أماني…بقلم الكاتبة ليسا جاردنر من اليمن.

ارتفعت حرارة الجو، لتبشر بحلول الصيف وتألقت الأشجار والزهور ببهاء ألوان جذابة… وتراقصت في الهواء رائحة اللافندر وأمواج الماء. ولاحت هناك في البحيرة مجموعة من البط تسبح بين المجدّفين في القوارب الصفراء… في حين يستمر خرير المياه منافسا التجديف وكأنه لحن يصدر من حنجرة الطبيعة يتنافس مع زقزقة الطيور المحلّقة في قلب السماء عائدة الى أوكارها المحميّة بين الأشجار المجاورة للبحيرة. ومع الغروب تلحظ الشمس تتحرّك ببطيء منعكسة على مرآه البحيرة وهي تُلقي نظرة أخيرة على جمال وجهها وبهائه قبيل أفول الشمس وهي تعانق الغروب.

في نفس اللحظة ارتدت عالية فستانها الأزرق الحريري ووضعت أحمر الشفاه الورديّ ولبست حذاء الكعب ونزلت دُرّج السلم الزجاجي وفي يدها كأس من الشمبانيا الباردة… و هي تتأفّف من الحرارة وتتضجّر وهمست “اووووف الن يبرد الجو بعدُ!  ثم قالت لخادمتها: “ناوليني حقيبة يدي وساعتي…  !! ثم زمجرت بغضب ” هيّا بسرعة أيتها البلهاء…!” أسرعت الخادمة الى حجرة نوم عالية وأحضرت لها الحقيبة والساعة وبينما كانت تنزل بسرعة من الدّرج الزجاجي، تعثّرت فوقعت وتدحرجت من منتصف الدرج الى الأسفل … فتضرّر أنفها وسال منه الدم وتكسّرت الساعة واختلط الدم بالألماس وبصراخ سيدة المنزل وهمّت بكل انفعال بركل الخادمة ركلات موجعة! كأنه لا يكفي على الخادمة غربتها وتحقيرها والاعتداء عليها حتى تُضرب وتُهان …!

 تدخل حارس الفيلا الزّجاجية ليقول لسيدة المنزل:” سيدتي… كُفّي عن ضربها فهي ستموت تحت ركلات رجليك، رجاء توقفي إنها ستموت!!! فأجابته بغضب:” فلْتمت ونتخلص منها لقد كسرت ساعتي…! هذه الأنانية الغيورة الغبيّة…!، فلتَمُت و تُريحني منها…” فغمغمت الخادمة في الم حاد “يا ليتني مت قبل هذا اليوم و كنت نسيا منسيّا”. لملمت الخادمة أوجاعها وأخفتها في نفس الحقيبة التي وضعت فيها ملابسها الدامية والمهترئة وخرجت وهي منكسرة الخاطر وتوجهت نحو الشارع مقهورة! وجلست تحت ضل شجرة إلى أن أسدل الليل لونه الأسود الصامت. وبدأت تتذكّر تراجع وتفكر في مراحل حياتها… لقد كانت طبيبة أسنان في مدينة حلب في سورية و تذكرت تقارير اليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية و احتجاجها على الهجمات الجوية ضد المنشآت الصحية في المدينة وعلى أراضي سورية بأكملها، كانت تعمل في مستشفى القدس عندما انفجر المستشفى فكان يوم شبيه بيوم القيامة… انهارت فيه المباني وتناثر الزجاج في كل مكان و اخرجوها من بين الانقاض و من الجحيم الملتهب في المشفى.. و قررت أماني أن تهاجر إلى أوربا فباعت كل ما تملك و هربت على متن شاحنة عفنة مع قطيع من الحيوانات و البشر.. سمعت أنين الاوجاع والآلام المختلط بالصراخ والتأوهات وانينها اليوم شبيه بأنينها في الأمس كما في الحرب. استغربت أماني من شيء واحد و هو أن أنفها و فكها لم يهشم تحت وابل الصواريخ في حين أن عليا علياء السيدة الإماراتية المدللة  قد هشّمته وعملت على تقزيمها ا و استغلالها و ضربها .

غسلت أماني وجهها بماء البحيرة فدارت بها الأرض و ضغط على رقبتها ملك الموت و نامت على سطح ماء البحيرة .. فاقت اماني في سرير دافئ و شعرت بألم في جميع أنحاء جسدها النحيل .. و تقدمت منها طبيبة تقول لها بالإنجليزية :”لقد استيقظت حمدا لله…” لم تدر اماني بالضبط ما تقول أو أين هي و غمغمت يااا الله ما بدي اعيش.. اقتربت منها الممرضة و قالت لها ما اسمك جاوبتها اسمي أماني .. أجابت الممرضة اسم جميل!  لكن كل الأماني تنهار أمام ظلم العالم، تحترق تحت نيران الحروب و تموت في أوربا “اخخخخ يا موطني! اتبهذلنا… لن أشم الياسمين الشامي، أنفي مكسور مثل روحي! عذابي و نيران الصواريخ سيان…! وبكل وجع الأرض وألم الكون صرخت أماني “وين بدي اروح هلا!!!”.

4 Replies to “أماني…بقلم الكاتبة ليسا جاردنر من اليمن.”

  1. ما ألحقته الكائنات النفطية بدول الحضارات هو جرح لن يندمل بسهولة، سلمت يد الكاتبه على هذا التوصيف القصصي الذي يحاكي واقع حال مر على دولة عريقة كسوريا ..
    دمت متألقه دكتورة ليزا ..

  2. قصة جميلة ومعبرة 💐
    كعادتها الكاتبة المتميزة ليزا تنقل مأساة ضحية من ضحايا الحرب المدمرة في بلد كان مهد الحضارة الانسانية 🥲

  3. قصه ليست خياليه بالتأكيد ماهي إلا جزء بسيط مما يحصل للإنسان العربي اشكر لكي توظيف موهبتك وابداعك في نقل وشرح مأساة الإنسان العربي من اخوة العربي اولا مع الأسف الشديد طبعآ….
    دائما وابدا ليزا مبدعه متجددة في كل ما تكتبين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*