فوضى حواس بقلم الكاتبة رهام الدريدي من تونس.

لطالما كنت فَتَاة سَاذَجَةً إلَيّ دَرَجَة الْجُنُون , آمَنْت كٽيرا أَنَّ الْخَيْرَ يَنْتَصِر دَائِمًا عَلى الشَّرِ فِي نِهَايَةِ أَيْ مَعْرَكَة . . كُنْت أُصدِق الْكَلَام و الوعود الْوَاهِيَة حَتَّي دُون أَفْعَال . . حَتَّي الْكَاذِب كُنْت أَجِدُ لَهُ مبررات و أَسْبَاب و أُصَفح و أَمْضِي . . أَعِيش فِي عَالَمِ مُلِئ بالفنانين , فَنّان اخْتِصَاصُه الْكَذِب و الْخِدَاع و آخَر يُتْقِنُ فَنَّ اللاَّمُبالاَة و آخَرُون يمارسون فَنّ كَسْرِ الْخَوَاطِرِ و جرح النَّاس . . فَقَد اصبحوا يتنافسون مَنْ كَانَ الاحقر , مَنْ كَانَ الانذل . . مَنْ كَانَ الْأَسْوَأ
عَالَمَي الْوَرْدِيّ تَغَيَّر لِيُصْبِح عَالمًا حَقِيرًا لِدَرَجَة أَن أَغْلَبِيَّة سُكَّانِه حَتَّى لَا اعَمِم يَعِيشُون حُرُوبا و صراعات ضِدّ بَعْضِهم الْبَعْض ، اصبحو لَا يَسْتَطِيعُونَ التَّعَايش فِي سَلَامٍ و حُبّ . . بَل يَبْحَثُون دَائِمًا عَنْ أَصْغَرَ ثَغْرِه تَحْمِلُهُم إلَى جَرْح الْآخَرِين و طَعْنِهِم و حَتَّى نسفهم ، أَوَلَم يخلقنا اللَّهُ عَلَى هَاتِه الْأَرْض لِيَعُمّ السَّلَام بَيْنَنَا ؟ ؟ لِمَاذَا سَوَاد الْقَلْب و الْحِقْد فَقَدْ أَصْبَحَ الْجَمِيع أنانيا و لَا أَحَدَ يُفَكِّرُ فِي غَيْرِهِ . . .
سُوءِ الْمُعَامَلَةِ أَصْبَح عَادَة لَدَى الْكَثِير ، و انْعَدَمَت الرَّحْمَة . . حَتَّي التَّفَنُّن فِي جَلْدِ الْآخَرِين و دَهس قُلُوبِهِم أَصْبَح أَداه للتسلية . . ، لِمَاذَا كُلُّ هَذَا العهر الْإِنْسَانِيّ و الفِكْرِيّ السَّائِد بَيْنَنَا ؟ شَخْصِيًّا لَا تُخِيفنِي الْوَحْدَة ، مَا يرعبني فِعْلًا فَكَرِه تَعَلَّق رُوحِي البائسة بِرُوح أُخْرَى ، ترعبني فَكَرة أَنْ يُكْسَرَ خَاطِرِي و أهمش . . أَوْ أَنَّ تدهس كَرَامَتِي بِقَصْد أَوْ بِغَيْرِ قَصْد ، لِذَلِك كُنْت أَلُوذ بِالْفِرَار دَائِمًا مِنْ النَّاسِ و حَتَّى مِنْ نَفْسِي .
لِأَنِّي أَصْبَحْت أَخْشَى حَرْفِيّا التَّوَرُّط فِي متاهات الْحَيَاة أَكْثَرَ مِمَّا أَنَا متورطة بِه . . أَنَا الَّتِي ازْدَدْت سُقُوطًا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ . . أَنَا الَّتِي أزهِقَت رُوحِي مِنْ كَثْرَةِ التَّفْكِير و التَّحْلِيل و إيجَاد الفرضيات و مَعَ ذَلِكَ لَا أَحَدَ يَعْلَمُ كَمْ مِنْ الصَّعْبِ أَنْ يحافظ الْمَرْء مِنَّا عَلَى صَلَابَة رُوحَه و كَمْ مِنْ المتعب أَن تُحَاوِل مِنْ أَجْلِ مَنْ لَا يُحَاوِل . . فَقَدْ كُنْتُ فَتَاة هَادِئة حَتَّى فِي معاركي ، أَخْشَى الْجَمِيع و أتهرب مِنْ الدُّخُولِ فِي أَيِّ جِدَال مَهْمَا كَانَ . . أَنَا قَلْب مَكْسُور لَكِنَّه يُحَاوِلْ أنْ يُشْفَى ، أَنَا تِلْكَ الرُّوحُ العليلَةِ الَّتِي لَا تُرِيدُ أَنْ تَشْقَى ، أَنَا الْأَمَل و الْغَد ، أَنَا الَّتِي لَا تُرِيدُ أَنْ تقْهَر . .
أَصْبَحْت الْإِنْسَانِيَّة مكسباً باهض الثَّمَن لَدَى العَدِيدِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ، حَيْث توارثتها الْحَيَوَانَات و تَجَرَّدَ مِنْهَا الْإِنْسَانُ . . لَا لِيُصْبِحَ حَيَوَانًا . . لِنَقْل لَيَتَحَوَّل إلَى إنْسَانٍ “زومبي” أَسْوَد الْقَلْب ، يَفْتَرِس أَيْ كَائِنٍ حَيٍ يَجِدْه أمَامه دُونَ شَفَقَة أَوْ رَحْمَةٍ . . يَلْعَب و يَلْهُو فِي خَلْقِ الله نَسَى مُرَاقَبَة الْخَالِقِ لَهُ ، نَسَى أَو تَنَاسَى يَوْمَ الْحِسَابِ و أَنَّه سَوْف يُسْأَل عن كُل رَوْح أرْهَقَهَا . . سَوْف يَعِيش تَحْت لَعْنَة أَفْعَالِه الرَّدِيئَة و اللاإنسانية ، و يَعِيش حَبِيسَ أَفكَاره وَ ظُنُونَه ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ أخبرو اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ وَعْدَه . . فَنَحْن نَعيش برحمة رَبّ يَقُول لِلشَّيْء كُنْ فَيَكُونُ ، يَرْزُق الْفَقِير . . و يَشْفِي الْعَلِيلَ و يَنْصُر الْمَظْلُومِينَ وَ يساند مَنْ لَا سَنَدَ لَهُ . . و عِنْدَ اللَّهِ لَا تُضَيِّعَ ودائعنا ، لَا تذْهب حُقُوقنَا ، عِنْدَه فَقَط تثلَّج صُدُورَنَا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*