أطول يوم عمل (قصة قصيرة) بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.

لم يترك مكانا إلا زاره؛ كان يتنقل من بلد إلى بلد، من مدينة إلى أخرى حتى القرى النائية والموغلة في الأدغال استمتع بطبيعة أرضها واستطلع ثقافات أهلها… أما بلده، فلم يهتم بأخباره ولا دار من جهته ! حتى الزلزال الذي ضرب أگادير لم يشعر به ولم يصله هوله إلا عن طريق الأخبار الأجنبية! ظل يصول ويجول كالسندباد الجوي في المحطات الفضائية إلى أن حط الرحال في فرانس2 حيث دار نقاش طويل حول موضوع: “التعليم قاعدة التنمية الشاملة ورافعة المجتمع”، وسهر مع منشطي المحطة في البلاطو حتى منتصف الليل أو ينيف.

ذات صباح فبرايري بارد رن منبه هاتفه المحمول فدحرج يده من تحت الغطاء أسكته بها وسحبها إلى تحت الفراش مسجلا درجة الحرارة المتدنية ثم غطس … رن المنبه مرة ثانية فأزاح الغطاء قليلا عن نصف وجهه وفتح عينا واحدة يتلصص على النور الفائض عبر النافذة، تحسس السخونة في كامل جسمه إلا نصف الوجه العاري فعدل على فتح العين الواحدة وتدثر وتكمش تحت الفراش متمتما : “أي يوم هذا الذي أبدأه بمنبه مستفز في صباح مثلج، هل أترك هذا الدفء الرحيم وأقوم إلى ذلك الروتين القاتل بدءا من فطوري البروليتاري وهندام مترهل ومفظحة ونفس الدرس منذ الاستقلال ؟!؟”. كاد يستسلم لسلطان النوم لولا هاجس الدرس الماضي الذي بدأه ولم ينهيه وحق التلميذ ونداء الواجب وطول المقرر وثقل المسؤولية.. و دون أن يزيح الغطاء على وجهه راح يسأل ويجيب نفسه تحت الفراش: “ليكن ما يكون…ثم إن جل التلاميذ لا يهتمون بل إنهم سيفرحون في غيابي … ثم إن هي إلا حصة أو ساعتان يمكن استدراكها… المدير والإدارة كلها – في حالة ما إذا انكشفت – لن يفعل شيئا كعادته مع غيري، سأنام وألتحق بعد الاستراحة. ولم لا شهادة طبية ب 100 درهم من أصل 454.46 درهم أجرة يوم عمل عادي حلال ؟ سأكون قد ربحت 354:46 درهم زائد راحتي، كما أني سأنهض من هذا الفراش الدافئ مع صلاة الظهر لأجمع بين وجبتي الفطور والغذاء وأوفر بعض الدريهمات؟!؟!”.
دار في الفراش متمرغا يبحث على الجهة المريحة دون جدوى، رفع الغطاء.. يراجع ساعة الهاتف المحمول، لاحظ بأن الحصة الأولى قد نفذت والثانية تركض سريعا وهو ما زال يتخبط في الحسابات الفارغة دون نوم ولا راحة البال ففقد صبره وبدأ يستحضر أصعب السيناريوهات: حضور مفتش المادة ونقطته التي تتوقف عليها الترقية، الاستفسار واقتطاع يوم الاثنين مع الأحد !
وعلى عجل من أمره، غادر الفراش إلى المطبخ حيث تناول ما تبقى من عشاء الأمس؛ بعض الخبز وقطعة لافاش كيري مع كأس حليب سنترال المبستر ، ثم خرج قاصدا أقرب عيادة طبيب شهد له بمرض يستدعي الدواء وفترة نقاهة مدتها يومان متتاليان مع إدخال الغايتين .
كانت السماء رمادية اللون تساقط منها قطرات خفيفة تجحف بها ريح بحرية باردة، لذلك استقل صاحبنا تاكسي صغير قاصدا الثانوية لتسليم الشهادة الطبية، وعند وصوله حث الخطو للاحتماء من القطرات المبللة لكنه فوجىء لباب المؤسسة الموصد واستغرب الهدوء الذي يخيم حولها لعدم وجود أي تلميذ أو تلميذة…
كان يوم عطلة ! وكان ذلك، أطول يوم عمل في حياته.

One Reply to “أطول يوم عمل (قصة قصيرة) بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.”

  1. أكثر من رائع استاذي الفاضل. احييك من الأراضي المنخفضة. واتمنى لك التوفيق وطول العمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*