على قارعة الغياب… بقلم الشاعرة دنياس عليلة من تونس.

في ساعة من ساعات الشجن الليلي
أنّى يستحيل كل شيء في الوجود
أنينا مطلقا
تتربص بي على قارعة الغياب
رياح أشواق عاتيات
تداهمني …تقتحم مسامي
تصهل بآفاق الروح غازية
تعاريج الذات الحالكات
تنفخ في فتيلة الحنين بداخلي
حتى تغدو نارا و جمرات
يلفح حرّها تلافيف ذاكرتي
فأغرق دون إرادتي
في أغوار الخيال
و أتون الذكريات ..
أتناثر رمادا و دخانا و ألما
حتى يختنق صدر الأفق من لهيب الزفرات…

فتيل حنين واحد كفيل
بإحراق المسافات
إغتزال الأزمنة
وإضاءة
دروب مقفرة
في سماء عوالم غريبة بلا خرائط
لا شيئ فيها غير صور من الماضي المترف بالمسرات المحتشد بالأمنيات
تتساقط من الأثير الواحدة تلو الاخرى
على أديم سنوات عجاف…
الفراغ ممتد بلا حدود
و أنا أحث الخطى نحو الدرب القديم
أبحث عن وجه يعرفني
و عن يقين أحمق غائر بين غياهب المتاهات…
بحقيبتي زاد من الذكريات يكفي للسفر الطويل
و البصر يلهث
مع الريح مراوغا تجاويف الوحشة
و أطياف الضجر التي تتناسل كالأشباح
بين الأزقة الخاليات….

هائمة في احتراقي
أراوغ نزيف توجعي
أذيب آلامي في كأس من أدمعي
أحاول إطفاء فورتي و ترميم تصدعي
نداءات ، همهمات
نغمات حنين، تراتيل حب تدغدغ مسمعي
طقطقة أقدام قادمة من زمن بعيد
تركض بين أضلعي
كلمات مترعة باللهفة تحيطني
أضفرها طودا
يقلني الى أقبية المنى
تعيدني من منفى الظلام
وتمد لي جسرا الى أفق شديد البهاء…
أفق مرصع بقناديل متوهجة
تلوح من مشاكي الإنتظار
متلألأة كالدر المكنون
تزفّ البشرى
و تعيد مسالك النور لطريق أمنيات
غائمة تتعشق الضياء
أفتح نوافذ الخيال لأرمق حلما
لطالما انتظرته لنرتشف معا شهد اللقاء
أقبل في غفلة من أوجاع الليل
ينثر الضياء شعاعا شعاعا
يدحرج لي النور
موقدا فيّ لهفة الحياة
أمد يدي نحوه أغترف
حفنة من سناه
لكنه على عتبة الأفق يسدل الستار
محولا نبراسي لظلماء
يجردني من خيالي الحالم
ممعنا في استفزازي…
حلم خائن انبجس
من سواد أحزاني كنور الفجر
ثم عانق ألوان الغروب و غار
أقبل في موكب احتفاء باذخ
تحفه الأنوار
ثم نشر الغبش بالأفق و لحق بقوافل الغبار ..

كالطير حين يكسر هوج الرياح
جناحيه و يهدّه السفر
كسر الغياب جناحاي
كالفراشة احترقت ببصيص ضوء
حين رفت على النور جفناي

الفوانيس في الأفق تحترق
و الدنيا رماد و قرّ و ظلام
و أنا وحدي
عند بوابة الأوهام
أحمل خيبتي بين يداي
و أستعد لدور المهزوم المكسور البائس المنسي
لأقف على الأطلال
ملتحفة وشاح الأنين
لا أملك شيئا غير أمل منهك حزين
يتكئ على صدى النسيان
و يسندني محاولا طمس خيبتي
بين سحائب دخان تتقفى خطاي

صهيل الريح يعبث بأوراق النوستالجيا المتناثرة هنا و هناك
و الصقيع يجمدها على حافة
نهر أخضر فياض
لطالما تمنيت توسد ضفافه لأطفئ
ظمـأ ملامح عطشى و أغسل روحا أرهقها الطين…
الماضي يمضي فلا يمضي
و انا متماهية في جنوني
أسير شاردة مثقلة بالأمنيات
أحاول اجتياز الطريق الممتد في المستقبل
بإيقاع الفلاسفة و هواجس الشعراء
تقرع الأسئلة أبواب الحقيقة
فأتوه في التفسير و تتسع بداخلي رقعة الضياع…
تتخاصم الخطى في منتصف الطريق
فأجثم على ربوة العتمة
ألملم بقايا التيه
و أنسج الدهشة من لحظات سعادة هاربة تسابق السراب

دنياس عليلة / تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*