الشعر النثري وما خلف الكلمات… بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

الكتابة مصدر من فعل كَتَبَ، يَكْتُبُ… فهي إذن مصدر الفعل… فعل ماذا؟! إنها فعل الفكر وهو يعمل إنها أداته وآلته ومُحرّكه…وأيضا مخزونه! لكن في أي مجال يعمل هذا الفكر؟ وفيما يُفكّر؟ وكيف يُفكّر؟

في الواقع لا تحتوي هذه الأسئلة على أجوبة واضحة وليس لها إجابة واحدة يُجمع عليها. ولعل ذلك يعود إلى كثافة اهتمامات الإنسان المفكّر وكثرة مشاغله الفكرية وتنوع هواجسه. فقد تُثير اهتمامنا قضايا اجتماعية وأخرى سياسية واقتصادية وقد نهتمّ بالمناخ الثقافي وبالفن وبالموسيقى وبالمسرح ونُدفع لكي نقول قولا في هذا الموضوع أو ذاك، ولا يكون هذا الدافع إلا استجابة حتميّة لاهتماماتنا….

عامة الناس تعيش هذه الأوضاع والحالات وقد تندمج فيها وتتفاعل معها، وقد تتبناها أو ترفضها وتسخط عليها لكن الأمر لدى العامة يتوقف عند هذا الحد الانفعالي! فنسمع الصراخ والاستنكار ونلاحظ السّخط والخوف وقد نستشعر الوجع ونشاركهم فيه! لكن دون أثر مقروء أو مكتوب فتتوقف عند مجرد الانفعالات التلقائية التي عادة ما تكون بنت اللحظة وبسرعة تندثر وتمر بمرور الأحداث والزمن. في حين أنّ ما يميز الكاتب والمفكر والأديب والفنان هو أنه لا يكتفي بما تُحدث فيه الأحداث من انفعالات ومؤثرات بل يريد أن يعبّر عنها ويثبتها في الهنا والآن… فيكتب أو يرسم أو يقول شعرا ويلتجئ إلى آليات ووسائط يجد فيها ضالته لحاجته إلى التعبير حين لا يجد وسيلة أخرى لطرح ذاته خارجه… فهو يكتب حين يمتلكه غيض… ويكتب حين يمتلأ كبتا… ويمتلأ قمعا… ويمتلأ أفكارا ومواقف وآراء لابدّ لها أن ترى النور لأنها لا ترتاح إلى العتمة ولا ترضى بظلمة السجن…إن الكتابة في الأصل هي إرادة التحرر من كل عامل قمع أو قيد! إنها تحرر من سجن الذات لتنعتق نحو الآخر… فبإرادة الكاتب أو بغير إرادته وبوعي منه أو بغير وعي يطرح معاناته ومعاناة البشرية على الورق وكأنه يريد التخلص من ثقلٍ لم يعد قادرا على تحمله بمفرده وكأنه يرغب في أن يشاركه الآخر ” القارئ” في تحمل معاناته ويحمل معه بعضا من هذا الحمل الثقيل…

أن نُحاور ذواتنا، فهو أمر جيّد وثري ومُنتج وجودته لا يختلف حولها اثنان، إذ لا بد من العودة إلى الذات كلما دُفعنا إلى التعبير بالكتابة عبر إنشاء نص أو خطاب…وذلك لترتيب بيت هذه الذات الحُبلى بالمتناقضات والمفارقات وكذلك المعاناة لأن الكتابة هي أصلا تعبير عن المعاناة وكشف للتناقضات وفضح للمفارقات…! إنها تنتج في هذا المناخ غير المريح، إنها مراجعة للتبعثر لإنتاج بعثرة أخرى في ثوب مبعثر جديد ومن خلال هذه البعثرة تضطر لمراجعة أفكارها وتنظيمها، ولعل ذلك من شروط الكتابة وأُسٌّ من أسس التفكير والتأمل، فلا أحد منا مهما كان وضعه وموقعه بإمكانه أن يقول قولا للآخر، كلاما أو كتابة، إلا بعد أن نُظّم بحوار داخلي قد يطول أو يقصر حسب أهمية موضوع القول وتشابك عناصره.  إننا إذن بوعي منا أو بغير وعي نقول لأنفسنا قولا باطنيا قد لا يدركه غيرُنا ولا يرقى إلى مستوى هذا الإدراك الخارجي إلا حين ننشئه خطابا يبلغ مسامع الآخر أو يقرأه على الورق بعد أن نكون قد عشنا مخاضا يتفاوت مدى عسره بكم الحالات التي يعيشها الكاتب فترات إنتاج النص وولادته، وهو ما يبرّر ضرورة طرح النص خارج الذات المنتجة ، وتقديمه للقارئ نصا نثريا أو شعريّا أو رسما إلخ من إبداعات الإنسان، موضوعه قد يكون واضحا أو ملتبسا وغامضا  لكن تبقى غاياته القصوى محددة مسبقا بطرح إشكال أو مجموعة من الإشكالات تتعدد مواضيعُها وتتنوع محاور اهتمامها حسب ما يريد الكاتب أو المبدع  بيانه أو تبليغه أو نقده موضحا في نصه وفي أثره، رؤاه ومواقفه وغاياته من هذا الطرح أو ذاك.. ولنا في ذلك كثافة من النصوص والكتب والإبداعات تزخر بها رفوف المكتبات وتعبّر بحق عن تاريخ الفكر البشري وإبداعاته في كل المجالات الإنسانية، وليست تلك النصوص وتلك الآثار على كثافتها وتنوعها إلا تعبيرا عن اجتهاد الفكر البشري وعلى قدرته الخلاقة في تحويل الأحداث إلى قضايا مثيرة وثرية قادرة في آخر المطاف على تحويل المرئي إلى اللامرئي، تحويل المادة إلى فكرة أو بشكل أصوب تحويل المواد والأحداث إلى أفكار هي من نتاج اشتغال العقل البشري الدائم والدؤوب.

الكلمة ليست الواقعة ولا هي الحدث وقد لا تكون أصلا ما يختلج في ذواتنا من مشاعر وأحاسيس …. لذلك كانت الكتابة بمعنى ما، هذا الطراز أو هذا الخطاب والنسق المنظَّم للكلمات والجمل في تفعيلها وشروطها التي تنقل للقارء في آخر الإنجاز تلك الوقائع أو بمعنى أصح صورها ومعانيها وعلاماتها ، هي إذن علامات يستعملها الكاتب وهو يصف ما اختلج في ذهنه  فينقلها إلى ذهن  السامع أو القارئ كمجموعة صور عن تلك الوقائع او تلك الحالات، لكنها ليست الحالة ذاتها أو الواقعة بعينها خاصة وأن فعل الكتابة يستجيب لكمٍ هائلٍ ومعقّدٍ من وضعيات نفسية وحالات شعوريّة وأيضا هواجس فكريّة للكاتب ووضعيّات اجتماعية واقتصادية وغيرها عَبَرت تجربة “الكاتب الإنسان” وأثّرت فيه، وكثيرا ما تكون تلك الحالات متشابكة ومتقاطعة ومتداخلة بحيث تؤثّر في وضعه النفسي والفكريّ وتحدث فيه ضروبا من المعاناة قد تبلغ حد المآسي وذلك  قبل نشأة النص وخلال مخاضه وفترة ولادته وأيضا وقت طرحه على الورق.

 إن الكاتب والمفكر يحمل في وجدانه وفي فكره كل هموم الإنسانية وما يزيده حملا أنه عارف ومُدرك بضخامة شقاء هذا الحمل وبعظمة تلك المأساة ولعلنا لا نجانب الصواب حين نُعلن بوعي منّا أنه قد لا يوجد مفكر سعيد بالمعنى المتعارف عليه لدلالة السعادة، ف”الأدب مأساة أو لا يكون” حسب عبارة الأديب التونسي محمود المسعدي وهو “شقاء معرفي ووجدانيّ” حسب رأي الفيلسوف الألماني “شوبنهاور” وقد يستجيب لقول المتنبي في بيته المشهور: “ذو العقل يشقى في النعيم بعقله … وأخ الجهالة في الشقاوة ينعم.”

لكن قد يفرض علينا السؤال التالي نفسه ونحن نتحدث عن فعالية نشأة النص النثري مهما كان جنسه: أين الشعر من كل هذا؟ أي مكانة يتخذها النص الشعري؟ وهل يمكن الحديث عن جنس الشعر النثري وهو الجنس الرائج في أيامنا هذه؟ وفرضا أننا قبلنا هذا النوع من الشعر فبماذا يتميّز عن النص النثري السردي قلبا وقالبا، صيغة ومضمونا؟ ألا تكون للكتابة الشعرية خصوصيات ومميزات يتفرد بها القول الشعري دون غيره من الإنتاجات الأدبية الأخرى ؟!

هناك اتفاق مُجمَع عليه حول دلالة “الشعر” أو مفهومه الاصطلاحي: إنه في البدء وبالتعريف الأولي له “الكلام الموزون المُقَفّى” إنه إذن فنّ كلاميّ من فنون الأدب لكنّه الأكثر انتشارا مقارنة بمعظم التعابير الأدبية الأخرى، ولعل ما يبرر سعة هذا الانتشار ما يتخذه النص الشعري من حضور ملازم للإنسان وانعكاس مرآته على مشاعره وإحاسيسه ووجدانياته …. الخ. 

لنتوقف أولا أمام هذين الخاصيّتين الجوهريتين للنص الشعري وهما “الوزن” والقافية” وهما ما كان يتميز بهما الشعر التقليدي خاصة منه الشعر العمودي وكانت أيضا ملزمة لكل قول شعريّ بحيث أكّد القدامى أن لا شعر بدونهما… فضلّ هذا النوع من النظم سجين قواعد العروض وبحوره ورغم ما لهذا النظم الكلاميّ من جمالية لا يختلف حولها اثنان فإن ضوابطه العروضية وانضباطه داخل بحور عروضيّة محددة  قيدت الشعراء وأحدثت لبعضهم ضجرا خاصة منهم المحدَثين في هذا الشغف اذ هي  تُلزمه ضرورة حتى لا يحيد عن ضوابطه وقواعده ويتجنّب الانحياز عن بحوره فيجد نفسه فجأة وهو الموهوم بهاجس الاندفاع الشعري مرميّا على رمال الشاطئ اللاعروضي بعيدا عن الحس والنغم الشعري المُقفّى وخاصة يقع في ضرب من التمرّد والخيانة للقواعد الشعريّة والخروج عنها تعسفا فيحكم عليه النقاد وكبار الشعراء بأنه “ليس شاعرا !” لا لشيء إلا لأنه ابتعد عن ضوابط وقواعد الشعر العمودي. وكأن الشعر لا يكون كذلك إلاّ إذا كان سجين القواعد والضوابط الشعرية العموديّة! ونحن نعلم على الأقل في هذا الزمن الحاضر وفي هذا العصر أن كلّ الثورات الإنسانيّة ومعظم أنواع التمرّد  يجمعها مطلب واحد ووحيد وهو الحريّة أو إن أردنا الدقّة التحرر من معاناة التقيد بسياج الضوابط وأغلال الإبداع لكي نطلق العنان للتعبير في مجال الشعر على الأقل لمشاعرنا وننساب إليها انسيابا سلسا ونجسدها على الورق ونترجمها في شكل نصوص لا تخلو من السلامة اللغوية وتعكس جماليّة يرتاح لها القارئ وتحافظ بالطبيعة على النغم الموسيقي للكلمة التي يغذي الروح دون إذن ولا دعوة مسْبقة … فأنتج هذا التحرّر ما نسميه اليوم بالشعر النثري. فأين ينتهي النص النثري ومتى نبدأ مع الشعر النثريّ؟

كل نص مكتوب بلغة مفهومة وسليمة لغويّا ومتمحورة حول موضوع معيّن ومبلّغة لهدف بذاته… هو نص نثريّ أو بتصحيح الدقّة هو نصّ سرديّ وهذا النوع من النصوص يجمع منتجات الإنسان الأدبيّة بكل أجناسها من قصة ورواية ومقال… وغيرها من الكتابات التي تكتمل فيها الشروط السالفة الذكر لذلك يلتقي مفهوم النص النثري مع مفهوم النص السردي، فهو بالضرورة يعتمد على منهجيّة واضحة لتبليغ القصد المرسوم له قبليّا والمنظم منهجيّا.

فما مكانة الشعر النثري من كل هذا ؟

الشعر النثري هو أيضا نصّ يشترك مع النصوص الأخرى في “النصّيّة” إن صحّت العبارة أي أنه هو أيضا خطاب به يخاطب الكاتب القارئ ويبقى محترما للصياغات اللغوية المعروفة أي الواضحة والمبلغة للقصد لكن أي قصد وأي مقصد؟ هنا بالذات يبدأ التمايز بتحفظ إذ هو ليس قاعدة ملزمة لكنها معلنة لهذه الدعوة الملازمة للشعر عموما وللنص النثري الشعري أيضا وهي “المشاركة في المشاعر!” وكأن الشاعر مهما كان تنوع صياغاته يدعو القارئ إلى التفاعل مع فيض مشاعره وهو يجهد نفسه بمهاراته في صياغاتها داخل صور شعريّة وعلامات دالة يرسمها بإتقان لتُحظى بحسن تمريرها إلى آذان القارئ وهو يسمع أو يقرأ لأن القراءة ذاتها قول مسموع … وتلمس مشاعره وتحيي فيه ما له من أحاسيس كامنة قبليّة كانت تنتظر هذه الهمسات لكي توقظها في وجدانه قبل فكره…. نعم نقول جيدا الإحساس قبل الفكر، باستثناء النصوص الملتزمة والنصوص الشعرية الذهنية التي عادة ما تحافظ على البعد الفكري الاشكالي وتنزع على خلاف المقالات الفكرية المحضة إلى رسم تلك الأفكار والقضايا بتزويقها بألوان الصور الشعرية … يبقى النص النثري الشعري مستجيبا عادة وليس قاعدة بل عموما إلى إثراء المناخ الوجداني والتعبير عما يختلج في الذات من أحاسيس ومشاعر خاصة لتصبح مشتركة تستجيب لحالات الإنسان الكليّ في خصوصياته … فالتعبيرية الشعريّة لها خصيصة مزدوجة يجسّدها الشاعر بوعي منه أو بغير وعي وهي “الكونيّة والخصوصيّة” في آن واحد…. وتلك الخاصية هي التي تدفع القراء إلى التسابق في قراءة ما ينتجه الشعراء من إبداعات ليس فقط لقراءة ما كتبوا بل أيضا وهذا هو سر نجاح قصيد دون آخر لقراءة القارئ ما لم يقدر على التعبير عنه بنقسه فيتحول صوت الشاعر إلى صوت القارئ ودليل ذلك الساطع ترنم القارئ أو السامع بمقاطع وبأبيات تستجيب لشجونه وهيامه وأيضا حزنه وآلامه حسب الحالات والوضعيات وهذا التفاعل يؤكد أساسا المشاركة العميقة لمعاني الشعر مهما كان نثريّا أو غيره. ولعل السرّ الذي يجعل من الشعر النثري شعرا بأتم معنى الكلمة ولا يختلف في غايته مع أجناس الشعر الأخرى بل لنقول تجعله في نفس المرتبة مع كل الأعمال الفنيّة الإبداعية الأخرى…إنّ هذه الغاية السامية هي :” الإحساس بالجميل” وما يحدثه في المتلقي من انتشاء وغذاء نبقى نبحث عنه في كل الأزمان لأن في غيابه يفقد الإنسان توازنه خاصة في عصر طغى  فيه القبح والرداءة.  

الإحساس بالجميل هو الهدف المنشود من كل إبداع فني وعلمي وأيضا فكري …فما بالك بالإبداع في الكتابة الشعرية! إنها تدخل ضمن الفنون الموسيقيّة وهي لذلك فنّ زماني بامتياز يحمل نغماته ويُثير مشاعر كل إنسان في كل الأزمان وبهذه الخاصية المبحوث عنها والمطلوبة لذاتها يندثر البون بين الشعر العمودي والنثري على الأقل بالنسبة للمتلقي … وقد نعتقد جازمين ان السامع أو القارئ للشعر ليس بحاجة لمعرفة قواعد كتابة هذا القصيد أو ذاك بقدر حاجته الماسة لعيش لحظة نخوة ونشوة وتجنيح في سماوات جمالية الشعر قولا أو كتابة.

فتحي جوعو في 21/9/2021

2 Replies to “الشعر النثري وما خلف الكلمات… بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.”

  1. الأستاذ فتحي جوعو Ftouh JO
    مقاربة نقدية- جمالية موفقة
    تشخيص دقيق وطرح سديد
    دمت بكل ألوان البهاء والألق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*