نوْمِهِما قد تبدّل، فحارتْ في أمْرِها ولم تعد تعرف ما تفْعل ..!

     وفجأة، تكسّر الباب المُطِلّ على المطْبخ وتهاوى بسبب النِّيران المُشْتعِلة، لتُداهِم الغرفة عاصفة من الرياح ودُخّان الحرائق. فأسْرعتْ ياسْمين توقِظَ صديقتها وهي تصْرخ بِأعْلى صوْتِها :
    ـ الحريق. الحريق جاكْلين. الزّلْزال. اللّعْنة. إنْهضي جاكلين، إسْتيْقِظي أرْجوك. سنخْتنِق، سنموت …
    وانْقطعَ التّيارُ الكهْربائي فجأة فسادَ الظّلام الحالِك. فبدأتْ تتحسَّسُ مكان صديقتها وتسْحبها من الفِراش وتصْرخ :
    ـ إنْهضي جاكلين من فضْلِك، النِّيران تلتهم كل شيء. نحن في خطر جاكلين قومي.     
    فقامتْ جاكلين مَذْعورة،  ولبستْ حِذاءها على عجل، وهربَتا من نافِذة الغُرْفة نحْوَ الحديقة الواسِعة في اللّيل الدّامِس.
    هامَتا على وجْهِهِما في الحديقة المُتوحِّشة، والعواصِف على أشدِّها، والظّلام يلُفُّ كل شيء. إسْتدارتْ جاكلين إلى الوراء وصرختْ بالرُّعْب :
    ـ أنْظُري ياسمين. هل تريْ ما أرى ؟ أشْباحٌ في غُرْفتنا يُنادوننا ويُطارِدونَنا. الدّم ياسْمين، الدّم. أينكِ ياسمين ؟ لا تتْرُكيني لِوَحْدي. ياسمين، أنا خائفة ! أيْنك ؟

    ـ أنا هنا جاكلين، أنا قُرْبَ الباب الحديدي الكبير. أظُنُّهُ المَدْخلُ الرّئيسي لِلقصْر.
    ـ إبْقيْ هناك وسآتي إليك. لكن أيْنَ الطريق ؟ لا أرى شيئاً بسببِ الظّلام. أريدُ أن آتي إليْكِ لِنهْربَ بعيداً عن هذا القصْرِ الملْعون !
    ـ واااااوْ ! جاكلين أرى بقرة في قصْرِ خالي. سأذْهبُ لِأخْتبِئَ وراءها. رُبّما ستهْربُ الأشْباح إذا احْتميْتُ بها.

    وعندما اقتربتْ ياسمين من البقرة، رأتْ مَشْهَداً مُذْهِلاً فصرختْ بِأعْلى صوْتِها :
    ـ إلاهي ! جاكلين، بقرة خالي ولدَتْ ثلاثة جُثَث منَ البشر ! جماجِمُها الرّخْوة تتحرّك. أياديهِم ما زالتْ ترْتعِش. إنّهم يُنادونني لِأقْترِبَ مِنْهُم. إنّهم يرْجونني أن أساعِدهم لِلْخروج من الدّم !
    ـ لا ياسمين. لا تقْترِبي منهم. إنّهم مصّاصي الدِّماء كالآخرين. سيسْتدْرِجونكِ ثمّ يقْتُلونكِ صديقتي. نادي على مَنْ في القصر لِيُساعِدوننا.

     الأشْباحُ تُطارِدني جاكلين. أفْواههم مُلطّخة بالدّم. وأيْنكِ أنتِ أنا لا أراك جاكلين ؟ 

    ـ أنا هنا قُرْبَ  سور. نادي على أبيك لِيُنْقِذنا ياسمين . سنموت بالخوْف. الشّبَح الأسْود ورائي يُريدُ قتْلي. أسْرِعي ونادي على والِدَيْكِ من فضْلِك.

    ـ أبْناء البقرة وقفوا وهم يقْترِبونَ مِنّي. أنا جِدُّ خائفة.

   ! ـ أظُنُّ أنّها لَعْنةُ الولِيّ عندما بصقْتُ في الضّريح    

    ـ كنتُ دائماً أحذِّركِ في مناقشاتنا في الجامعة انّ الحقائق نِسْبيّة. وأنّه لا يجب أنْ نجْهر بصوْتٍ عالٍ بما نُؤْمِنُ به على أنّها الحقائق المُطْلقة الوحيدة. وأنّ ” الحقائق” التي يُؤمِنُ بها أيّ شخْص، ما هي سوى نسيج من الذّاتيات التي ترتكز عليها ظُروفِ نواتِه السّيْكولوجية. مَنْبعُ السُّلوك والأوْهام. ليس الوقت مُناسِباً لِلْفلْسفةِ الآن جاكلين …  

  وأحسّتْ ياسمين بِسحابةٍ كثيفة شديدة البياض تنْقضّ عليها وتلِفّها لِتتحوّل إلى شبحٍ بدأ يُراقِصها. فانْفلَتَتْ هارِبَة وهي تصْرخ بِكُلِ قواها : 

    ـ أمّي، أبي، أنْقِذونا. أنْقِذونا. سنموت أنا وجاكلين. أينكِ أمّي ؟ أنْقِذيني أمّي من فضلك … 


   فسارعتْ إليها أمّها وقبّلتْها قائلة :

    ـ ما بِكِ تصْرخين في هذه الساعة المُبكّرة من الصّباح حبيبتي الصغيرة. الوقت مُبكّر لِلْإستيقاظ الآن. السّاعةُ الرّابِعة صباحاً. ستنطلق آذان الفجر بعد قليل. فرْحةُ العوْدة إلى بلدنا الحبيب غمرتْكِ بالسعادة وجعلكِ تسْهرين ! كيف حال صديقتكِ جاكلين !
   فقامَتْ ياسمين مُتّجِهة إلى سرير صديقتها فوجدتْها نائمة بِعُمْق وابتسامة الفرح مُرْتسِمة على وجْهها الملائكي الهادِئ. فقبّلتْها وقالتْ لِأمّها :
    ـ جاكلين بخير، وهي مُسْتغْرِقة في أحلامها اللّذيذة.  شكراً أمّي العزيزة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*