تونس تؤنسنا… بقلم أ.د.سمير عبدالرحمن هائل الشميري من اليمن.

سرني أن أكون أحد ضيوف برنامج جسور ثقافية في حلقة ” تونس في عيون العرب”.

يستريح قلبي بمودة الرصفاء الطيبين المسكونة بالرقة والطيبة وبنغمة جرس لذيذة.

احمل في جعبتي نتفا من الذكريات اللذيذة عن مدينة تونس مفعمة بالإيحاء والكبرياء والحبور والعز والأفضال ولها وقع أليف في صميم فؤادي مضمخة بنكهة فاخرة.

إنا مفتون بمدينة تونس التي تؤنسنا برنينها الأنيق وبرائحتها ودفئها ورقة قاطنيها ، فهي تهمس نغما وتلامس بأناملها أصابع الجمال.

وعن المدينة يقول الروائي الجزائري واسيني الأعرج:

(المدينة هي إذن رونق الحرية والحرية بالنسبة لي شيء مقدس آلى أبعد الحدود ، عندما تسرق مني حريتي أختنق وأموت في اللحظة نفسها)

أما الروائي وعالم الاجتماع المغربي الطاهر بن جلون فيقول:

(علاقتي بالمدن علاقة مهمة لأنني مدني قبل كل شيء ولست إنسانا قرويا..أما طنجة فهي مدينة الانفتاح والمرور والعبور ، الدخول والخروج كونها ميناء أيضا).

وعلى صعيد متصل أحب الشاعر العدني لطفي جعفر أمان مدينة عدن ، ولم يشعر بالغربة والضياع بين أحضان هذه المدينة الأنيسة ولم يسر على نفس نهج الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازى الذي وصف القاهرة بالكفر والخشونة والقساواة في ديوانه الشعري الأول( مدينة بلا قلب 1959م).

أيا قاهرة!

أيا قببا مثخنات قاعدة

يامئذنات ملحدات

ياكافرة!

أنا هنا لاشيء، كالموتى، كرؤوية عابرة

أجر ساقي المجهده

للسيدة

تونس مدينة أنيقة وشهية يتعذر الإحاطة بسحرها وأساطيرها والولوج إلى أعماقها ، فهناك لوحات بديعة تغذي الروح وتدهش اللب ومن جوفها يصعد هتاف روحي يجبرنا على الابتسام.

لقد سطر بيراعه الروائي التونسي حسين الواد إبداعات لامعة يشكر عليها في روايته ” رائحة المدينة ” ، حيث نجد فيها مسحة أنثر وبيولوجية لمدينة تونس في الأزمنة الفارطة والحقب الزمنية المعاصرة ، لقد جمع مابين الإبداع الروائي والحس الأنثروبولجي.

هناك ذكريات جميلة وشهيرة احتفظ بها في طاسة رأسي عن مدينة تونس:

((كل شيء حولي ينذر سعادة نادرة

كتلك التي تشعر أنها لاتأتيك

إلا مرة واحدة في العمر ) ” محمود درويش”.

ففي تجوالي الشغوف في أحياء المدينة العتيقة:

تربة الباي ، القصبة ، جامع الزيتونة ، سيدي بن عروس ، زرقون ، الصباغين ، الكومسيون…….

كنت أشعر بحميمية ودفء وضياء روحي ونشوة نفسية ، كنت أغوص في تجاويفها وحسن رونقها وبنيتها المادية ، كانت تجذبني الزخرفات والفنون والنقوش ، كنت أغوص في الجغرافيا الإنسانية ، أحببت الناس الذين يشبهوننا وسياقات التفاعل البشري و الكثافة الروحية وسوسيولوجيا وموروفولوجيا وأنثروبولوجيا مدينة تونس والعمق الأدبي والإنساني والعاطفي.

لا أتردد في القول ، كما قال الشاعر التونسي/الصغير أولاد أحمد:

نحب البلاد

كما لايحب

البلاد أحد

نحج إليها

مع المفردين

عند الصباح

وبعد المساء

ولوقتلونا

كما شردونا

ولو أبعدونا

لبرك الغماد

لعدنا غزاة

لهذا البلد

كنت أجد إيناسي عند مصافحة عيني للشوارع الحديثة:

باريس ، بورقيبة، المغرب العربي، محمد بوعزيزي، جمال عبد الناصر، قرطاج. وشغفت كل الشغف بمتحف باردو.

أحببت الخلق في محافلهم ومجامعهم ، أحببت الوجوه المألوفة التي تبث اللطف والأنس في خافقي وعمق خاطري.

أحببت أهل الذكاء والكيس وزملأ المهنة والتخصص: منير السعيداني ، بشير التليلي ، لحمر مولدي ، منصف القابسي ، عبدالستار السحباني.

تشهيت اللغة المهموسة الخرساء الخارجة من أعماق الإنسان بنغمات حارة كثيفة الإبهار تسكن شغاف القلب وترصن جودة العلاقات الإنسانية الملفوفة بشمائل الخير والتسامح والصلاح ومكارم الأخلاق ومحامد الأفعال.

تونس تنزع عنك الحزن والغربة والألم النفسي والجسدي واضطراب التفكير والمشاعر والإكتئاب الجسيم ، تجعلك مرحا تفيص روحانية متوهج العقل سليم الصدر تسري في عروقك المحبة والمسامحة والراحة الروحية واللذة الحسية والعقلية ، على عكس المدن الصلدة التي تسرق فرحك وتمتص وهج روحك وتجعلك صديقا للكآبة والضجر والهلع والخوف وتمنعك من قراءة الجغرافيا وسياقات الفعل البشري والفضاء الحضري والعلاقات والبنى والمعتقدات ، وتشل أحاسيسك، فهذه المدن الصلدة مريضة وحزينة حتى الموت.

وأنا أطوف في شوارع وأزقة وجادات مدينة تونس ، كانت تلح على ذهني عبارات وكلمات الكاتب والمثقف المصري عبدالوهاب عزام (1958-1895م) ، الذي قال:

(ذهبت مرات إلى فلسطين والشام والعراق فكان يخيل لي أينما سرت أني لا أخطو إلا على صفحات من التاريخ المجيد ، لا أرفع بصري إلا على عنوان من عناوينه في صورة مسجد أو مدرسة أو قبة حنت على عظيم أسلافنا….

وطفت في العراق مدنه وقراه وحضره وباديته فكانت بغداد عندي القاهرة ، بل أجل ذكرا ، وكانت الكوفة والبصرة والموصل أعظم أثرا على نفسي من طنطا والمنصورة).

وعلى نفس الأفق تذكرت عالم الاجتماع التونسي د.سالم لبيض ، الماهر في حياكة النص السوسيولوجي ، حيث يقول:

(إن مسألة الهوية في نهاية المطاف ، ليست مجرد انتماء مجتمع فحسب ، إنما هي تحصنه لكي لا يبتلعه الآخر ويطمس جميع خصائصه ومكوناته ، خاصة في ظل عولمة شرسة أتت على اقتصاديات الشعوب بعد أن وضعتها في المزاد العلني ، لتسقط لقمة سائغة في أفواه الشركات العابرة للحدود القومية ، وهي تتبع خطى الثقافي لتخترق الحصون القوية للهوية وتفتتها من الداخل).

ونسيت أن أقول ، عندما كنت أغوص في جزئيات وتفاصيل مدينة تونس النابضة بالحيوية والتي تمتاز بوفرة المثقفين والسوسيولوجيين ، طفت بخيالي بين وجوه المبدعين التونسيين ، لطفي بوشناق ، خيرة مباركي ، والأكاديمي المرموق عبدالسلام المسدي ، هشام جعيط ، المنصف السويسي ، عائشة التايب ، محسن بوعزيزي ، عبدالباقي الهرماسي ، الطاهر لبيب الذي أدهشنا بكتابه  “سوسيولوجيا الغزل العربي الشعر العذري نموذجا”.

لقد أبحت لنفسي التفرس في الوجوه والفضاء العمومي ، وأطلقت العنان لذكائي العاطفي والاجتماعي لقراءة المشاعر والأحاسيس للسارحين والبارحين في شوارع حافلة بالبشر والديناميكية وبلغة سوسيولوجية مرنة مردوفة بملحوظات أنثروبولوجية.

(كيف نشفى من حب تونس

الذي يجري فينا مجرى النفس

لقد رأينا في تونس من الألفة

والحنان والسند والسمح

مالم نرى في أي مكان آخر ) ” محمود درويش”.

ولقد قال الشاعر/نزار قباني:

يا تونس الخضراء جئتك عاشقا

وعلى جبيني وردة وكتاب

…………………………………

…………………………………

هل في العيون التونسية شاطئ

ترتاح فوق رماله الأعصاب

أنا يا صديقة متعب بعروبتي

فهل العروبة لعنة وعقاب

أمشي على ورق الخريطة خائفا

فعلى الخريطة كلنا أغراب

……………………………

……………………………

لاتغضبي مني إذا غلب الهوى

إن الهوى في طبعه غلاب

فذنوب شعري كلها مغفورة

والله جل جلاله التواب

ويطيب لي أن أعلن ، أني لا أشعر بغربة في تونس ولا في أي بلد عربي ، ورحم الله الشاعر/فخري البارودي الذي قال:

بلاد العرب أوطاني

من الشام لبغداد

ومن نجد إلى يمن

إلى مصر فتطوان

فلاحد يباعدنا

ولا دين يفرقنا

لسان الضاد يجمعنا

بغسان وقحطان

قد لا أكون في حاجة للقول ، أن المفكر التونسي/الحبيب الجنحاني ، قد وضع الحافر على الحافر حين قال:

.( الوطن ليس مجرد فضاء جغرافي ، بل هو في الأساس حرية وحقوق )

وليس من الشطط القول كما قال أحد الثائرين المشهورين الذي ملأ جعبته بالحقائق:

(كنت أتصور الحزن يمكن أن يكون صديقا ، لكني لم أكن أتصور أن الحزن يمكن أن يكون وطنا نسكنه ونتكلم لغته ونحمل جنسيته). نص مداخلتي المسجلة صوتيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*