الهدرة الثانية والعشرون : زمان كنّا… وأصبحنا… بقلم الكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.

أمشي على حافة الطريق لأتجنّب أماكن الضّيق وأحيانا أمشي على الرّصيف لأتجنّب السّيارات والزّحام الشّديد… لم أكن بمفردي أمشي… كانت تُرافقني الذّكريات والأحداث.. أهذي وأحكي… أسأل وأجيب … أحلّل وأعيد… أفكّك وأجمّع… ثمّ من جديد أمسح كلّ شيء وأعود الى شاشتي من زاوية أخرى… أعود إلى الطريق أتأمّل الوجوه… أتصفّح العيون… الكلّ شاخص… تائه… لا بِشرٌ يطفح… تبدو على الملامح الرّتابة ويبدو الإرهاق في النّظرات… هل تعبت القلوب وملّت؟ لا شيء يجعلها تبتسم ولا ضحكة على الشفاه ترتسم… لا يتكلّمون.. لا يتواصلون… في المحطّة في صمت يقفون وينتظرون… لا يكترثون لشيء أو لأحد كأنّهم لا يبصرون… أبصارهم في السّماء.. موزّعة هنا وهناك… ينتظرون قدوم القطار أو الحافلة أو التّاكسي… لا أحد يلتفت أو ينظر إلى الآخر أو يسأل… أوّل مرّة أرى النّاس غرقى في الصّمت… صمت في الظّاهر ولكن في الأعماق صخب وضوضاء وهدير أنهار وعواصف وتيّار…

فجأة يكسر ذلك السّكونَ قدومُ القطار فيحثّ الجميع الخطى ويسارعون نحو باب الصعود وهم يتدافعون عند الامتطاء… سمعت صوتا رنّ في أذني أيقظني من صمتي وقطع عليّ ما كنت أتابعه في صمت وقال لي في هدوء: «عجيب أمر العباد، لا أحد كسابق الآوان، تغيّرت كلّ النّاس، لا أحد يهتمّ بأحد ولا أحد يقدّم مساعدة لأحد ولا صغير يقدّر كبيرا أو يتنازل عن مقعده لشيخ أو مريض أو حبلى…» أصغيت إلى الهاجس واكتفيت بالرّدّ بـ «إيه نعم…» أو «صحيح» أو «الله غالب» قال: «أين نحن من أمس، كان كلّ شيء حلو وجميل… لا أكل ولا شرب ولا فاكهة ولا ثمار كالسابق… كنّا فيما مضى نشمّ رائحة التّفاح التي يحملها البائع المتجوّل على عربته من آخر الزقاق.. والآن لا تفّاح… لا دلاع… لا خضر… كنّا نكتفي بملعقة عسل في الصّباح وحبّة طماطم من البستان فنشعر كأننا تناولنا أشهى الأطباق… تغيّرت النّاس… أصبحنا نسجّل أحوال بعضنا البعض ولا نفيد بعض…» وأضاف: «أنا عامل بسيط في مؤسّسة وعدد العمال فيها صغير جدا، «كعبتين وكعبة»، لكنّ القيل والقال أكثر من العمل والعمّال… والبحث في أسرار وخبايا الآخرين هو شاغل العباد.. هكذا تحوّلنا حرّاسا على بعضنا نلتقط الهفوات.. نقتحم الفجوات… نبيع الصّداقات نخون العلاقات…»

صعدت القطار في هدوء وبداخلي خوف وقلق واضطراب… وأنا أستعيذ من الشّيطان وأطلب من الرّحمان أن ينجّيني من الأشرار ويحرسني من عين الحسّاد خصوصا أنّي وقعت أكثر مرة في السّرقة وفي الفخاخ… أنزل من الميتروهات فلا أجد لا هاتف جوّال ولا حافظة أوراق وأجدني في حرب من إدارة إلى إدارة من أجل استخراج أوراقي من جديد… فلا هويّة ولا رخصة سياقة ولا جواز سفر ولا دفتر شيكات أو بطاقة بنكية… كلّ شيء قد طار كأنّي في حلم منام..

تبّا لهؤلاء… اللّصوص تتكاثر ولا قانون أو نصّ دستور يجعلهم يخافون أو يردعون أو يتوبون…!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*