أخيرا حرّرَتني … بقلم الكاتية مرام صافي الطويل من سورية.

أعودُ إلى قفصي في نهايةِ كلِّ يومٍ ، أستمتعُ بوحدَتِي ، أمسكُ أوراقي وأقلامي وأخذُ أبعثرُ ضجيجَ مشاعري على صفحاتٍ لن تنسى سطورها لشدّةِ قسوةِ القلم الذّي كتبها ، فأبى أثرُها الرّحيل على مر السنينِ .
في كل مرةٍ أشعرُ بأن الحيرةَ تطرقُ بابي جالبة وايّاها الخوف والحزن كنتُ افتح البابَ مستسلمة لتلك الأغلالِ التّي تلتف حول عنقي ، وتنوي خنقي ، مطلقة العنان لدموعي كي تتفجرَ كالبركانِ وتنهمرُ شاقةً في طريقها وجنتي بألم غريب ، ألمٌ يفوف حرّ تلك الحِمَمِ التّي لم تكتفِ بحرقِ وجنتيَّ وحسب ، بل أخذت تحولني إلى جثةٍ هامدة، نعم جثةٌ هامدة لا تصلحُ لشيء تفوقُ الليل سواداً وتفوقُ الحزن حزناً .وفي اليوم التالي استيقظ كالأموات لاقوة لي على الحراكِ ،أقفُ أمام مرآتي وارتدي ابتسامتي كثوبي ثمّ أغادر قفصي مؤقتاً.وفي مرّةٍ عدّتُ إلى غرفتي (قفصي) أحملُ على عاتقي همٌّ يفوقُ كلَّ همٍ ، نظرتُ لمرآتي بعدَ كلِّ الخساراتِ تلك ، شعرتُ بأن الحياة قررت أن تمنحني كلَّ قسوتها ، وفجأة اسمع دقاتً على باب غرفتي تفسدُ عليّ لحظة كآبتي ، دقات لم تكن بغريبة ٍ بل اعتدتُ على سماعها في الآونة الأخيرة .نعم إنهم ضيوفي المعتادون ، إنهم ذلك العِقدُ الأسود الذّي يريدُ في كلّ ليلةٍ خننقي ، فتحتُ البابَ واستقبلتُ ضيوفي بوجهٍ بشوشٍ ، وجلستُ ثمّ مددت يدي إلى مصرعي النافذةِ وفتحتها ، فتسللت نسماتٌ لطيفةٌ إلى أفكاري ، وباتت تبعثُ بي القوة ولأولِ مرّةٍ كانت هذه الرياحُ لا تريدُ إشعالَ نيران جوفي لتحرقني بل أتت ، لتحررَني لتراقصَ أفكار عقلي التّي باتت مشوهةً مشوشة .أغمضتُ عينايَ وإذ بضيوفي يلتفون حولي وبدأت أيديهم تحيطُ عنقي كالمعتادِ ، شعرتُ بقوةٍ غريبة جعلتني أطلق العنانَ ليداي لتهرع وتقطع حبلَ العِقد ذاك فتتساقطُ حبّاته على الأرض مهزومةً وراحت يداي تلتفُ حول جسدي تعانقهُ بفرحٍ ، يداي التّي لم تكن مقيدةٌ يوماً لكنني كنتُ كابحة إياها فلا تستطيع أن تحررني مني ومن أفكاري .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*