الشارع , وأنا ..! قصة قصيرة بقلم الكاتب على السيد محمد حزين من مصر.

المشاجرات, في شارعنا الطويل الضيق المزدحم بالسكان, لا تنفض, والاشتباكات, لا تنتهي , والمعارك لا تنقطع أبداً على مدار اليوم …

البارحة لم أستطع النوم من أصواتهم المزعجة المنكرة, قمت مسرعاً أغلقت النوافذ والشبابيك وأطفئت كل مصابيح المنزل كي أنام , وذلك بعد يوم عمل شاق طويل ومضني …

وبرغم الجو الحار, والرطوبة العالية القاتلة , والتعب , والارهاق كاد يقتلني , حاولت أن أنام لكنني لم أُفلح فأصواتهم المزعجة تخترق الجدران والبيبان والحيطان والشبابيك, لا بل تخترق أيضاً الزجاج المصقول لتدخل إلى غرفتي لتفسد عليَّ حياتي , وتُطيِّر النوم من عيني, وتقلع أم رأسي من مكانها لتلقي بها إلى الجحيم … شارعنا ظاهرة تحتاج إلي دراسة …

شارعنا الضيق الطويل جداً نشأ وأُنشئ وبدأ في الظهور منذ ما يقارب من سبعين عاماً تقريباً  وذلك مع بداية القرن الماضي, وذلك قبل ما يعرف الناس التخطيط العمراني للمباني الحديثة,

أذكر في الماضي كانت البيوت قليلة جداً, وكانت عبارة عن أكواخ صغيرة بدائية الصنع , مصنوعة من الطين وأعواد البوص والطوب اللبن, …

وما زلت أذكر أيضاً مخمرة العجين , والمخمرة هي عبارة عن ” خليط من خرط مخلوط بماء وتبن وأحياناً مع الحمرة وهي بقايا الطوب الأحمر المحروق في الأمينة, ثم يُترك كل هذا يومان أو ثلاثة أيام حتى يصير آسن له رائحة كريهة, ثم يغطس فيه اثنان أو ثلاثة نفر يدعكون هذا الخليط بأرجلهم وأيديهم حتى يصير عجينة طرية, ثم يُصنع منه كتلٌ صغيرة توضع بعضها فوق بعض لتكوِّن ما يسمى بالطوف ” …

وكانت الأبواب مصنوعة من جريد النخيل , والمغلاق خشبة أو عصا غليظة توضع خلف الباب .. وكانت السعادة تملأ البيوت , وكان الحب يملأ القلوب …

أما ” الأمينة ” لمن لم يعرفها فهي كانت عبارة عن ” مربع من الطوب اللبن النيّ المصنوع من عجين الأرض والرماد والتبن وأشياء أخرى , يوضع في قوالب خشبية , ثم تُترك تحت الشمس حتى تنشف ثم تُرص بارتفاع أربعة أمتار في عرض أربعة مثلهم تقريباً , وبين كل طبقة وأخرى من الطوب المرصوص يوضع القار أو المزيُتْ الأسود وبعض الأخشاب , ويُجعل فيها فتحات صغيرة للتهوية ثم يُشعلون فيها النار ثم يتركونها بضعة أيام وقد تصل إلى خمسة عشر يوماً أحياناً , ثم يتركونها حتى تَصفى وتنطفئ مع نفسها, ثم يبيعون منها الطوب الأحمر “….

وكل ذلك كان قبل أن تصبح القرية مدينة عصرية حديثة مبانيها على أحدث طراز معماري  وقبل أن تصبح مركز تجاري كبير, ومزار سياحي ..

وكانت الناس زمان في الماضي قليلة جداً.. وكانت العائلات معروفة, ومتألفة فيما بينها , يحترم ويوقر ويقدر بعضهم بعضاً , ويحب بعضهم بعضاً , وكانوا كالجسد الواحد, إذا اشتكى منه عضو تداعى عليه سائر الأعضاء في الفرح والكره وفي الحزن وكان الكل في الشدائد وفي الأفراح والأتراح يداً واحدة مجتمعين … كانت أياماً جميلة ….

ولم تكن هناك عربات , ولا شوارع  مسفلته .. وكانت الأرض عبارة عن قطعة قماش كبيرة خضراء, وكانت الدنيا واسعة جداً , والخلاء فسيح , وكان الهدوء , وكان الدفء الأسري, والحب , وكنت لا تسمع إلا أصوات الطيور, والعصافير, والهواء …

وكانت وسائل المواصلات بدائية وبسيطة, وسائل النقل وقتئذ ــ أعزَّكم الله وعافاكم ــ الخيل والبغال والحمير والجمال, وعربات ” الكرو” والحنطور فقط لا غير …

أذكر وأنا طفل صغير كنت أعي كل هذا, وأعرف وأفهم كل شيء , …

أما اليوم الوضع اختلف تماماً , انفجار سكاني رهيب , قنبلة بشرية موقوتة , موجودة في كل مكان حتى في شارعنا الطويل, الناس فيه كثيرة جداً جداً , بحيث لو فُكت بيوته أعني السكان التي تسكن البيوت, سكان الشارع لو أُفرغوا من بيوتهم لملأوا مدينة كبيرة حديثة ..

وقطعة الأرض التي كانت واسعة ومزركشة وجميلة بألوانها البهية المبهجة للعيون السندس الأخضر على الـ طوبي على الترابي, أصبحت اليوم ليست موجودة , اختفت تماماً وحل محلها عمارات شاهقة وأبراج خرسانية عملاقة , وأصبح الهدوء, وصوت العصافير وحفيف الأشجار والسنابل حين يداعبه الريح انقلب كل ذلك إلى ضجيج ودوشة لا تطاق …

الأصوات عالية جداً ومرتفعة ومزعجة ولا تنقطع, ولا تخفت , وأنا أريد أن أنام, والمعركة ما زالت قائمة, ومنصوبة وحامية الوطيس في الشارع, والصراخ والعويل يملأ الأرجاء , وهرج ومرج, وألفاظ نابية تنطلق بين الفينة والفينة, وأنا أريد أن أنام ولم أستطع .. تباً لكم جميعاً ..

وضعت كل الوسائد فوق رأسي في محاولة بائسة يائسة للنوم, ورحت أتقلبت على فراشي

وصرفت ذهني بعيداً في أمور سعيدة لعل وعسى وحتى أنام فلم أفلح , استدعيت ذكرياتي القديمة من زمنٍ فات, وذكرياتي مع الشارع وأنا صغير, وتذكرت أبي وأمي , رحمهما الله , فقرأت لهما الفاتحة , وترحمت عليهما, واستدعيت النوم من جديد, لكني لم أستطع من شدة الدوشة , والأصوات العالية المزعجة , والألفاظ النابية .. تباً لكم وألف تب .. سحقاً لكم جميعاً

لو حسبنا مع بعض حسبة بسيطة , شارع مائة وخمسون متراً تقريباً, به مائة بيت وفي كل بيت ثلاثة أو أربعة أسر , والأسرة الواحدة عددها في المتوسط خمسة أفراد تقريباً , اضرب ثلاثة في خمسة والناتج اضربه في مئة ضعف , اضرب هذا في ذاك , يطلع الناتج ألف وخمسمائة تقريباً …

اضرب .. (( 3 × 5 = 15 )) ثم اضرب (( 15 × 100 = 1500 )) تصور كل هذا الكم من البشر يسكنون في شارع واحد ضيق طوله مائة وخمسون متراً وعرضه متر ونصف تقريباً..  

الساعة الأن الثانية بعد منتصف الليل , والشارع ما زال مليء بالناس , والمعركة ما زالت منصوبة قائمة وحامية بين الجيران والسبب الأطفال الذين تشاجروا وهم يلعبون ….. 

“هم هكذا دائماً ما يتشاجرون على أتفه الأسباب فما أن تنفض مشاجرة حتى تنعقد أخرى, ولا تنتهي معركة إلا وتبدأ غيرها, ويتم الاشتباك من جديد , وأحياناً كثيرة تتشعب المشاجرة الواحدة لتصبح معركة متفرعة الأطراف وتكون طاحنة بالأيدي وبالعصي وبالطوب, وربما بالسِنَجْ أحياناً, وقد تمتد المشاجرة لأيام كثيرة , وقد تنفض المعركة بعد ساعات قليلة , على حسب , وقد تصل أحياناً إلى مغفر الشرطة, وقد يصطلحوا في النهاية , وقد لا يتم الصلح, وهكذا دواليك على أتفه الأسباب , كلمة تقال , أطفال تلعب , وأحياناً من غير سبب أصلاً .. “

المهم .. والقصد .. والمقصد .. قمت فزعاً من نومي, قمت من فوق سريري, نظرتُ في الساعة, كانت تشير إلى الثانية ونصف صباحاً, فتحتُ النافذة التي تطل على الشارع, طلبت من الأولاد الذين يلعبون ويصيحون تحت الشباك أن يتزحزحوا حبة ويذهبوا بعيداً من تحت الشباك حتى أستطيع أن أنام فأنا ورائي عمل شاق  في الصباح ويتحتم عليَّ النوم ولو بضع ساعات قليلة حتى أتمكن من الصحيان مبكراً وإلا لن أستطيع أن أقاوم النهار …..

كثيراً فكرتُ أن أترك لهم الشارع وأهج , وأسكن في مكان بعيد هادئ لكني فشلتُ لعدة أسباب أهمها سببين الأول هو ارتفاع أسعار المباني والعقارات في المدينة التي أسكن فيها, ولا تقل لي اسكن في الريف فأنا لا أستطيع البعاد عن المدينة والمدنية برغم أني أعشق الريف والهدوء الذي فيه وكذلك أهله الطيبين لكن الإنسان ابن بيئته كما يقال, وثاني سبب هو أن في بيتنا الذي أسكن فيه كل ذكرياتي, تربيت فيه, نشأت فيه, وفرحت, وفيه حزنتُ , وفيه ذكرياتي ورائحة أبي وأمي و, و, و, و .. وفيه كل شيءٍ جميل ,

كثيراً حاولتْ زوجتي إخراجي منه لكني رفضتُ وقاومتُ بقوة فأنا كالسمك الذي إذا أُخرج من الماء يموت , وكالشجرة العجوز التي إذا نزعوها من مكانها أو أخرجوها من أرضها تموت .. لذا لن أسمح لهم ولا ولم ولن أخرج من بيتي الذي عشتُ فيه كل حياتي حتى الموت فبيتنا هو كل حياتي , مسقط رأسي , وسر حياتي فيه ….

نسيتُ أن أذكر لكم وأخبركم بأن بعض الشباب المراهق وبعض الكبار منهم يتعاطوا البانجو, والمخدرات بكل أنواعها, يسهرون إلى الفجر في الشارع حتى يصعد الدخان وينتشر وتصل الرائحة الكريهة داخل البيوت, فما أن يأتي الليل إلا ويصاب كل من في الشارع بحالة هيجان شديدة, وصرع من نوع ما وحالة غريبة وعجيبة تتلبثـ هم , أصوات مترفعة, هياج شديد , وهرج ومرج , ينادون على بعضهم البعض من بعيد يرقصون يغنون ويسهرون حتى الصباح وكل ذلك في الصيف والشتاء, ويفعلون ذلك كل يوم ,…..

الأطفال يلعبون تحت الشباك ويتصايحون, وأنا كل يومٍ أطلب منهم الهدوء ولو قليلاً حتى أنام أو ينصرفوا من أمام البيت, ومن عدم اللعب تحت الشباك كذلك, وقليلاً منهم ما يستجيب بل نادراً ما يفعلون ذلك وينصرفوا , وكثيراً ما أشتبكُ مع ذويهم تارة بالسباب والتنابذ بالألقاب وتارة أخرى بالاشتباك يكون بالأيدي .. المهم ..

ذهبت الاطفال بعيداً عن البيت قليلاً وذلك بعد أن نظر لي بعضهم شزراً , والبعض الآخر راح يرفع صوته أكثر في تحدٍ صارخ لي ومنهم من رماني ببعض الألفاظ النابية.. ثم غابوا عن المكان لكن أصواتهم لم تغب .. حتى الأطفال يقلدون ذويهم في كل شيء, أربعة وعشرون ساعة كل يوم صيفاً وشتاءً يملئون الشارع كالنمل .. يلعبون , ويصيحون .

أغلقتُ النافذة مرة أخرى, وعدت إلى مكاني, حاولتُ استدعاء النوم من جديد فلم أفلح, أخذتُ أتقلبُ على فراشي كالكرة وأنا أتحايل على النوم أن يجيئ ولكنه عصاني هو أيضاً, وأبى واستعصى فقمتُ من مكاني ذهبت إلى المطبخ لأصنع لنفسي كوباً من ينسون كمهدئ لأعصابي المتوترة من قلة وعدم النوم وليساعدني على الهدوء والاسترخاء والراحة والنوم أيضاً فلم أجد في المطبخ ينسوناً ولا كركرتيه فعدلْتُ عن الفكرة وصنعتُ كوباً من الشاي على البوتاجاز .. وعدتُ إلى فراشي , يأتيني من بعيد صوت الأذان , قمتُ , نهضتُ , ضغطتُ مكبس النور أضئتُ الغرفة , فتحتُ النافذة , توضئتُ , وصليتُ الفجر حاضر, وهم لا يزالون يملئون الشارع الطويل الضيق, ويعتركون , ثم جلستُ أشرب الشاي , شعرتُ برغبة للكتابة  أخرجت من مكتبي ورقةً وقلم , مسكتُ رأسي بيدي , ورحتُ أكتبُ عن شارعنا الضيق الطويل

جداً والذي أنا أسكن وأعيش فيه, والذي أحكي لكم عنه, فيه ناس عادية جداً, وبسيطة جداً , من الطبقة الكادحة وفيه أناسٌ أعوذ بالله منهم شياطينُ الجن تستعيذ بالله منهم ,..

شقشق نور الصباح , نظرتُ في ساعة معصمي , فإذا هي تشير للسابعة صباحاً , تركتُ ما في يدي, نهضتُ مسرعاً, ارتديت ثياب الخروج , ثم ألقيتُ بنفسي في الشارع بعدما أخذتُ كل أغراضي, ثم وقفت أنتظر على ناصية الشارع أي وسيلة مواصلات تقلُّني وتوصلني للعمل, وأنا يبدو عليَّ الارهاق, والسهر, وعدم النوم .. سامحهم الله .  

*********************************

تمت الأربعاء 1/ 9 / 2021

على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ مصر 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*