المزرعة الصغيرة..قصة مستوحاة من الواقع بقلم الكاتب عبد الرحمان الصقلي من المغرب.

قضيت هذين الأسبوعين من عطلة الربيع في منزلي الأبيض بالمزرعة الصغيرة بالبادية. قرّرْتُ ذالك لِأني مللتُ جوّ المدينة ووظيفة التعليم.     الجوّ طبيعي وهادئ هنا، كأنك في ضواحي الجنة. لا أرى إلاّ أشجار الفواكه والورود، ولا أسمع سوى خرير المياه، وزقْزقة العصافير وغِناءها. وعندما تهبّ الرّياح ، تحمل معها عبيق الورود والأزهار المختلفة، ورائحة  الحبق والنّعناع المكْناسي الذي غرسْته أنا والخادم في شهر فبراير المنصرم. تُرْبة هذه البلاد سوْداء ورطْبة، وكلّ المزْروعات والبُذور تنْمو فيها بسرْعة وكثافة مذهلة.

           ألْقيْتُ نظرة من خِلال السّيّاج الحديدي لِأرى الخادم أحمد منهمكٌ في حفْرِ الأرض اِسْتِعْداداً لِزراعة البطاطس كما اتّفقنا سابِقاً، والبطّ يعوم متبخترا في النّافورة.

      أحْياناً، أسمع نُباح الكِلاب المُنْبَعِث من مختلف المزارع القريبة والبعيدة، مُعَبِّرة عن وفائها للبيوت التي تحْرُسُها بإخلاص واستماتة. ومن شُرْفتي الخلفية، أرى الفلاح ميمون الذي يحرس فيلاّ أحد المغاربة المقيمين بفرنسا. كان يحْفر الأرض ويزْرع بعض البُذور وهو يتحدّث مع ابنه المراهق بعصبِيّة، عرفْتُ من خلال حركاته أنّه يُعلّمهُ الْبَسْتنة وكيفية غرْس البُذور والأشجار

     السّاعة الواحدة وثلاثة دقائق. أسْمعُ أولى صرخات آذان الظُّهْر المُنْبثقة من صوامع مُتناثِرة بِقِلّة، مُقارنة مع حَيِّنا في ” باصو” المكتظ بالمساجد.

         أعْجَبني آذان هذا المُؤذّن. صوْتُه هادئ ورخيم، يدْعوكَ بِخُشوعٍ لِلصّلاة ولقاء الرّبّ الأعلى. وهذا شيئٌ نادِر

         فكّرتُ في الذّهاب إلى المسجد لِأداء الصّلاة، لكن بُعْدُهُ جعلني أُغَيِّر رأيي. فصلّيْتُ في بيتي المتواضع في رحاب الطبيعة.

          عندما أتيْتُ هذا الصّباح ، كانت السّماء مُلَبّدة بالغُيوم الرّمادية الدّاكِنة، والجوّ يُنْذِرُ بِهُبوبِ عاصفة. بعض الأشجار الطّويلة كانت تتراقص لِحدّ السقوط بِفِعْلِ هُبوب الرّياح الجامحة.

     في الطريق، صادفْتُ حادثةُ سيْر مُؤْلِمة. سيّارتان اِصْطدمتا بِعُنْف، وحوْلها جُموع المكتظين الفُضولِيّين. وأحد الأشخاص مطْروحٌ على الأرض وجُثّتهُ مُلطّخةٌ بِالدِّماء. مِمّا سبّبَ في اضْطِرابِ السّيْر ونِظام مُرورِ السّيارات التي تجد صُعوبة في شقِّ طريقها

         عندما وصلْتُ إلى بيتي بالمزرعة، ضغطتُ على منبّه السيّارة، وجاء الخادم ليفتحْ باب المدخل الرّئيسي
   ينشرحُ قلبي عندما أكون هنا قِبالَةَ واجِهة منزلي الأبيض الجميل      

     في الواقع أنا فخورٌ لِأبْني لِأوْلادي وزوجتي الوفيّة، هذا العُشّ الهادئ لِيَأْويهم مُسْتقْبلاً. سُنّةُ الحياة أنْ يُهَيِّئَ الذُّكور مآوي الأولاد وأُمَّهاتهم . حتى في عالم الحيوانات تسْري هذه القاعدة الحميدة.  
           أوّلُ شيءٍ فعلْتُه عند إدْخالي لِلسّيّارة وغلْقِ الباب من طرف الخادم، القيام بِجوْلة تفَقُّدِيّة في الحديقة الكبيرة كالعادة، لِأرى ماذا فعل أحمد وما عليَّ أنا فِعْلُه اليوم

           دُرْتُ حِوالي عِشْرينَ دقيقة أُدَخِّنُ سيجارتي مُتَفَحِّصاً كل شجرة على حِدَة، وأنا أتأمّلُ الدّجاج يَنْقُر الأرض بحثاً عن أعْشابٍ لِلغذاء ، ومُتَأمِّلاً الوُرود المختلفة الرائعة الجمال. ما أروعها..! أقْلمُ الأشجار، وأقْطَعُ الأغْصان اليابِسَة، وأُزيلُ الأوراق الصّفْراء. وأجْمعها في كيسٍ بْلاسْتيكيٍّ أسْود


        سَمِعْتُ نِداء أحَدِ الْعُمّال في البناء المُجاوِر جِهة الشّمال يُنادي صاحبه مازِحاً وهو يُقَهْقِهُ عاليا:ً

      ـ داعييييش     

     فأجابه الأخير من فوق سطْحِ منزلٍ كان مُنْهمِكاً في بناء سور مع عُمّالٍ آخرين. وبدآ يتجاذبان أطْراف الحديث الفارغ بصوتٍ عالٍ عابر للمنازل

          فكّرْتُ في أغنيّة السيّدة فيروز التي سمعتها هذا الصّباح وأنا في طريقي إلى المزْرعة:

    ـ الغضبُ السّاطِعُ آتٍ وأنا كُلّي إيمان
لِيطيرَ عقلي تائِهاً في أجْواءِ الشّرق الأوْسط وليبيا وسوريا والعِراق: كل شيء مُدمَّر..!

     فِعْلاً، هُناك عاصفةٌ ما مُقْبِلة بِهُدوء. عاصفة من نوعٍ ليس بجديد. ولكنها

ستعصِف بالعالم دون أن يدري أحد إلى أيّة هاوية ستقود البشرية المُتْعَبَة أصْلا بِالأزمات الِإقتصادية، والحروب الهامشيّة. الحياة صَعْبة، ولُقْمةُ العيشِ أصْعَب

           سمعتُ أحمد يكْحَب ويسعل بِشِدّة وألم ويبْصَقُ على التُّراب وهو يحْفر الأرض اليابسة بالفأس. فقلْتُ له:

         ـ  إسْترِحْ قليلاً يا أحمد. تناوَلْ كأسَ شاي، ودخِّنْ سيجارتك كالعادة لِتَهْدَأ وترتاح ثم اسْتأْنِف عملك من بعد.

          شكرني بعد أنْ وضع الفأسَ جانِباً، وذهب بهدوء إلى رُكْنٍ مُظْلِم أمام السِّياج، فجلس وبدأ يُعَبِّئُ السَّبْسي لِيُدَخِّنَ الْكِيف. فقراء العقول والجيوب يجدون سلواهم في التعويضات الخيالية وشطحات الأوهام.

         تفَقّدْتُ الكلْبان، فوجدْت إناء الماء فارغٌ تماماً، فملأته، ثمّ أعطيْتهما شيء من الخُبْزء وبعض أرْجُلِ وأجْنِحة الدّجاج ورُؤوسها، فالتهماها حيناً. كانوا ضمآنين وجائعين. 
الكلاب تحبّ لحم الدّجاج، أمّا القِطط فتموتُ على اللحوم والأسْماك
ثم أخذتُ حفْنتان من الشّعير مع أرْغِفة من الخُبْزِ اليابِس لِلدّجاج

    مرّتْ دقائق عديدة، أكْثر من نِصْفِ ساعة، وأحمد ما زال جالس يُدخّن. فدخلتٌ الدار أتوضّأ لِلعصْر. ثمّ تناولتُ كأس شاي بارد، وأشعلْتُ سيجارتي الثّانية لهذا اليوم…

     فكّرْتُ في الذّهاب تَوّاً لِتَنْبيه أحمد أنّ عليه أن يقوم ليشتغل. وجدْتُ في ما يَفْعَلُه مُبالغة لِكُلِّ سيجارة أكثر من ساعة. هذا لا يمكن..! . 
 إذا أراد تدْخين أرْبَعَ سيجائر أوْ سَبْسِيات، يَلْزمه أن يستريح أرْبع ساعات. غير معْقول..!

 فإذا بالآذان الرّخيمِ يُعْلِنُ صلاة الْعَصْر. فقُمْتُ لِلصّلاة.

     بعد الإنتهاء من عبادة الله المصلوب في السماء العليا، بدأتُ أُفكّر كيف عرفتُ عبد الله هذا، أي أحمد. لِأن العديد اِشْتغلوا هنا في مزرعتي الجميلة

     أتذَكَّرُ ذالك اليوم حين ذهبتُ في سيارتي إلى الْمَوْقِف أبْحث عن عامِل، وقد اِلْتَفَّ حوْلي العشرات من طالِبي الشُّغْل، اِسْتَرْعى انْتِباهي من بين الوجوه الْمُزْدَحِمة حوْلي، وجْه أحمد الْحزين، فقلتُ له:

     ـ مِنْ أين أنتَ وما اسْمُك ؟

     ـ أحمد من سيدي سليمان.

     ـ وهل تريد أنْ تعمل ؟

     ـ نعم نعم ، أمّي مريضة، وإذا لَمْ أعْمل لِأساعِدها ستموتُ جوعا..!

          منذ ذالك اليوم 15 يناير من عام 2016  وأحمد يشتغل عِندي. ولكنّه بدأ يتهاون في عمله منذ بِضْعة أيّام

          نَهَضْتُ من مكاني غاضباً وأنا قاصِدٌ أحمد. وعندما وصلْتُ إليه كان نائِماً والسّبْسي في يده… فحرّكْتُهُ برجلي وأنا أهُزُّ يده وكتِفه، ولكنّه لم يُجِب.

     فصرخْتُ بقوّة وبشيء من الغضب:

     ـ قُمْ يا أحْماااااااااااااااد. ما هذه الدّعابة السخيفة؟

 فلم يُجِبْ ولو بكلمة 

  وعندما انْحَنَيْتُ أتأمّل وجهه الحزين، لمسْتُ يده
فكانت… باردة

كان الدّم يخرج من أنْفه وفمه، 

… وأحمد الحزين

جثة هامدة..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*