مكان تحت الشمس…قصة قصيرة.. بقلم الكاتب محمد ابو الفتح من مصر.

أنا نبتة صغيرة تسمى أو يطلق عليها شجيرة, ساقي قصيرة مرنة ولي عدة أوراق صغيرة ترتفع لأعلى وكأنها تشكر الله على هبة الحياة ,وبراعم تكاد تفتح عينيها لنسيم الحياة.
شاءت إرادة الله أن أنمو في هذه الغابة الضبابية المترامية الأطراف تحوطني من كل جانب
أشجار عملاقة عريضة الجذوع كثيفة الأغصان متشابكة الفروع وكأنها عمالقة لها آلاف
الأذرع ,والتي إذا ما إهتزت مع الريح سمعت أنا والشجيرات الصغيرة من أمثالي زئير
يرج أنحاء الغابة ويدب في أوصال الضعفاءأمثالي رعب يكاد ينزعنا من جذورنا الضعيفة.
كنت أنا ومن هم مثلي نسمع عن ماء المطر ولا نعلم مذاقه, نسمع عن هواء نقي ولم نشم رائحته, نسمع عن الشمس ولم نرى ولو مرة ضياءها أو نحس بدفئها, هكذا كنا ! نعيش
فقط بين الضباب نتنفس الهواء الفاسد ونكاد نموت برداً وعطشاً إلا من بضع قطرات من
الدماء من حيوان برئ يقتله حيوان ضاري لينهش لحمه من الجوع ويشرب دمه من
العطش,ولكن الأشجار التى تحكم وتتحكم في الغابة وتمتع بالهواء النقى والماء العذب
والضياء والدفء كانت من آن تسمح لنا ببضع قطرات مطر وبعض لحظات ضياءلآخر
حتى لا نموت خنقا وجوعا,فإذا ما تجرأت منا نبته واعترضت على هذا الحال كانت
الأشجارالسامقة المخمورة بخمر القوة والسلطة تسلقها بلسانها لوما وتقريعا قائلة: أنتم لا
ترون ما نرى, ولا تعلمون ما نعلم,نحن في شغل بأمور بأهم وأنتم تنشغلون بأمور تافهة. وبالطبع كنا نلوذ بالصمت إما إقتناعا أو خوفا.
ساءت أحوالنا وتساقطت براعمنا وأوراقنا قبل الأوان والأشجا رالسامقه في علياءها لا
تشعربنا أوتدري بأحوالنا وحالنا الذي يتغير من السيئ إلى الأسوأ.
وذات سمعت همهمة وأحاديث غير مفهومة تدور بين الأشجار الكبيرة وأحسست في نبرة
أصواتها بشيء من الخوف أعرفه أنا وأمثالى ولكن لم نكن نسمعه أو نحسه في حديثها.
إسترقت السمع كي افهم فحوى حديث الأشجار ففهمت أنها تخشي شيء يسمى الإعصار
سيأتي إلى غابتنا بعد أيام قليلة , وتسآلت: إعصار! وما الإعصار؟
فسمعت الإجابة من الأشجار دون أن تدري أني أتسمع حديثها:
إنه عاصفة هوجاء يأتي بريح شديد ة تقتلع أعتى الأشجار من جذورها وغيامات ممطرة
تغرق الأرض في مياه الأمطار,فارتعبت مما سمعت من أوصاف وأفعال هذا الإعصار ثم
فرحت واستكانت نفسي واطمأنت فلست شجرة ضخمة أخاف الإعصارفليس لدي أنا
وأمثالي أساسا ما نخاف عليه فليس لدينا في الأساس أي شئ.
وأتي الإعصار وزلزل الغابة بأصوات رياحه وبدأت الأشجار الضخمة تتطاير في الهواء
بعدأن إقتلعها الإعصارمن جذورها الواهية لقد ألهاها التطاول لأعلى ولم تجعل لنفسها يوما
جذورا ترتكن إليها فكان إقتلاعها على الأعصار بالأمر اليسير.وتماسكت أنا وأمثالى
بالأرض وتمايلنا بالسيقان الضعيفة المرنة مع الرياح بينما جذوع الأشجار الضخمة التي
أمضت السنين في تغذيتها وتضخيمها كانت سبباً في دمارها وتحطمها فلم تعطها الفرصه
لتميل مع الرياح, فكانت ما بين أشجار طائرة في الهواء وأخري قصم الريح جذعها
وتركها تترنح وتحتضر, ولأول مرة نري أنا ومن معي السماء مكشوفة أمامنا دون حجاب
بعد أن تحطمت شبكة الأغصان التى كانت تحجبها عنا وبدأنا نشرب من ماء المطر
ونتذوق حلاوته , شربنا منه حتى الثمالة فارتوينا ودبت الحياة في براعمنا واغتسلت
أوراقنا من هموم سنين طويلة ولكننانشعر بخوف من هذا المجهول, ومرت سويعات وهذأ
كل شيء ووجدنا الشمس تسطع ويضمنا ضياؤها في حنان أم مشتاقة لأولادها وسرى فينا
دفء لمنعهده من قبل فأخذتنا نشوة من الفرح والسرور,إنتشينا جميعا حتى كدنا أإن نغيب
عن وعينا وكأننا كنا نشرب خمراً وليس مطراً (أنها خمر الحرية) إنتبهنا على هذا القول
من إحدى الشجرات التى تحتضر بجوارنا بعد قصم الإعصار جذعها إلى نصفين, فرددنا:
حرية! قالت وهي في الرمق الأخر :نعم الحرية ولكن أيتها الشجيرات الشابة إنتبهن لما
وقعنا نحن فيه من الخطأ وتعلمن أن يكون لكن جذورا قويه تمتد في الارض, وتشابكن
بالجذورولن يستطيع أي إعصار أن يقتلعكن من أرضكن ولا تغترن كما كنا بقوتكن
وتأخذن حقوق غيركن من ضعاف الأشجار وصغارها.
أيتها الشجيرات المطر وفير يكفي الجميع والضياء كثير ينير للجميع فلا تطمعن في ما هو ليس من حقكن وإلاسيكون مصيركن مثل مصيرنا, أيتها الأشجار دعي لغيرك من الشجيرات
أتركي لغيرك . … مكان تحت الشمس ….
محمد ابو الفتح/ مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*