الصور الفنّية عند محمد حسين آل ياسين بقلم الناقد عبدالباري المالكي من العراق.

لا يوجد حد فاصل بين اللذة والألم لدى شاعرنا , فهما يقودانه إلى الحقيقة ذاتها وإنْ اختلفت طرقُهما ( فاللذة تولد مع ألم المخاض )  ,                        فالتنافس الحاد هو ما يجعل  من فكرته الفنية أكثر غناء فيكون قادراً على تحديد وسائل التعبير لهذه الحقيقة فتتّحد هاتان القوتان في لحظة حاسمة ليكتمل بناء المعنى والصورة بما لا يمكن الاستعاضة عنهما بمعنى وصورة أخريين , فهما تشتركان معه برابطة الدم , فلكلّ قوة خصيصتها الفاعلة في مواقف معينة لديه . 

فالتناسق الفنّي والتناغم الموسيقي يكونان بالمستوى العالي وبذات السمو, في كلّ قصائده , مع الأخذ بنظر الاعتبار ميكانيكية كلّ قصيدة وفكرتها ما يجعل كلّ واحدة منها لوحة تزدوج فيها ذات الشاعر مع صورها , وتلك هي الموهبة الحقيقية التي يتصف بها شاعرنا في تحقيق هدفه , فهي باقة منوعة من القصائد التي تناجي وجدان وروح وفكر المتلقي فيحيلها إلى عمق المفردة الحسّية الشعرية العميقة, بدلالاتها ورموزها وصورها واستعاراتها وانزياحاتها وحُسن نظم قوافيها وخصوبة المخيلة الحسّية الشعرية وبنيتها النصية .
لقد راق لشاعرنا أن يلوذ بأذيال الفرار وأن يتعجل به ويصمّ أُذنيه عن نداء الروح بإصرار يائس على التعلق بقشّة واهية في ظلمات البحر لا يريد أن يعترف بهاوية القنوط , فيقول في قصيدته ( فجيعة الشاعر ):-
( أوج ما يلقاه في دهـــــــره ِ أنْ يُفجع الشاعر في شعرهِ
فإنْ شكا من رهقٍ حامـــلٌ عاجلَهُ الحمل إلى بتـــــــرهِ )
وفي لقطة أخرى نراه يبوح بسرّه ويجاهر بما عاهد به نفسه على كتمانه حينـــما لا يرى بدّاً من موته وذلك بعد أنْ فارقته الأماني فلا يجد اللـذة إلا مع ذلك الألــم فيقول :-
( أنا إنْ متُ فامســحي بيديكِ خافقاً ذاب من صنوٍ عليكِ
مات مذ فارق الأمانيَ لـكنْ ظلَّ رغم المنون يحيا لديكِ )
والفنّ في نظر شاعرنا …. هو الواقع .
والمطلب الأساس عنده أن يكون صادقاً تجاه نفسه وتجاه كلّ الأغراض والمجالات التي يعيشها بنفسه أو مع ما يحوطه من عوالم مختلفة , لأن ذلك الصدق هو ما يحرّكه فتنبثق أمامه صور الحبّ والغضب حيث تتألف منهما أدواته في جوانب مختلفة ومتعددة من قضاياه حيث استخدام الواقعية حيناً, واستخدام الرمزية المطلقة حيناً آخر .
فأنماط استعاراته لا تنتهي عند حدّ معين وذلك لشدّتها على النفس ولقوة غريزة الاحساس لديه بالأمل وإن يكن ضائعاً, فلا غرابة أن يدهشنا شاعرنا بجودة البيان وسحر البلاغة وفتنة الجمال في قصيدته (فائدة) حيث المعالجة الفنية بأسلوب سلس يعبّر عن العواطف , ويترجم المعاني ويصوغ الأفكار في صيغ وأشكال فنّيــــة مختلفة .
فعواطفه وأفكاره باتت خلف النماذج الرائعة التي يؤطرها بأطرٍ بديعة خالصة من الأدران , والتي انشأت له عالماً جديداً خيالياً وواقعياً بنفس الوقت , يلتحمان في صور ومعانٍ كأنه التقطها بنفسه لتنشأ عن ذلك بنات خياله الجموح فيشعر بالارتياح والصفاء الباطني الذي يشتهي أن يجني منه قطوفاً من خمائل فنّه ويلوّح به من كمال التركيب بما يعرضه من جمال واتقان مترافقين في الصيغة , حيث أننا نجد قمة الإحساس في ذلك , تستميل إليها النفوس وتستطيب لها الرغبة بأسلوب هو التذوق الفنّي الذي تميز به شاعرنا وأصبح انتماء فيه , ففيه صوت أعمق غوراً وأندى جرساً رغم ألمه المكظوم , فأي أمل متأرجح وأية روح معلـــــولة تحدّث بها , أبد معٍ طال أمَدُه ؟ , أم بجفن تقرّح , أمْ بنفس أحرقتها دنياه التي أقضّت مضجعه غير حاسب لخطاه حساباً ولا عارفاً لها أيّ مقصد , فلا قدراً يعوّضه عن تعاسة أصابته ولا عن أضلع احتوتْه , ولا عن صدر هدْهدَه , ولا عن فمٍ قبّله بشغف ولهفة , ولا عن ظلّ ارتاح إليه , ولا عن شبحٍ احتمى به , فهو واثق أشدّ الوثوق أنّ الأمور تسير على غير ما يتمناه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*