لعنة الشرق (١١)أقنعة الرشوة بقلم الكاتبة هدى غازي من لبنان.

أهداني فسايرته وتخطيت القانون لأجله “عذرٌ أقبح من ذنب أفصح عنه باسل في التحقيق عندما أحيل للمحاكمة على إثر إتهامه بقضايا الرشوة المتفشية في القطاع العام وبعد الهرج والمرج الذي دفع المعنيين عنوة لملاحقة المرتشين سقطت الحلقة الأضعف في سباق التعري من الخطايا ،لم يكن ملك الخلية المنحلّة الوحيد الذي جمع من العسل ما لذ وطاب ،فقد كانت اليعاسيب كتيبة عسكرية واسماؤهم لا تحصى ولا تعد لكن علاقاتهم الثابتة بالدبابير جعلتهم محصنين من لسعات الملاحقة القضائية وقد زادت تخصصات خلايا الفساد في كافة المجالات حتى تفشت في جسد القضاء وتحكمت بقراراته، عندما يكون القانون مطاطا والمصالح المادية أساسًا والمحسوبيات غطاء تصبح المبادىء رذاذا يتبخر مع الريح ، ولكثرة ما يدفع لإحقاق الباطل أصبح الحق رخيصا هذا المرض الاجتماعي الخطير رغم تحريمه في كافة الديانات الا أنه لا زال يستقطب العديد من عديمي الضمير الذين وضعوا المصلحة الشخصية فوق المصلحة العامة ، لم يقدم باسل سابقا على قبول أي نوع من الرشوة لكن الاوضاع الاقتصادية المتدهورة للبلد وتأثيرها السلبي على وضعه المادي جعلته يضعف أمام الإغراءات المادية المتاحة وراح يخلق لنفسه الأعذار فمزق أوراق أخلاقه الحميدة ورماها في سلة اللامبالاة وتبخر حسن سيرته وسلوكه حيث دفعه الإحباط إلى فقدان شعوره بالانتماء والولاء لوطنه،وإن كان المال الحلال يذهب ويبقى أهله فالمال الحرام يذهب هو وأهله وما الرشوة الا ذئب ينهش العدل ويفترس حق العباد، تنسّل المرتشون في دائرته من أفواه المحاكمة وارتدوا أقنعة الملائكة وعلق هو في مصيدة صحوة الضمير والقرارات السياسية المصطنعة لملاحقة الفاسدين في دولة يرأسها جلاد وحواشيه نهبوا البلاد حتى عمت فيها مظاهر الفساد ،باع ضميره بثمن بخس وحوكم بالحبس حتى تملكه اليأس ، لكن زوجته التي كانت على دراية بتفاصيل الأحداث لم تهدأ ولم يغمض جفنها فلاحقت الدبور الأعظم مهددة اياه بالكشف عن أسماء الجهات الغارقة في طين الرشوة إن لم يخلق حلا مناسبا ينقذ باسل من انهياره وخوفا منه على سمعته وعدها بالفرج القريب ، وكان لزوجته ما سعت للوصول اليه فقد تم الإفراج عنه بمعجزة استثنائية لا تحصل الا في امبراطوريات الفساد ، كان يعلم بأن حياته في خطر وحياة زوجته التي واجهت الشيطان وأصبحوا عرضة للنيران كما تأكد بأن خطوط هواتفهم مراقبة بعد الإفراج عنه وخطواتهم التواقة إلى الانعتاق من هذا الكابوس محسوبة ، لم يردعه عناده ولم يتعلم من حسابه المقيت فاتفق وزوجته على الرحيل ولم تكن توبته البديل واستمر مشوار الألف ميل فقاموا برشوة بعض الجهات التي سهلت خروجهم من البلاد ،إنقطع الدليل لكشف المستحيل وطمست الحقائق وأغلق الملف وعاد الالتواء إلى وظائف المدعين الشرفاء كما يحصل دائما في التحقيقات المصيرية التي لم تصل يوما إلى كشف الجناة ، قضاء منحل والإدعاءات بالنزاهة لا تكلّ ولا تمل ووطن مغدور ما زال يبحث عن الحل ،ظاهرة الرشوة تعددت مسمياتها وأقنعتها ( إكرامية-مكافئة -هدية )وجميعها عملة لوجه واحد ، حرمتها الأديان واعتنقها الانسان وارتضى لنفسه الذل والهوان ولا تعالج إلا بالكي على أيدي الشجعان وإن غابت عدالة الأرض فعدالة السماء فرض .

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*