في ثارگيست كانت البداية 82 (قصة قصيرة) بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.

‎انتفض مدرسنا الجديد في منامه كأن حلما ما قد أفزعه، هلوعا دعس بين أصابع يده على ساعته الالكترونية فأومض ضوئها الخافت: 07:55 وفي عجلة جنونية ارتدى السروال والمعطف ودار في المطبخ دورتين وخرج يمضغ ما فضل فيه من فتات البارحة ثم حمل المحفظة وجذب الباب وراءه بعنف.
‎سار مهرولا يتفقد ما بداخل محفظته ويفتت ما أفرزت عيناه من عمش النوم ومن مدخل المؤسسة في اتجاه القسم، مشى مطأطأ الرأس يتفادى عيون المدير (البنوضي) وأعوانه (الإبراهيمي،السطي،العياشي)الذين قد يعيبون هندامه أو يعتبرونه مدرسا وسخا … سحب من جيبه ورقة تفحص عليها: جدول الحصص، مستوى 3 ثانوي، قسم 7، حجرة 9، مادة التربية الوطنية.
‎أخيرا هو في القسم؛ في زاوية منه بين حافة السبورة والمكتب الخشبي! كعادته في حركة آلية أخرج من المحفظة كتاب “المقرر”مع تحضيره اليومي (الجذاذة) ثم جال بنظره في حركة مسح خاطفة للمجال استألف خلالها وجوه التلميذات والتلاميذ ووقع على ورقة الغياب، نظر الى الساعة وكان جرس الثانوية قد رن قبل 10 دقيقة! (انتابه الإدمان على سيجارته المعتادة (كازا) لكنه انتبه إلى أن التدخين أمام المتعلمين غير مقبول وليس عملا تربويا، كما استدرك أن صدره لن يتحمل ثقل الگودرون والنيكوتين لكونه لم يتناول فطورا كاملا هذا الصباح … فكبت الرغبة. مرجحا أن نسبة كبيرة من رجال التعليم في البلد مدمنون على التبغ الأسود و على كازا بالخصوص، بسبب الفقر المدعم بوعي أن استعمال المواد المغربية يساهم في اقتصاد البلاد !).
‎ بعد مراجعة سريعة للحظات الدرس السابق تطبيقا لمصطلح الفيدباك الحديث(التغذية الراجعة) الواردة في توجيهات محمد الدريج البيداغوجية…طفق يلقي الدرس الجديد حول موضوع “الضرائب: طبيعتها وأنواعها ودورها في تنمية الاقتصاد والمجتمع” وفي لحظة من لحظات الدرس تريث أمام تلميذ يستفسر بشأن قضية قال إنها “مصيبة” نزلت على أسرته! قال التلميذ: سمعت أبي يشكو لأمي توصله من دار الضريبة (السيندا) بإشعار واجب أداءه عشرة آلاف درهما ضريبة على دكاننا الصغير ، فهل هي ضريبة مباشرة أم غير مباشرة؟.
‎انفعل المدرس قليلا لعدم استيعاب التلميذ معنى المباشر وغير المباشر في طبيعة الضرائب فأطلق عنان لسانه مسترسلا: “تصور أني أريد حلق شعر رأسك وأحولك إلى أصلع ! فإن هناك طريقة مباشرة هي أن أحلقه مرة واحدة مستعينا بالموسى، و هناك طريق غير مباشر هو أن أنتفه زغبا زغبا؛ وفي درسنا مثال أبيك المالك للدكان تنطبق عليه قيمة الضريبة المباشرة التي معناها الواجب المالي السنوي الذي عليه أداؤه للدولة “جملة وتفصيلا” أي في مرة واحدة كما هو في مثال حلق الرأس باستعمال الموسى! ومثل ذلك يجب على ذوي الدخل القار ومدري الأرباح كلهم، وإن أي تماطل في أداء هذا النوع من الضريبة يترتب عنه مضاعفتها، لأن المسؤولين يعتبرونها أموالا للدولة قابلة للاستثمار وخلق الثروة… و سيكون لوالدك فيما بعد دفعها طبعا أن يشتكي ارتفاعها ويعرف الأسباب والحيثيات .
‎أما الضريبة غير المباشرة فهي التي يؤديها الجميع ؛ أنا وأنت والمدير وكل التلميذات والتلاميذ بدون استثناء، أبوك الذي يؤدي الضريبة المباشرة هو أيضا يؤدي الضريبة غير المباشرة لأن هذه لا فرق فيها بين الغني والفقير العامل والعاطل والصغير والكبير والمالك والمعدم كلنا نتعرض للنتف زغبا زغبا! كل واحد منا يؤديها لاشعوريا في استهلاكه اليومي للمنتوجات ذلك لأن كل بضاعة تتضمن الضريبة غير المباشرة: خذ مثلا علبة سجائر كازا، أو المغرب، إن حقيقة ثمنها أي تكلفة إنتاجها قد لا تتعدى نصف درهم لكن أباك أو أنا نشتريها بدرهم و 95 سنتيما، وبثلاث دراهم ثمن علبة المغرب فما السر؟ إن السر يكمن في أن السنتيمات الزائدة على الخمسين (تكلفة الانتاج) هي بعينها الضرائب غير المباشرة التي يؤديها عموم الشعب. و لم ينتبه المدرس إلى أن عموم الشعب لا يستهلك كازا وأولامبيك ! إلا بعد أن عاودته الرغبة في التدخين، و هنا استدرك الأمر فأضاف: قس على ذلك جميع السلع والبضائع من خبز وقهوة وزبده وقميص وماء ودفاتر…إنها تتضمن الضريبة بالقوة ونحن ندفعها بالفعل. أما السؤال عن مصير هذه المستحقات الضريبية التي تؤول إلى الدولة، فجوابه الجاهز هو أن الضرائب بنوعيها تساهم في خلق مشاريع وطنية تنموية كبناء المدارس والمستشفيات و المعامل و السدود والسجون وتسديد الديون ودفع أجور الموظفين …”. لم يكترث المدرس لتداعي الأفكار و كيفية استعمال السبورة التي ملأها رسومات لعلب السجائر وقارورات الزيت وكتب وأقلام وبراميل وسراويل… أما التلاميذ ! فقد ارتسمت على وجوههم علامات التعجب والاستفهام حتى رن جرس الثانوية وانصرفوا دون أن ينقلوا إلى دفاترهم أفكار العنصر الأخير .
‎ في مدخل القسم، اختلط التلاميذ الخارجون بالتلاميذ الداخلين، وهمس تلميذ لزميله: الأستاذ لم يتناول بعد سيجارته هذا الصباح.
‎ إستوى فصل الأولى ثانوي لحصة الجغرافيا في موضوع “المدينة والقرية. سحب المدرس لائحة التلاميذ وتفقد بالأرقام حضورهم ثم أعاد كل شيء مكانه، وفيما كان أحد التلاميذ يمسح السبورة وجه سؤالا أراده أن يكون مدخلا إلى الدرس الجديد: – ما الأفضل، أن تسكن في القرية أم في المدينة؟. وفجأة في حركة جماعية، اشرئبت الأعناق فوق الأكتاف وعلت الأيادي فوق الرؤوس والتلاميذ يتستسون: ستاس ستاس ستاس…كلهم بدون استثناء يفضلون المدينة ! “لأن المشي يوميا على الأقدام صوب ثانويتهم اليتيمة وقطعهم التضاريس الوعرة خصوصا في فصل الشتاء أمر لا يحتمل“. كما تمنى أحد التلاميذ “لو أن القرى تتوفر على المياه والأضواء والتلفزيون و وسائل المواصلات الحديثة، وغيرها من الأشياء التي تحتكرها المدن” وعبثا حاول المدرس أن يقنع التلاميذ بما تمتاز به القرية من الهواء النقي والصحي والمناظر الطبيعية الخلابة و أخلاقية الأهالي… حتى إنه نصحهم بعدم التفكير في الهجرة! لكن استفسارات بعضهم عن الفرق في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية بين المدينة والقرية حيث تكون في القرية أكثر ارتفاعا وعن ندرتها وانقطاعها في أحيان كثيرة مثل قنينات الغاز وحتى الحليب والطحين.. مست المدرس في الصميم وجعلته ينساق وراء تداعي الأفكار فلم يعد يتوقف في استرسال الكلام حول الخصاص المدقع الذي يعيش فيه القرويون بشكل خاص وعن معاناة المهاجرين إلى المدن من جهةٍ أخرى جراء انعدام الشغل و استعباد العاملين والإجرام وصعوبة الاندماج و أحياء الصفيح… و مازال يخطب ويخطب حتى رن جرس انتهاء الحصة.
‎ أخيرا دخل وقت الاستراحة، وسنحت الفرصة للمدرس بتناول أول سيجارة. على حائط الممر في الطابق الثاني كان متكئا بمرفقيه يرتشف التبغ و ينفثه دخانا كثيرا يتأمل التلاميذ في الساحة كالنمل، يرى إلى مستقبلهم ومصيرهم المجهول؛ فهو نفسه قد صار إلى مجهول (يحتفظ به في الخدمة المدنية واستحالة الادماج مع انعدام المناصب المالية بحكم سياسة التقويم الهيكلي… )انتابه شعور بالتقصير في رده على استفسار التلميذ ابن مالك الدكان الصغير فقد يكون هو أيضا على علم ودراية بالأوضاع الحقيقية؛ بأولائك التجار الكبار المتهربين من كبرى الضرائب والإداريين المفسدين الذين يرتشون ويغطون على الغش ويسرقون المال العام… و ما كاد ينهي سيجارته حتى رن الجرس فدخل توا إلى القسم لاستقبال التلاميذ من مستوى آخر . دخلوا عليه وخرجوا ودخل آخرون وخرجوا على الساعة الثانية عشر بالضبط، ثم تبعهم ينفض غبار الطباشير المتراكم على يديه و فوق ثيابه.
‎ في الطريق، عرج على السوق فاشترى نصف كيلو سردين بأربع دراهم ومن المخبزة خبزتين بدرهمين ومن (الساكا) علبة السجائر (كازا) بدرهمين ومن المكتبة الوحيدة اشترى قلما وجريدته وظرفا بريديا متنبرا ب 3,50درهما متجاهلا ما صدر من جديد في عالم المجلات الأسبوعية والشهرية والدورية الوطنية والأجنبية. طوى الجريدة وقفل راجعا إلى منزله. لما أراد فتح الباب علق المفتاح واستعصى عن الحركة! وضع مشترياته أرضا وحاول بكلتا يديه تحريك المفتاح يمنة ويسرة بدون جدوى، دفع الباب بقوة لكنه لم يتزحزح في مكانه ! قطة الحي التي انتشلت سمكة السردين من الكيس كانت منتشية بأكلتها المفضلة! هش عليها برجله وعاد مرة أخرى يصارع الباب العلق. وفي هذه الأثناء مر عابر سبيل وعرض عليه أن يساعده في فتح الباب قبل مدرسنا مستسلما وسلم له المفتاح. أمسك الرجل بالمفتاح وقال باسم الله وأدخله في مكانه وهو يقرأ “والضحى والليل إذا سجى…”فانفتح الباب بأعجوبة!
‎دخل المدرس وتخلص من مفضحته، لم يعر أي اهتمام لفراشه المبعثر وبعض الأوراق والكتب المتناثرة هنا وهناك، كان يفكر أولا في إيقاف قرقرة بطنه وتشنج أمعائه، ففي مثل هذه الظروف يأكل الانسان قبل أن يفكر، تناول شدقا من الخبز الحافي وخرج بيده إناء، نادى طفل الجيران ومده إياه. عاد الطفل بالماء، كافأه المدرس بشيء ودخل فوضع المقراج على البوطا الصغيرة وترك الماء يغلي فيما راح يتصفح الجريدة ويقرأ عناوينها البارزة: صندوق النقد الدولي في قفص الاتهام – تسريح عمال سيفيريف- طرد عائلة من منزلها – اغتيال عزيز مدق في المهجر- اعتقال فلاحي الحورش بتطوان-زيادات في أسعار الزيت والسكر والخبز والماء والضوء والطوابع البريدية والورق والأدوات المدرسية… ولا شيء عن ملف الخدمة المدنية ! ألقى نظرة سريعة في صفحتي الثقافة والرياضة وفرح لوجود مقال لبوطيب الحانون أحد رفاقه على درب النضال… تداعى في التفكير حتى وصل غليان الماء 95 درجة وكاد يتبخر نهائيا. رمى بالجريدة أرضا و قال: تفووو، هذا الوعي الشقي… ثم نهض يرتب أشياء القهوة السوداء، وما أن انتهى من احتسائها مع شيء آخر حتى بانت له أشياء و أشغال كثيرة تنتظره قام بجدولها في رأسه.
‎صلى الصبح مع الظهر، وجلس يأكل السردين بنهم. وبينما كان يقشر برتقالة تناهى الى سمعه صوت جرس الثانوية فحمد الله وشكره على نظام التعليم (الكندي) الذي يخول له نصف نهار للراحة.انتهى من غسل الصحن والإبريق والملعقة والكأس
‎وبدأ يرتب فراش سريره المهجور ، أراد أن يستلقي فتدارك أن أعباء في انتظاره لا تسمح له بالقيلولة.
‎جلس يصحح أوراق الفروض وواجبات التلاميذ المنزلية، وكانت الساعة تشير الى السادسة والنصف مساء. ارتدى جلبابه وتفقد محتويات جيوب سرواله ثم خرج فأقفل وراءه الباب بنعومة!.
‎كان المقهى مكتظا على موعد نقل التلفزة لمباراة في كرة القدم تجمع الجيش بالأهلي. انزوى حيث كان أحد زملائه في المحنة (آيت يعقوب محمد) فاستوى بجانبه. طلب قهوة سوداء وعينه على التلفاز يراقب، يدخن ويفكر: الإشهار، مواد أجنبية، عطب تقني، كارت بوستال، انقطاع الكهرباء، الإشهار من جديد وإشهار مترجم، ثم المذيعة الجميلة تعتذر عن العطب التقني الخارج عن الإرادة، فآذان صلاة المغرب حسب توقيت العاصمة، ثم إشهار آخر لسلع كثيرة، وبعدها نفس المذيعة الجميلة تعتذر عن عدم التمكن من نقل المباراة وتعد بتقديمها لاحقا وتم تعويض المقابلة بالخيول و الكورونيلات… تناسلت في فمه كلمة تفووو كتمها، أدى ثمن كأس القهوة، خرج و بصق.
‎ في طريقه إلى البيت لم يكن يشغل باله سوى أعباء المهنة، عليه إنهاء التصحيح وملء دفتر التنقيط ثم تهييء ثلاثة تحاضير، واحدة في التاريخ، ثانية في الجغرافيا و ثالثة في التربية الوطنية، بالإضافة إلى أشغال أخرى من صلاة وتهيئ للعشاء وغسل للأواني وغيرها. لم ينم حتى الواحدة والنصف ليلا، وفي الصباح الباكر تناهى إلى سمعه رنين جرس الثانوية، نهض من السرير هلوعا كأن حلما ما قد افزعه…

One Reply to “في ثارگيست كانت البداية 82 (قصة قصيرة) بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.”

  1. أستاذي الفاضل بعد التحية والسلام ، أنا من بين التلاميذ الذين درسوا معكم، مادة الاجتماعيات قصة في منتهى الروعة جعلتني أحن الى الزمن الجميل حيث كنت أجلس في الطاولة الأخيرة من الصف المقابل لمكتبك بالقسم، وكنت أنذاك أهوى الرسم، وخلال احدى الحصص من أيام فصل الشتاء البارد بينما كان الهدوء والصمت عم أرجاء القسم وكل تمليذ منهمك في تصفح كنتاب المادة، أثار انتباهي وانت جالس بمكتبك ترتدي قبعة صوف من صنع يدوي تقليدية أعجبت بها، ثم أخذت قلم الرصاص وفتحت دفتري وقمت برمسك على احدى صفحاته، وبعد اتمامي لهذا الرسم الذي أثار فضول الاطلاع عليه من طرف التلاميذ حيث كانت الصورة مطابقة لملامحك، إلا أنه وفي الوقت الذي كنت أنتظر فيه تشجيعي والتنويه بمثل هذا الابداع وتسلم الصورة، فوجئت بوابل من اللوم والشتم والتهديد بإخراجي من الحصة، حيث اكتفيت بتمزيق تلك الورقة الحاملة لصورة فنية، مما جعلني أتراجع عن الرسم والابتعاد عنه…. مودتي استاذ السقالي الرجل الطيب العفوي والمتسامح…ودمت للقيم النبيلة وفيا..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*