زواج المَفكّة (قصة قصيرة) بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.

اذا كانت لظاهرة الزواج في شبه الجزيرة العربية أسباب وطقوس (وقد ذكر مونتيسكيو أن ارتفاع درجات الحرارة في هذه المنطقة الرمضاء سبب في تعدد الزيجات عند أهلها!) فإن لها في شمال افريقيا أسباب أخرى ولها في المغرب نكهة اجتماعية خاصة…
تكثر عقود القران وتتسع حفلات الزفاف خلال شهري يوليوز وغشت من كل صائفة، ولاشك أن لذلك علاقة طردية مع عودة أبناء وبنات الجالية من بلاد المهجر الى أرض الوطن خلال عطلتهم السنوية مترعين بالأشواق محملين بالهدايا والسيارات والعملة الصعبة… يلتقي الأحباب بعد طول غياب وتتاح فرص المناسبات والمصاهرات وفكّ العزلة على العازبين والعازبات ورفع الأزمة عن البائرين والبائرات.
بعد عشر سنوات متتاليات من الغربة، حل المهدي وأفراد أسرته النووية بأرض الوطن ليدشن المنزل الجديد الذي اشتراه وسط أحد أحياء المدينة؛ بناء متوسط على مساحة مائة وعشرين مترا مربعا عمودي في طابقين ومدخل ومرآب واسع تطل واجهته الوحيدة على السوق المركزي للمدينة.
عشر سنوات كاملة في بلجيكا “مولن بيك”قضاها رب الأسرة بين مقرات العمل والإقامة والمسجد لا يلوي على أفق ممتاز سوى جمع المائة مليون سنتيما ودفعها مقابل المنزل الجديد، وعشر سنوات هذه، كانت كافية لنحت الشخصيات بملامح جديدة واستدماج سلوكات ثقافية غريبة ! فالمهدي لم يعد مهدي زمان ! بل صار حاج المهدي الذي استقر وجهه المدور على لحية نصف دائرية والتزم هندام العرب الأفغان (قلنسوة وعباءة نصف طويلة إلى حدود الركبتين وبقية السروال). أما حرمه ! فقد ترى نجوم الظهر ولا تراها هي…لكن نساء الحي ما فتئن يتحدثن عن أخلاقها الطيبة وعن جمالها ونعومة جلدها واكتناز جسدها… قالت إحداهن لجارتها: “مَ ثَزْريذْ مِينْ يِگّ أولِيمانْ، زهرة ثْذْوَرْ يِدْجيسْ نْ خَمّسْتاشَرْ سنة”(1): شفتي الخارج وما يفعله، زهرة (زوجة المهدي) رجعت شابة !… أما الولد الذي أنجبته أمه في المغرب ونما وشبّ في أوروبا فقد صار من الحسن والجمال فتى يأسر القلوب ويجذب الأنظار بملامحه الرقيقة ولتدفق الأنوثة من عيونه ولون بشرته الوردية الناعمة وشعره النحاسي! يقضي معظم أوقاته في شرفة الطابق الأول يأكل الزريعة ويشاهد كل ما يتحرك حوله ولا يخرج من المنزل إلا رفقة أبيه!. ومعه أصبحت شرفة المنزل الجديد قبلة تشرئب لها أعناق الشباب ومراهقي الحي واستحوذ بيت الحاج المهدي على عقولهم متخيلين أنه أفضل رهان لتحقق أحلامهم الوردية بعيدا عن السجن الذي يقبعون فيه ! كم من واحد يسعى للتقرب من الحاج المهدي ويتمنى الظفر بالمصاهرة معه طمعا في الحصول على أوراق الاقامة في اوروبا !.. فمن به عاهة هناك سيداويها ومن يعيش في فاقة هناك سيوسع على نفسه ومن به عُقد سيفكّها هناك وسيعيش في رغد وبحبوحة …
لم يكن “بوزيان” يتوقع أن يكون الهواري (ابن حيه وصديقه الحميم) قد فكر ليتقدم إلى الخطوبة لدى الحاج المهدي، ولا كان الهواري يعتقد أن صديقه “بوزيان” سيقدم على نفس الشيء.. صدفة انكشف أمرهما؛ ففي إحدى الصباحات لما كانا واقفين كعادتهما عند زواية شارع السوق، لاحظ “بوزيان” أمّ الهواري من بعيد وهي تطرق باب الحاج المهدي، فنظر إليه نظرة المندهش وقد استنفر كل حواسه قائلا:
-” ْثِينْ ذْ يَمّاشْ آلهواري! مِينْ ثارْزّو غَ رْحاج رْمهدي، مَ ثْسْنَمْتْ مَ؟ (2): هذي أمك يا الهواري! و ماذا تتوسل لدى الحاج المهدي، هل تعرفونه؟

“واه”. قالها الهواري مبتسما ولم يعرف أن ابتسامته تلك كطعنة خنجر في قلب “بوزيان”ثم أضاف:
-نيشان، نيشان، أومَاشْ يَخْسْ أذِ دَبّارْ خُ قَابُو نّسْ”(3): بصراحة، أخوك الهواري يجرب حظه
ولم يكد الهواري ينهي جملته الأخيرة حتى ترنح جسمه وسقط أرضا مغميا عليه. أما “بوزيان” فقد اكتفى بلكمة واحدة وانصرف.
استقبلت حرم الحاج المهدي أم الهواري بترحاب حار، وبين نفسات السلام والكلام قالت لها بأن درج المنزل متعبة وأنها نزلت وصعدتها للتو كي تستقبل إحدى جاراتها…
في بهو أنيق مؤثث بازارات وإطارات وأرائك آخر صيحة، الأضواء مشعلة وأم “بوزيان” تبدو جالسة!، لما تراءت لها أم الهواري في الباب فوجئت ولكنها عملت الواجب فنهضت لاحتضانها وراحتا تتباوسان طويلا والواحدة تسأل الأخرى عن الصحة والأولاد والأحفاد… ولما لاحظت زهرة كل هذه الحفاوة والحرارة في السلام انسحبت بعد استئذان إلى المطبخ لتهيئ الشاي و بعض الحلوى جريا على عادة كرم الضيافة.
لم تمر غير لحظات حتى اندلعت الخصومة بين أم “بوزيان” و أم الهواري، إذ أمسكت الأولى بتلابيب الثانية وراحت هذه تصيح و تقول: يا قاهرة الكُنّات يا طلاّقة يا فلاّقة…
هرعت زهرة إلى البهو والصينية بيدها: – آشْ واقع ياكْ لاباسْ. فيما كانت الضيفتان تتراجعان كل الى أريكتها وتسويان شعرهما و لباسهما. و بعد صمت مثير نطقت أم الهواري:

خْزَرْ إ رْبوهْتانْ آ زهرة آ وَتْشْما، ياشْ ذِ قْذِيمَنْ إ يَنّانْ “مِيّة ثْخَطّبًْ يِجْ إ تَوي”؟

واه ياك لاباس!

إ يوا أ لالّة ثَجّارْثْ نّمْ وحْذَسْ إغَ دْجانْ إ عَزْرِيّانْ، ثُوسَدْ أذَسَنْ ثَخْضَبْ، حَدْ نّيضَنْ وَغارْسْ بو رْحَقْ آذِعَمّرْ ثَرْوا نّسْ” (4): شوفي العجب يا اختي زهرة ياك المثل يقول الزواج قسمة و نصيب”
ايوه الالة هذه جارتك وحدها ولدت العزاب وجات تخطب لهم… اما أنا أوغيري
فليس من حقنا أن نعمر أولادنا.
ونظرت زهرة الى الضيفتين باستغراب؛ فهي التي كانت تعتقد أن زيارتهما هذه من أجل تقديم التهاني بمناسبة العودة من الخارج والاستقرار بالمنزل الجديد!، أما أم “بوزيان” فقد أردفت موجهة الكلام الى منافستها:

مْري ذايَمْ رْخارْ إري ثَگّيتْ ذِ ثِسْراثينْ إتوغا غارَمْ، ثْطَلْقَذْ إ ثْراثَ ثَخْسَذْ آتْكَمْرَذْ إرْبَقِيَثْ(5): لو كان فيك الخير لفعتله في الأوليات، طلقت ثلاثة بنات وتريدين أن تكملي على الباقي.
ثم توجهت بالكلام مباشرة إلى زهرة

إذا أعطيت بنتك لهذه العاقسة ستندمين.
وهنا تدخلت زوجة الحاج المهدي لتوضح الأمور وتحسم الخلاف بعد أن فهمت كل القصد. أخبرتهما في نبرة حزينة بأنها لم تنجب غير ولدها الوحيد “ربيع” وهو أعز ما تملك هي وزوجها وقد قضى الله بألا تنجب غيره منذ ولادته واغرورقت عيناها بالدموع… في هذه الأثناء دخل “ربيع”؛ ولد تراهن على أنه بنت بكل المواصفات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*