قراءة في نص الشاعرة نبيلة الوزاني ” في تمَامِ البَياضْ” بقلم الناقدة والشاعرة فاطمة شاوتي من المغرب.

هو رحيق القراءة الذي تماهى في ذائقة شاهقة التذوق سامقة الارتفاع عميقة الغوص في أعماق الحروف لتنثر ضوع عطر تعتَّق في فكر باذخ الرؤى …حنكة بارعة الاستشفاف لأدوات النص وعرض بارع للدلالات وتنقيب مميز عن ماهية المحاور التي تضمنها هذا النص البسيط.من هنا يسرّني تقديم الشكر للأديبة الشاعرة الناقدة المغربية القديرةالأستاذة Fatima Chaoutiعلى هذه الهدية الباذخة الرقيّ الواعية الضوئية التي توّجتْ نصي الصغير هذا فشكرا لا شواطئ لبحرهوتقديري مداه …….

النصّ:

& في تمَامِ البَياضْ &

بَعضُ حِكاياتِ الحُبِّ
لُعْبةٌ
ابْتدعَها الخارِجونَ
عَنِ الصِّدقِ
وعاشَها النّافِذونَ
في َحَقيقَتِهْ .
الصِّدقُ مَعبَرٌ فِطْرِيٌّ
لِنُفوسٍ تشْتري الضّوْءَ
مِن مُدنِ الشّمسِ

فَمَن يُضيفُ للمَعبَرِ خُطوَة؟

بَعضُ الحُبِّ
لُعبةٌ
إذا ما اهْترأَ بَريقُها
انْطَفأْ .
الحُبُّ عِندَ البَعضِ
لُعبَةٌ
لَمْ تَنجُ مِن شِراكِها
الأَصابِعُ البيْضاء ،
أخبِرْني أيّها الوَرقُ
إلى مَتى سيَعتَنِقُ الحِبرُ

أساطيرَ القَصّاصينْ؟

أيّها الحبُّ
هلَّا تخيّلْتَ قيْساً
مُقْصىً عَنْ خِمارِ ليلَى ،
ما حِيلَةُ الشِّعرِ
والرّيحُ بلا أُذُنْ ؟ …
كيفَ أشرحُ لِعقْلِي
رحلَةَ اليائسينَ
إلى مِقْصلَةِ النّهايَة؟
فَمَا أَدْراكَ يا شِيكْسْبير…!
أنَّ عَشيقيْكَ الخالِدَيْنِ
لَمْ يَكنْ لِيُصَابَا بِالجُنونِ
لَوْلا صِراعُ الكَراسِيّْ ؟…
بِماذا أَفُكُّ تَلعثُمَ النُّورِ
حينَ يكتظُّ الظَّلامُ ؟
حتّى أنتَ يا إحسانُ
ليْتكَ لَمْ تَجْعَلْها
(نظّارةً سَودَاء)
ورسمتَ السُّطورَ
مَجرّاتِ أَلْوانٍ

لاعْتَدَلَ مِزاجُ الرِّوايَة .

لُعبةٌ حَمقاءُ
تُصَيّرُ الحُبَّ نَهراً نَحيفاً
يَرتديهِ عَطشُهُ
تُحاصرُه الضِّفافُ
يَضِيقُ سُمْكُهُ أَََكثَرَ فأَكثَر ،
تُطالبُهُ الأَسْماكُ
بِنصيبِها مِنَ الماءِ
يَركضُ و يَركضُ ويركْضُ

فيَغرَقُ في عُمقِهْ .

لا شَيءَ يُبَعثِرُ المَعْنَى
كُلّما سَلِمَتِ القَواعِدْ ،
تَقولُ الطّاوِلَةُ :
كلُّ لُعْبةٍ قابلةٌ للتّفكُّكِ
حينَ تخْتلِفُ النَّوايا ،
كُلُّ لُعُبةٍ مُنْحدِرَةٌ للنّهايةِ
حينَ تصْطَدِمُ الرَّغباتْ ،
وتَبقَى الغايَةُ

سِيكُولُوجْيا الكَوالِيسْ .

أيّها المُقيمُ
في القُصورِ الرّمليةِ…!
أنا امرأةٌ
تُفضّلُ القواعدَ الثّابِتَة ،
أشُدّ زِمامَ الافْتِتانِ
إذا ما دَعانِي
لِرحلةٍ بَعيدةٍ عنْ مَواسِمِي ،
لا تسْتهْويني لٌعبَةُ النّرْدِ
أعشقُ الشّطْرَنْجَ
أَمْتطِي أَحصِنتَهُ
أتجَاوزُ بَيادِقَهُ ،
الحَصيلةُ :

كَشْ مَلِكْ .

يَسألُني غَباؤُكَ :
هَلْ لِلْحِكايةِ مِن قِيامَة؟
يُجيبُ فَصلُها الأخيرُ :
في شَرعِ الحُبِّ
لا تُقبَلُ تَوبَةُ الّلاعبِينَ ،
فَكيْفَ يا غزيرَ الدُّمَى
ستنْتظِرُكَ
على ناصِيةِ القَلبِ
امْرأةٌ
في تَمامِ البَيَاضْ ؟.
،،،

نبيلة الوزّاني

إضاءة الأستاذة فاطمة شاوتي للنص :
البياض لغة قاعدة كل الألوان…
البياض معنى؛ هو محو أي لون ليكون البداية،
في تشكيل ماوراء البياض…
البياض نص مكتوب، ببياضات تعانقها شاعرة، بحجم المنطوق،
منطوق يحمل في تقاطيعه الشد والجذب،
شد حول قضية تتضارب حولها المواقف، وجذب يجعلها موقفا خاصا وليس عاما…
من هذه المعادلة :
البياض /واللابياض
نسأل النص:
كيف تمكنت من توظيف حكايات التاريخ في تحديد اللعبة/الحب.. ؟
الحب قيمة شمولية
وحق تؤممه الشرائع؛ والثقافات؛ والمواثيق؛ حق يعتبر مبدأ الإنسان
يؤكد إنسانيته ويمحوها غيابه….
هذا الكائن الزئبقي
الحاضر/ الغائب/
اتخذ وضعا مختلفا في هذا النص،
وضع اعتمدت فيه الشاعرة نبيلة، استدعاء أحداث وازنة لاتخطئها ذاكرة العشق ،من خلال زمن عشقي نعرفه،
زمن روميو /جولييت حكاية انجليزية لحدث إيطالي، معناه أن الحب لايعترف بالهويات ولا بالجغرافيا! ولابالثقافات، ولابالقيم الطابو…
حكاية نفس الزمن العشقي من تاريخ، لاعلاقة له بالحضارة الأوروبية، ولا بالشرف واعراف القبيلة، ولابرمضاء الصحراء،
لأنه الرمضاء في قلب قيس /ليلى، والتي غناها (محمد عبد الوهاب)
في مسرحية مغناة جميلة
مسرحية روميو /جولييت…
مسرحية قيس /ليلى
كيف يتحول الألم تحفة؟ إنها القوة الخفية لهذا الساحر الخطير،
الذي لايمكن الإمساك به إلا محترقا أوحارقا
هذا المقطع يؤسس لرؤية الشاعرة، باعتماد ها زمنا وحَّد التيمة! وهو زمن العشق ،وزمن خلق شرخا، هو تناقض الجزيرة المتصحرة وجدانيا، تعكسه الرغبة المتأججة على مستوى اللاوعي،
لأن الممنوع مرغوب، فكانت التجربة تعويضا وتجاوزا ،لمحرمات القبيلة…
الحب هنا صعلوك ضد القبيلة، وكأني أراه :
(عروة بن الورد) يُشهر سيفه في وجه القبائل ليُفرَد كالبعير الأجرب بلغة (طرفة بن العبد)…
إنه المحرم /
المطرود/
المغضوب عليه/
بتحريم الارتباط، لأنه الشاعر تشبب بها…
هكذا إعلان الحب في قيم القبيلة، تشهير يمنع الحب، تحت طائلة الإقصاء والحرمان من الزواج، لأن القبيلة تتحكم في الحب، لابوصفه اختيارا بل هو خرق للقواعد…
قد تعرض المرأة إلى إقصاء رمزي، وربما مكاني أيضا…
فقط تبقى الأطلال متحف الأرواح الممنوعة، من حقها الطبيعي والكيميائي؛ تحت طائلة العنف الإجتماعي وأكراهات التاريخ…
إن باستدعاء النظارة السوداء تكتمل صورة الزمن ،لأنها تطمح ذاتيا بوعي، لو تغيرت موازين القوى لصالح العشاق لما انتحر العاشقان ولما أصاب الجنون قلبيهما….
هو استدعاء لمتن النظارة السوداء لتكسر البياض، الذي قد يكون بدوره موتا سريريا، لقضية تصير في موتها لعبة….
اللعبة اللغوية أثقنتها الشاعرة في تشكيل البعض، مفهوم أفاد عدم التعميم…
بعض الحب لعبة
الحب عند البعض لعبة
ثنائية استلهمتها من التضاد المعرفي، لتأكيد الإشكال موضوع النص
هذا النص قوي بهذه التداعيات التاريخية، ولدت استيهامات شعرية، حول واقع الحب، كيف تحول في جزءمنه، وعند البعض إلى مجرد حدث عابر، بهدف تصوير قيمة تسقط في زمن لايهتم بهذا الحدث…
وتنتهي إلى نتيجة تمحو التهمة /لعبة
بأغنية نجاة الصغيرة
و”كأني لعبة بين يديه”
لتضاد الموقف بنفيه
لست لعبة كما يتصور البعض…
لست بعض الحب كما ينظر إليه الآخرون…
إنني امرأة بكامل البياض والبياض هنا، له معنى أعمق، يحيل إلى الحقيقة والشفافية، وترفض ما اعتقده النص بلسانها، ضد النص، أنه في تصورها ليس لعبة إنه الحب كما تؤمن به، بداية ونهاية اللعبة…
جميل هذا النص عميق اللعبة بمعناها الإيجابي أكثر…
أثارت انتباه العقلية الذكورية، بأنها حولته وفق قواعد البراغماتية، القلبية لعبة طرفاها الرجل والمرأة،
ولكنها ترفض لعبها بحمولة…
نفس العقلية التي تتصور الحب نزوة فقط، لاقيمة متعالية، عن إدراك معاق في مجتمع لايعي جيدا دلالة الحب…
فشكرا أيتها العاشقة داخل زمن العشق خارج زمن العقل العربي، الذي يراه مجرد عبور إلى أهداف أخرى، لااغامر في نقاشها إلى عقلية تعيش سكيزوفرينيا، على مستوى الجسد والقلب
يعشقها، بكل مااؤتي من حب إلى منتهاه،
يتزوج غيرها لأنها لم تعرف سواه…
ماالحب إلا للحبيب الأول،
لكنه يسمح لنفسه أن يكون فارسا أخيرا،
وهي فرسه الأول
مفارقة تؤكد سؤالي :
أليس الحب لعبة ؟

فمن يلعبها بشكل إنساني لاتورية فيه….. ؟

نستخلص من هذه الإضاءة أن الحب رغم كل مناوراته، ورغم مايحيط به من ملابسات، ورغم ما يعتوره من مشاكل، ورغم أنه القضية الأولى والأخيرة التي تطرح نفسها علينا بصيغ متعددة، فإنه يبقى القيمة الأولى الكونية بامتياز التي تحقق إنسانية الإنسان رجلا وامرأة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*