بورتري “فتحي جوعو : سيرة ومسيرة” بقلم الكاتب جلال المخ من تونس.

كان فتحي جوعو شغوفا بالأدب منذ صباه وشاءت الصّدف الحسنة أن يتتلمذ عندما كان يزاول تعليمه الثانوي بمعهد الزهراء على يدي الأستاذ الرّوائي والقاصّ حسن نصر. وسرعان ما نشأت بين الأستاذ والتلميذ صداقة تترجمت إلى تردّد مستمرّ على نادي القصّة لحضور المنتديات القصصية والمشاركة في الملتقيات الأدبية التي كان الأستاذ حسن نصر آنذاك أحد أبرز وجوهها.
وتجسّد هذا الشغف الأدبي في كتابة محاولات قصصية ومشاركات في مسابقات للأدباء اليافعين والشبّان. وقد لقي كذلك تشجيعا كبيرا من شقيقه الأكبر المرحوم محمّد جوعو (1949-2014) الذي كان مؤلفا بدوره مهتمّا بكتابة القصّة والدّراسات والبحوث الأدبية والعلمية. وبعد حصوله على شهادة الباكالوريا سافر فتحي إلى القطر السّوري الشقيق ليدرس الفلسفة فيه على أيادي أساتذة أجلاّء أشهرهم الدكتور صادق جلال العظم والدكتور الطّيب تيزيني والدكتور عادل العوّا ويتحصّل على الأستاذيّة في الفلسفة من جامعة دمشق .
ولمّا قفل راجعا إلى تونس اشتغل بتدريس الفلسفة بمعهد الزهراء الذي عرفه تلميذا ثمّ بالمعهد الثانوي بحمّام الأنف لتستمرّ تلك المسيرة المهنيّة اختصّ فيها الأستاذ فتحي جوعو في تدريس الفلسفة وتدريب العقول على التفكير ومساعدتها على التوغل في المجالات المعرفية المتنوّعة من خلال مناهج فكرية وفلسفيّة تزرع فيها التطلّع إلى البحث ومساءلة مختلف إشكاليات الوجود عبر طروحات متنوّعة ومقاربات متعدّدة.
وانتمى الأستاذ فتحي جوعو آليا إلى نادي “إضافات” بالمركّب الثقافي علي بن عيّاد بحمّام الأنف الذي تأسّس سنة 2007 ومازال يواصل النشاط الثقافي والفكري بصفة منتظمة منذ أحد عشر موسما على التوالي والذي كان شقيقه المرحوم محمّد جوعو أحد أبرز الوجوه الناشطة فيه.
وأثناء اللّقاءات المتعدّدة بالأدباء والمفكّرين والفنّانين والمثقفين كانت تدخّلات الأستاذ فتحي جوعو تنمّ عن تفكير عميق وملاحظات دقيقة وتتّسم بالطّرافة والتطرّق إلى نقاط وأفكار لا يتطرّق إليها غيره تدلّ على غزارة معارف الرّجل الفلسفية وعلى تطوّر مناهجه الفكريّة ووضعه الإصبع بذكاء على المسائل الجوهرية والتساؤلات المحيّرة والمربكة والباعثة على التروّي في الأحكام والدّافعة إلى إعمال العقل بتأنّ قبل الإجابة… وكان الحاضرون يحسّون أن عقل هذا الرّجل مليء بثقافة عامّة كبيرة وبمعارف علمية وفلسفيّة وأنّ روحه مفعمة بالتطلّع إلى البحث وطرح الاشكاليات المختلفة من خلال التساؤلات الدقيقة، وأنّ مخزونه المعرفي والفلسفي أكبر من أن يقتصر على بعض المداخلات الوجيزة والملاحظات العابرة التي يلفّها النسيان بعد انقضاء اللقاءات وانفضاض الحاضرين يضربون في الأرض ويسعون إلى قضاء حوائجهم اليومية…
كان كثيرون ومن بينهم أنا يدركون أنّ هذه التمخّضات وأن هذه الاعتمالات تنتظر فرصة لتنفجر وتتجسّد في أجلى تعبيراتها من خلال أعمال كتابية ذات مستوى تسمح لها باحتلال فضائها الطبيعي وتقدّم لها إمكانية التجسّم الكتابي والفكري الذي يعطيها مكانتها الحقيقية ويسمح لها بالتّبلور في أطروحات فكرية فلسفية متعمّقة وذات منهج مسطّر يجعلها تتشكّل في الوجود من خلال مقالات معمّقة وربما كتب وأبحاث ودراسات.
ولعلّ هذا الشّعور الخفي وهذا التّوق المكبوت وهذا النّزوع الشديد إلى الكتابة إزدادت حدّة في عوالمه النفسيّة والذهنيّة إثر وفاة شقيقه الأكبر محمّد جوعو فجأة فتاقت مشاعره العميقة إلى مواصلة المسيرة الكتابية في عائلة جوعو وإلى تبوّئه هذه المهمّة ليشعر أنّ شقيقه ومثله الأعلى منذ الصّغر ما يزال يعيش في كيانه ويتجسّد ذلك من خلال إمساكه بالقلم الذي سقط من يد أخيه والإصرار على إكمال المغامرة الكتابية على صفحات الوجود.
وبقيت هذه المشاعر مضطربة في ذهنه ومتأهّبة تنتظر الصّدفة الملائمة لتنفجر بكلّ قوّتها وتتجسّد في شكل كتابات على الورق وتعطي معنى لحياته كما أعطت من قبل لحياة أستاذه ثمّ شقيقه أي أقرب الناس إلى نفسه… وأتيحت هذه الامكانية أخيرا وبالتحديد في شهر جوان 2016 واندلعت دون سابق إنذار تحتلّ الحيّز الملائم من فضاء ووقت واهتمام وذلك عند مطالعته للمجموعة الشعريّة التي أصدرها آنذاك الأستاذ جلال المخ والتي عنوانها: “إنجيل الأرض”…
ومباشرة بعد الفراغ من قراءتها وجد نفسه يمارس أخيرا ولأوّل مرّة العملية الكتابية الفعليّة وذلك بإنجازه دراسة متعمّقة حول هذا الكتاب تتناوله بالدّرس والتحليل وتتعرّض له بالنقد والتمحيص. وقد غطّت هذه الدراسة أعمال جلال المخ الشعرية الصّادرة إلى حدّ ذلك الوقت والتي كتبت باللغة العربية وعناوينها “كان ما كاد يكون (2011) – لئلاّ يأخذ أحد إكليلك (2014) – عودة النص الضالّ (2014) – خذ القصيد بقوّة (2015) – وإنجيل الأرض (2016)” واحتوى الكتاب على خمسة فصول تعلّق كلّ فصل بمجموعة وكانت عناوينها كالآتي:

اختلاجات الذّات بين ما كان وما كاد يكون

ثنائية الوجود والعدم من خلال الآخر

حين يعود النصّ إلى معدنه

حين يضرب القصيد بقوّة

قراءة في المجموعة الشعرية إنجيل الأرض.
أمّا عنوان الكتاب فقد جاء كالآتي: انفعالات نرسيس “مقاربات فلسفية لنصوص جلال المخ الشعريّة” واحتوى على 168 صفحة. عن هذه التجربة الكتابية الأولى وعن هذا الانفجار الإبداعي الذي جعله يتمّ هذا العمل في ظرف أشهر معدودات ويشتغل عليه يوميّا طيلة ساعات طويلة يقول المؤلّف في مقدّمته:
“لعبت الصّدفة دورها يوم أن تناولنا إحدى مجموعاته الشعريّة وهي آخر إصداراته “إنجيل الأرض” وبدأنا في تصفّحها ثمّ قراءتها وإعادة قراءتها ولا نخفي سرّا حين نقول إنّنا أحسسنا بخلايا الذّهن تنتعش من جديد وبدأنا نأخذ موقع القارئ الذّي رجّه النصّ وأربك فكره وأثار فيه كثيرا من الحيرة والتّساؤل، وشعرنا حينها أنّنا أمام نصوص شعريّة غير معهودة، وليست من النصوص التي تخلّف لك بعد قراءتها مجرّد انطباعات وانفعالات عاطفية وجدانية ثمّ تمضي وكأنّها لم تكن، ويتبخّر أثرها حين يتوجّه القارئ نحو وجهة أخرى… وجدنا هذه النصوص حين تقرأ بجديّة تسكن القارئ وتلازمه حيثما كان، تبثّ في ذهنه نوعا من الهاجس الّذي وإن كان يقلق الفكر ويقضّ له مضجعا فهو في الوقت ذاته يدفعه إلى متعة التأمّل فيما يطرحه الشاعر من قضايا لا يمكن فهمها وطرحها من جديد على بساط العقل بمجرّد التناول السطحي لها أو بمجرّد قراءة عابر سبيل بل إنّها تولّد في ذهنه إشكالات وقضايا فكريّة إنسانية لا تجد لها منفذا إلاّ في مساهمة تحليليّة ذات مقاربة معيّنة ومحدّدة سنتعرّض لها فيما بعد…”
لقد صوّرت لنا هذه الفقرة بكلّ دقّة لحظة الميلاد الفعليّ لهذا الكاتب الذي سرعان ما تقمّص مهمّته الجديدة من خلال إحساسه العنيف بمتعبة الكتابة وبمعاناتها في آن ومن خلال تمثّله لمختلف الإشكالات التي يمكن أن يثيرها نصّ أدبيّ في ذهن رفض أن يكون مجرّد قارئ عابر وتجشّم أعباء الغوص في متاهات النصّ وتفكيكه وتسطير القضايا التي يثيرها قبل إعادة تركيبه من خلال منهج محدّد ودقيق.
ونقد فتحي جوعو لهذه النصوص الشعرية لم يكن نقدا أدبيّا بمختلف توجّهاته الكلاسيكية أو الانطباعية أو الحداثية بل كان وهذا ما يميزه ويعطيه طابعا خاصّا نقدا فكريّا ذهنيا يعتمد على مقاربات فلسفية زخر بها عقله واختزنت في ثقافته لمدّة عقود وبقيت تنتظر في لا شعورها فرصة بروزها إلى النّور وتجسّدها على بياض الورقة. ولعلّ طبيعة النصوص التي تتعرّض إليها تستجيب لهذه المقاربات الفلسفيّة لما امتلأت به من رموز وإيحاءات تجد لها جذورا في الفكر الفلسفي الإنساني منذ قدمه وإن قدّمت في قالب شعريّ. وفي رأينا أنّ هذه المقاربة الفلسفية المتميّزة لا يمكن أن تسلّط على كلّ النصوص الأدبية بل تجد متنفّسا للتّعبير عن ذاتها في الأدب الذهني بمختلف أشكاله. ومهما كانت طبيعة مقاربات فتحي جوعو فإنّها حقّقت سبقا في الاهتمام العميق بكتابات أديب ما انفك يكتب في صمت منذ ربع قرن وساهم في إثراء المكتبة التونسية بما يقارب الثلاثين كتابا في البحث والدّراسة والترجمة والقصّة والشّعر باللغتين العربية والفرنسية وسرعان ما ولّدت هذا الاهتمام بتلك التجربة فصدر كتاب عنها يتناول بالدّرس مجموعات جلال المخ الشعرية المكتوبة بالفرنسية عنوانه “قريحة جلال المخ الشعرية” La verve poètique de Jalel El Mokh ألّفه الأديب الباحث الحبيب فلفول ووُضع حولها كتاب ثالث هو بصدد النشر ألّفه بالفرنسية الأستاذ الشاعر والصحفي الهاشمي الخلادي.
ويبدو أنّ عمل فتحي جوعو الكتابي لم يكن سحابة صيف سرعان ما انقشعت بل أصبحت الكتابة شغله الشاغل يمارسها يوميّا بكلّ لذّة وبكلّ عناء فكتب وهو في غمرة البحث المتعمّق كتابا ثانيا حول مجموعات جلال المخ القصصية هذه المرّة واتخذ له عنوانا “مقاربات فلسفية لنصوص جلال المخ السرديّة” وهو يستعدّ لنشره في الأيّام القادمة وأنجز في هذه المدّة الوجيزة نسبيّا كتابا ثالثا حول أعمال شخصيات أدبية قريبة من اهتماماته ويعرف إنتاجها الأدبي عن كثب ومن فصول هذا الكتاب نذكر: “الأديب حسن نصر في أوج العطاء” بمناسبة صدور رواية جديدة لهذا الكاتب المعروف و”للخلود ضروب” في ذكرى وفاة شقيقه الأديب محمّد جوعو، و”الأديب جلال المخ: سيرة ومسيرة” ولا تخفى أهميّة العامل الوجداني في اختياره لهذه الشخصيات التي تمثل الأستاذ والشّقيق والصّديق. أما في المجال الفلسفي والبحث الفكري فقد واصل الأستاذ فتحي جوعو إنتاجه وما يزال يشبع شغفه الفكري والمعرفي وقد أصدر كتابين فلسفيين الأول بعنوان ” الجسد هو الأصل: قراءة في مفارقات الجسد” والكتاب الثاني بعنوان ” أزمة المعنى” صدرا الإثنان في سنة 2018 ومايزال في صدد التفكير وكتابة ونية إصدار كتاب آخر بعنوان “الإنسان بين التعقّل والجنون”.
كما انخرط فتحي جوعو في المشهد الثقافي بقوّة فكتب في أربعينية الدكتور محمّد الطالبي دراسة بعنوان “المنهج العقلاني في فكر الدكتور محمّد الطالبي” وفتحت له الصحافة التونسية أعمدتها من خلال تخصيص جريدة الأنوار صفحة أسبوعية تنشر فصولا من هذا الكتاب الثالث وتبرز اهتماماته الفكرية والفلسفية الرّحبة والمرتبطة ارتباطا وثيقا بالواقع الاجتماعي والسياسي والفكري الرّاهن في تونس مثل:

أزمة الهويّة في مجتمعنا التونسي

هل من مصالحة بين الكتاب الورقي والكتاب الرقمي؟

في قيمة التسامح

خواطر حول أسس النظام التربوي والمناهج التعليمية…
لقد كنّا شهودا على لحظة جميلة، لحظة ميلاد كاتب متميّز وطريف يحمل همّا فلسفيّا عميقا وأسئلة وجودية كبيرة ويسعى إلى معانقة روح شقيقه الأدبية التي تبرز في إهداء كتابه الأوّل: “إلى من علّمني أبجديّات الحياة وفتح لي نوافذ المعرفة والأدب وغرس فيّ القيم النبيلة، إلى رفيق دربي وظلّي وتوأم روحي… إلى أخي المرحوم محمّد جوعو”…
لقد غاب الكاتب محمّد جوعو عن الوجود الفيزيائي سنة 2014 فظهر الكاتب فتحي جوعو سنة 2016 ليضرب لنا مثلا على أنّ شعلة الأدب والفكر المقدّسة ستظلّ مؤتلقة ولن يخبو نورها إلى الأبد…
حمّام الأنف

2 Replies to “بورتري “فتحي جوعو : سيرة ومسيرة” بقلم الكاتب جلال المخ من تونس.”

  1. السلام كان لي الشرف ان تتلمذت عن الاستاذ فتحي جوعو مادة الفلسفة في معهد بوقرنين وكانت ساعته ممتعة جدا وكانت تنقضي بسرعة وكان يحثنا على المطالعة ونصحنا بقراءة البرتو مورافيا السام وغيرها من الكتب… وكان الاستاذ فتحو جوعو يتمتع بذكاء وقاد وذو اخلاق عالية……. والى اليوم اكن له الاحترام ولكن ملاحظتي الاساسية لماذا لم يمر الانتاج ككتابة رواية او كتب يعالج فيها قضايا فكرية فلسفية معاصرة واعتقد ان له قلما كبيرا وهو جدير بالنجاح في الساحة الوطنية….. والسلام. الدكتور انيس المحجوبي باحث في التاريخ الاقتصادي المعاصر التونسي….. ودكتور باحث في التاريخ الثقافي التونسي.

    • الدكتور أنيس المحجوبي لي سعادة فائقة لملاقاتك على الافتراضي وكانت سعادتي أعظم بما وصفت به شخصي المتواضع لك مني كل الود والاحترام والتقدير وكلي فخر بك وبنجاحاتك. فعلا لقد قمت أيضا بإصدار كتابين من جنس الكتابة الفكرية الفلسفية واحد بعنوان الجسد هو الأصل والثاتي بعنوان أزمة المعنى والثالث في طريق الإصدار …. أما فيما يخص كتابة الرواية فخيرت أن أكتب عنها كتابات نقدية خصّت بعض الروايات التي راقت لي لا أن أتولى كتابتها. شكرا على مرورك وتفاعلك ودمت بخير .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*