الشخصيَّة الثابتة والمتغيِّرة في رواية فتاح فال للروائي عباس الحداد بقلم الكاتب إبراهيم رسول من العراق.

عادةً, ما تكون الكتابة في موضوعٍ سياسيٍّ بظلِّ نظامٍ يحبس الأنفاس تعد مغامرة لها تبعاتٌ كبيرة وخطيرة على الكاتب, لكن هناك رمزيات يبثها الكاتب الحذق لكي يتخلص من سطوة الرقيب, إن ما نقرأه في رواية ( فتال فال) قد تعد كتابة من نوعٍ آخر. العراقُ الذي عانى الويلات من نظامٍ حكم بالحديد والنار, قامت الثيمة لهذه الرواية على التغيير في الثيمات الكلاسيكية, والشخصية الرئيسية ( سعدون) كانت شخصية محاكة وفق نسيج بنائي له دلالات كثيرة إبان تلك الحقبة, فمثلاً هذه الشخصية تُبصر النور وهي محاطة بالتساؤل عن أولئك الذين قتلوا والده ( الذي لا يعرف الله حسب تعبير أم سعدون عندما كانت تُوبخ زواجها في الأوقات التي يرجع فيها إلى البيت ثملاً) لكن أم سعدون تردد عبارة أثارت التساؤل في شخصية الولد سعدون عندما شاهدت زوجها مقتولاً ( عملوها الميخافون الله صفحة33) قد تكون هذه مفارقة بين قوليين لهذه الزوجة, فهي تقول ذات الكلمة لزوجها وللذين قتلوه ! هذه الحيرة تتبدد بأن الكاتب يريد أن يقول: إن شخصية أم سعدون شخصية متزنة, صارمة, ثابتة الموقف, إلا إن ولدها سعدون كانت شخصيته متذبذبة, ضعيفة, منكسرة من الداخل, تعاني من ازدواجية واضحة, هذه البناء يُراد منه الاثار النفسية التي كانت قد أثرت على الولد سعدون, سعدون الشخص الطيب, الودود, يتحول إلى شخصيةٍ أخرى, سبب هذا التغير هو المحيط الذي يعيش فيه. النصُ هنا يبدي مفارقةً واضحةً, وهي أنه مثل بالقريب ليقصد البعيد, مثل بالظاهر ليشير إلى المضمر, شخصية سعدون لم تتغير إلا لأنها وجدت نفسها بحاجةٍ ماسةٍ لهذا التغير, وهو الانتماء لقيمٍ قد لا يؤمن بها الإنسان, انتمى إلى السلطة بل إلى حزب السلطة لكي يخفف من شدة الضغط النفسي الكبير الذي يعاني منه من مجتمعه ومحيطه, فكانت ردة الفعل طبيعة وواردة هنا, وأراد من الانتماء إلى السلطة ليتقوى بها ليؤدبَ كل من أهانه, الكاتب هنا يمارس نقده للمجتمع وليس للشخصية, فهو أعطى مسوغاً واضحاً لتحول الشخصية الطيبة إلى شريرة بسبب المجتمع وأثره السلبي في نفسية الشخص, فكانوا يسخرون منه بقولهم صفحة 57: ( جاء القروي, أتى الولد سعدون الأملط, هذا سعدون ابن شريفة أم الخضرة. الكنية واللازمة التي كانت تسبق اسمي دوماً في الشارع والمدرسة والحي, وحتى في الأحلام, كنت أشعر بشيء من الدونية. ) وإشارة الكاتب ( وحتى في الأحلام) تدل على أن الشخصية كانت مريضة نفسياً من جراء ما تسمع وتشاهد, هذه النظرة القاسية التي صوبها المحيط لشخصية قد فعلت فعلها السلبي وأثرت كثيراً على السلوك الشخصي, فكانت ردة الفعل تجسدت بقول سعدون لأمه ليبرر لها سبب تطوعه ( وكلمة تطوعه هي رغبة ملحة في الانتقام من المجتمع المريض والظالم) فهو يعلل لأمه السبب بقوله صفحة 57: ( يا أمي , تطوعت ليكون لي سند, وسطوة أستطيع أن أرفع رأسي بهما بين الناس).
اهتمَ الروائي بثنائية الشخصية وواحديتها وقدم نموذجاً واضحاً لكل منهما, مسيرة سعدون كانت محاطات حافلة بالمتغيرات على كافة الصُعد, فشخصيته قد حيكت وفق رؤية مغايرة لنمطية قديمة, الذي يروق لهذه الحالات أن المتلقي يقف إزاءها مبهوراً ومذهولاً, فالقارئ تأخذه الشفقة والعاطفة وهو يرى كيف صنعت الأحداث ببطل الرواية, ولا يُخفى أن للرواية أسماء كثيرة وعديدة إلا إنها بدت ثانوية أو ثانوية جداً مقارنةً بشخصيتي سعدون وأمه, التي اتخذناهما نموذجاً لما نحن بصدد الكشف والتحليل والقراءة الجوانية لنفسيتهما. الذي أثار القارئ هو حقيقة التغيرات وما نتجَ عنها من ردة فعل كثيرة على مستوى الشخص العام.
لعل كثرة الشخصيات أعطى زخماً كبيراً في أن تتطور الأحداث تبعاً لتعدد هذه الرؤى, إذ لكل شخصية رؤية تنطلق وفقها وعليها, فبالتالي نلحظ أن الكاتب تماهى في بعض الأحيان مع شخصياته وتعاطف معها, فنراه يبرر الكثير من الازدواجية لشخصية سعدون, كونه قد عانى ما عانى من توبيخ واحتقار المجتمع له, فهذه كلها تعطي للمتلقي تساؤلات كثيرة تدور حول كيفية التبرير وعلامَ هذا التبرير إذ كانت الشخصية قد تمردت على كاتبها وفرضت نفسها على كاتبها!
الواقعية التي مثلتها الشخصيات هي واقعية حية مجسدة في الشخصية العراقية ولها أمثلة واضحة في الكثير ممن يعيشون الواقعية في كل حياتهم وفي كل تصرفاتهم, هذه الواقعية التي يعبر عنها الناقد جاكوبسون حينما يتحدث عن الأدب الواقعي الاشتراكي الذي هو أدب يعتمد أساساً على الكناية كما يصرح جاكوبسون كثيراً في مقابل الأدب الرمزي والطليعي الذي يتكئ على الاستعارة وأخواتها ( صلاح فضل, أساليب السرد في الرواية العربية ط1 ص 58).
الروايةُ تضجُ بالاندفاع الحركي الذي يحرك السرد بطريقةٍ تجعله يمضي إلى الأمام مع استدراكات طفيفة يلجأ إليه عبر تقنية الفلاش باك التي تريح أطراف المثلث ( السارد, الشخصية, المتلقي) هذه التقنية تعيد لنا القراءة في تأمل حركية الشخصيات وفق مفهوم الواقعية الاشتراكية وكيف كان الكاتب يقدم الشخصية على غاية من الدقة ليجعل الثابت والمتحول ضمن مفارقة واضحة ومميزة, فالصعود في الحركية والسكون في الثبوت كان متناقضاً إلى درجةٍ قد يفلت بناء الشخصية من قلم السارد إلا إنه سرعان ما يبادر ليفرض سطوته السردية وقلمه ليقول للشخصية إياك والخروج عما خُططَ لكِ, هذه قد تكون مهارة وقد تكون ومثلبة إذ الشخصية في الرواية كائن حي ( وفق تصور المتلقي) فهو يتفاعل معها ويعيش بوجدانها ويكاد يتدخل في الرؤية التي تتخذها, والشخصيات كانت تعبر عن أمثلةٍ واقعيّةٍ موجودة في المجتمع العراقي, السارد وظف الشخصية العراقية بكل ما عليها وما لها, وتجرد عن فرض سطوته في ( الميول الاخلاقية والطبائع البشرية) فلم نلمح أثراً للسارد على سلوك الشخصية وفق ما تراه يمثلها, كانت الاسلوب ميزةً معلومةً للشخصية لذا نراها تتحرك دون إملاءات يفرضها الكاتب على شخوصه ليفرض أيديولوجيته أو آيديولوجية معينة عليها فكانت حرة طليقة تتحرك بفضاءات واسعة ومتناقضة, كل هذه التناقض كان السارد يقدم لها بمقدماتٍ دلالية ليبرر السلوك الفردي للشخصية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*