” الطّبيب الشّاعر إسماعيل العبّاسي يقطف ديوانه الأوّل بتحدّ كبير و شكل مثير ” بقلم الكاتب الناصر السعيدي من تونس.

لا ندري للأمانة أيّهما الأسبق و الأفضل و الأوْلى … الطّبيب الدّكتور أم الشّاعر المبدع حتّى نضع ضيفنا في الإطار إن صحّ التعبير و نَفِيَهُ حقّه لقاء إصراره على تحدّي السّائد المروّج له والذي فتح الباب لكل من هبّ و دب فتطاولوا على مملكة الشعر بسلاح يطلقون عليه اليوم ” الشعر الحر” … إذ أن إسماعيل العباسي راهن على الشعر العمودي بل يفتخر بما أقدم عليه  فنشر بكلّ إصرار مجموعته الأُولَى ” حفيف على شرفة حالمة ”  و هي تحتضن 86 قصيدة بالتمام و الكمال وقد تعطرتْ بعبق المكان و سحر الزمان لأنه بكل المواصفات هو ابن ماسكلياني المجد و التاريخ و سليل مدرسة القيروان الفكرية الضاربة في القدم فعلا و قولا و كأنّه حرص على أن يكون تلميذا وفيّا لجهابذة الشعر الذين استأسدوا في الذّود على كتابة قصيدة التفعيلة حيث تفرض بحور الخليل إيقاعها و أوزانها شكلا و تتفاعل حبّا و إبهارا مع مضامين خضّب بها الدكتور إسماعيل العباسي نصوصه الشعرية و قد حامت حول الأرض والوطن و الغزل و الهجاء و الزهد ثم مع واقع اليوم بتحولاته السياسية لندرك جيّدا أن شاعرنا ظل وفيّا لبداياته لمّا دلف إلى الساحة الشعرية في خانة القارىء الوفيّ المهووس بالشعر، و هو التلميذ الحالم  الذي آلتهم بشغف شعرعنترة بن شداد و زهير بن أبي سلمى و الخنساء و الشنفرة و عروة بن الورد و حفظ شعر أبي نواس و المتنبي و أبي العتاهية و بشار بن برد ثم أقبل على شعر إيليا أبو ماضي و أحمد شوقي و معروف الرّصافي و أبي القاسم الشابي إلى أن بدأ يستلهم محتويات نصوصه الأولى   في أبهى البدايات حيث كان يلتحف بظلام الليل و يسرق اللحظات بعد التزامات دروسه ليكتب القليل من الشعر محترما الشكل العموديّ الذي سكن ذاكرته منذ صباه و جعله يصرّ أن الشعر النثري هو نصّ خارج حدود الامتياز و الإبداع عكس ما في قصيدة التفعيلة التي يراها أصل الشعر إذ تمزج بين الوزن و اللحن و القافية و الصورة الشعرية فتينع كاملة الأوصاف و يصحّ عليها تسمية القصيدة .

الدكتور إسماعيل العبّاسي هو شاعر بآمتياز لأنه لم يتطفّل على الساحة و تسرّع كغيره ايمشيَ في الأرض مرحًا ، بل تشبّع بالشعر قراءة و حفظا و فهما و تمكّن من أصول الكتابة و بنى أحلامه على أسس بحور الخليل بن أحمد و هو المدرك أن الشعر حبّ و إلهام و سخاء يسكن الوجدان لا تستجديه بل يباغتك في الوقت المناسب لأن شاعرنا تعلّق بدراسته الجامعيّة في كليّة الطبّ أوّلا فنجح  بآمتيازو تخرّج برتبة ” طبيب أسنان ” و لمّا تحرّر من قيود الفروض العلميّة انطلق في نسج القصائد و جمع جذاذات الطفولة ليرتّل الأبيات و هو يعزف على الأورغن أجمل السنفونيات الرومانسيّة السّاحرة  و قد أقبل عليه القرّاء من كل صوب و حدب ليتمتّعوا بتجربة شعرية أينعتْ حديثا في خانة الشعر العمودي ، تفتح للرحلة من هنا ما يؤشّر للتميّز و الإبداع … و من هناك ما يرمز للإصرار و التحدّي ، و في الذّاكرة ما قاله المتنبّي : ” على قلق ، كأنّ الرّيح تحتي ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*