وسائل التواصل الإجتماعي؛أفيوناً ! بقلم سمير العوادي من الغرب.

تبدو مشكلة الحقيقية لهذا الجيل في كونه قد تكيّف بشكل جنوني مع هذا التنميط و هذه الأدلجة عن طريق أدوات إفتراضة، تتبنّى مبدأ تكريس ثقافة الإستهلاك دون تقييم و إنتاج دون قيمة. وسائل إفتراضية تحد من إمكانياته و تدخله في عالم لا وجود له، تؤديه ربّما اكثر من أي شيء آخر و تخلق لديه تناقضات نفسية عميقة، و تأكل من أعماره . و مع ذلك! فقد تكيّف بشكل غريب و توحّد معها، و أصبح مدافعاً عن استمراريتها و مقدّساً لها بغض النظر عن الثمن المؤدى . و لا يبدو ان هناك من يملك قدرة عن التّخلي و التّعالي . اللهم اولئك الذين يمتلكون حسًّا نقديًّا ، يمكّنهم من فرز المعلومة التي يتلقونها، و لهم ميزة التحوّل من صفّ المستهلكين للمحتوى الجيّد الى صف المنتجين له . و بالتالي فقد كان لزامًا، أن يتم طرح هذا الأمر قيد -النقاش-. و كان لابد من حلّ ما، نركنُ إليه . -أعني- حلًّا يرفع من قيمة المحتوى، و يغيّر من صفات الأفراد من المستهلك/المتلقي، الى القادر على الإبداع و التفكير . وقد قادت الضرورة في محاولة التفكير في ايجاد هذا الحل، الى الوقوف عند مجموعة من المنظومات المؤثرة في المستهلكين لهذه الوسائل . منظومات مسؤولة عن قيمة ما ينتجه الأفراد من أفكار، سوءًا في قالب ساخر كوميدي ، او مأساوي تراجيدي . و عليه فهذه المنظومات التربوية و التعليمية يجب أن تتم مساءلتها . ذلك عبر محاول إلزامها بتحرير العقليات من القوالب وفق الضوابط الأخلاقية، و أن يتم إلزامها بتمكين أفرادها من أدوات النقد، و محاولة إتاحتهم نوعًا من الحرية، ذلك كي يتمكنوا من الإندماج و التعايش و الإبداع .

و لعلّ ما يدفعنا لقول ذلك، هو كون قدرة الشخص على الإندماج و التعايش و تقديم المفيد و نفي الضّار؛ لن تُكتسب وحده؛ ما لم تزرع فيه . و لن تنمو فيه مادامت أقليّة تزرع، و البقية تُبيد .
و نأخد كنمودج، لما نرغب في توضيحه، -الأسرة- ، باعتبارها المنظومة التربوية الأولى، التي يخرج من رحمها العقل المبتدئ . تتحمل هذه المنظومة كل المسؤولية تجاه الأفكار التي ينتجها عقلها المجسد في احد اطرافها، مادام ينضوي تحت لوائها ، فلا يمكن لعقل الفرد أن يكتسب الجادّ و ينتج المفيد، مادامت إهتمامات الأسرة دون المسوى . إذ لا يُطرح النقاش داخل البيت سوى عن مكائد الجار ، و احداث مسلسلات التلفزيون المُبتذلة، و إنتاج خطابات الرضى و التطبيل، و القول بالحال أفضل من سوريا .
و ربّما من هنا يمكن الكشف عن اهمية الإطلاع على مؤلف الجمهورية لأفلاطون .

ثمّ نشير بعد الأسرة الى المنظومة التعليمية ، التي دومًا ما تتحمل مسؤولية تَقدّم الشعوب من تخلّفها. أليس من البُهتان أن نبرر فشل عقولنا بعدم كفاءة مدارسنا ؟ فكم من الساعات نقضي في الفضاء المدرسي ؟ و لنقارنها بما نقضيه مع الأسرة ؟ من هنا تنبعث مشروعية التساؤل عن هوية المسؤول و المعلّم الأول .
إلى هذا الحدّ نتفق نوعاً ما على ان المنظومة التعليمية تتحمّل المسؤولية او بتعبير ادقّ جزءً من المسؤولية بالإضافة إلى ذلك الكم الذي تواجهه من إكراهات . لكن قبل أن نتجه إليها بأصابع الإتهام علينا اولا ان نتحقق ما إن كان هذا الكائن (التلميذ) قد وظّف إمكانته و لديه من الروح و الإرادة ما يؤهّله لإستقبال المناهج و تقييم المعلومات ، و ان يكون قد غادر بيته مستقيمًا غير معوجّ منذ العتبة، و ان لا يكون باحثاً عن الرّداءة او عمّا يلصق إليه تهمة الفشل و الركون إلى أساليب الضعفاء و المنحطّين .

ثم دعنا نتحدث عن الطريق الرابط بين بيت الطّالب و معلّمه ، اي ذلك المكان الذي يعجّ بالآخرين، فلنعبّر عليه قائلين انه الحافلة او ملعب الكرة او الرصيف او على أطراف موائد المقهى او أي ركنٍ آخر غير هذا . أليس بامكاننا إعتباره أيضًا منظومة تربوية؟ لكننا هذه المرّة سنرفع عنه مسؤلية المؤثر و المحرّك و المحدد او اي مفردات اخرى تعني نفس المعنى . لسبب نراه و نعتقد انه وجيه . و هو أن هذا المكان الذي يعجّ بالآخر ببساطة ليس سوى نقطة إلتقاء . أي ذلك الحد الذي يفصل و يربط في الآن ذاته بين كل من مجهود المنظومة الأولى (الأسرة)، و مجهود المنظومة الثانية (المدرسة) . و إن لم يكون التوافق بينهما ، فعقل الفرد سيتناقض و بالتالي السقوط الى الهاوية، ولن يجد ملاذا له ، سوى في إنتاج التفاهة .

أخيرًا، نربط ما سبق ذكره بمواقع التواصل و نعود من حيث إنطلقنا . عند تأمل وسائل التواصل هذه ألا تبدو شكلًا آخر من أشكال الشّارع ؟ إذ كنتم توافقون بالإيجاب . فالتفاهة و البؤس و إدمان الرخيص من الأفكار، و فقدان الثقة و الشخصية ، و التيه دون هدف ؛ مصدرها واحد و هو بيّن و طريقة معالجته بيّنة أيضاً دون اي إنحيّازات ركيكة -بطبيعة الحال- . و هذه الطريقة نراها في العودة الى البيت و مقارنة افكارها مع أفكار المدرسة و محاولة التوفيق بينهما مع تجاوز ما يستمدّ قوته من الماضي الأسطوري البعيد، الذي يحدّ من قدرة الإنسان على النقد و يخلق لديه مجالات عقلية يتخلّلها المقدّس و المحرّم على الرغم من كون الأشياء كلّها في حدود الطبيعة . عند هذا الحدّ فقط سنتحدث عن عقل يستخدم الوسائل و لا يستهلكها و لا يتلقى الأفكار فقط، إنما ينتجها و يفحصها ….
سمير العوادي/09/03/2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*