الحرّاگة (قصة قصيرة) بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.

أهدى جار جاره كلبا شرسا لحراسة حوش منزله المجاور لحديقة الأمراء التي يملكها شمال الحدود وبذلك يمنع من يتعداها من النازحين وعابري السبيل من حين لآخر … لكن مع توالي الأعوام شحت الغيام وحل الجفاف في كل جهات الجنوب فقَلّ الزرع وجَفّ الضرع وضَمَر الكلب حتى قضى نَحْبَه وانقطع نباحه… فانبرى الجياع يتنقلون من مكان إلى مكان برا ثم بحرا يقفزون على الأسلاك الشائكة و يمخرون عباب الأبيض بكل الوسائل الممكنة في اتجاه الضفة الأخرى حيث يوجد الرزق المفقود ويتحقق العيش المنشود وحيث حديقة الأمراء الزاهية بزهورها العبقة وأشجارها السامقة… ولما تيقن جار الشمال بالخطر المحدق بحديقته لأن كل النواحي بدأ يتردى وضعها والغرباء يستوطنون رَبْعَها… حاول تدارك الأمر فسارع إلى إهداء جاره كلبا آخر أشرس من نوع “بيت بول” ثم بدأ يزوده بالمؤن والغذاء كي يصح (الكلب) ويسمن ويحافظ على قواه ويقوم بتحصين الحدود وتأمين الأرض والوجود… وهكذا التقط الجار الإشارة واستوعب الرسالة فجعل للكلب ساسة صاروا يقتاتون معه (البيت بول) ويستفيدون من ريعه ويصولون ويجولون في الدنيا وحدهم بينما طول السنوات العجاف وهول الجفاف قد أطبق الآفاق وراح يحصد الأعناق، والفقراء المساكين وأبناء السبيل ممن ضاقوا ذرعا من الجوع والعطش لم يجدوا بدا من الانصياع للفطرة والسليقة تحفزهم الغريزة لتجريب كل شيء من أجل البقاء أحياء؛ لذا صاروا يخترقون الحدود أفواجا أفواجا نساء ورجالا شيبا وشبابا يأتون في الطريق على الأخضر واليابس في حل من أمرهم منقلبين عن الشرع خارجين عن الطبع حتى أكلوا الكلب السمين…بل إن بعضهم قد أعماه الجوع فاختلطت عليه الأمور وتشابهت عنده الكلاب فلم يعد يميز بين الذي يدب في الأرض ومن يمشي على إثنين أو أربع !… ولما بلغ جارَ الشمالِ خبرُ مآلِ الوضع في الجنوب ومصير كلب البيتبول فزع لذلك ففكر مليا في تسييج حديقة الأمراء بالأسلاك الكهربائية وتجييش قطعان من الكلاب الشرسة وإرسالها إلى الجنوب لمنع تدفق النازحين نحو الشمال … لكن هيهات هيهات فقد فات الأوان وانكشفت اللعبة وفشلت الخطة لأن أهل الجنوب ملّوا تجرُّعَ كؤوسِ العذاب وأنِفَتْ شهيتُهم طعمَ لحمِ الكلاب… لذلك انتشروا في الأرض يبحثون عن الأزهار العطرة والأشجار المثمرة التي اقتلعت من أرضهم وغرست في حديقة الأمراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*