قراءة الناقدة التونسية منوبية الغضباني لنص ” انتظرني..” للشاعرة رشيدة المراسي من تونس.

انتظرني
كما لوأنك تنتظر أحدا
من قبل
ولا تقل للرياح
ليتها تحمل بين راحتيها روحها
كانت الطريق إلى الجبل
رحلة إلى رأس الدرب
ومنتهاه
زاده الشوق واللقاء
الخلاء في ظل الغياب
مراثي مزدحمة بالنبل والكبرياء
وسباق المسافات الطويلة
أنفاس يقطعها حد المشرط
وشم على خد العشاء الأخير
ليلة الجمعة الحزينة
وطقوس الصليب المسجّى
في الرمق الأخير من الليل
يصلّي
يسبّح
ويتجلّى
لا تنتظرني
كما لو أنك لم تنتظرأحدا
من بعد
اللقاءات ذاكرة مزدحمة بالموت
والإنتظارات
والخيبات
والآلام المعبّدة
إلى نهر وارد من أفق بعيد
لا ينقطع
ولا يتوقف
ولا يتبدّد
وحدها ساعة الفراغ تقرع أجراس
آخر الليل
لتعلن موعد مرور عام جديد
على الإنتظار


القراءة
نصّ شعري ّتنامت على امتداده جمالية متناسلة و دلالات تشحذ همّة المتلقي للتمعّن فيه …
وبدء بالعنوان “انتظرني”…وهو كمعنى “للإنتظار” يهزّ الأعماق ويحرّكها .. طلب يبدو لطيفا يتيح توالد الدلالات لمعنى الإنتظار ومايحوم حوله من ترقّب يصل حدّ القلق والسأم …يفجّر حال المنتظر(بكسر الظاد”) ..وقد يطول ولا يثمرُ.
صاغته الشاعرة أمرا ليتيسر تدقيقه في لاحق النّص.
انتظرني كما لو أنّك تنتظر أحدا من قبل
ولا تقل للرياح
ليتها تحمل بين راحتيها روحها.
فسياقات الخطاب زمن الكتابة تحطّ بمتلقيها عند ارتحال الكلام االى معان معيّنة ,وقول الشاعرة “كما لو تنتظر أحدا من قبل “يُحيلُنا إلى العمق المستتر من ظاهر الحروف إلى جليّ معان مكثّفة ….
كحال الذي ينتظر غيره…..وتجاهل مقصود لهذا الحال…وهي بداية لرصد أزمنة الإنتظار …
ولا تقل للرياح …ليتها تحمل بين راحتيها روحها
وصورة شعريّة مشحونة يكتنفها المجاز في
لا تقل للرياح……)
وهو مايصرف اللفظ الى عمق المعنى والصورة …..فتأخذ الرياح هنا معنى رمزيا ايجابيا تتشكّل في رحابها المعنى ..فقد حفل معجمها في موروثنا بالصور…كقولنا هبّت رياح الشّوق…ساقت الرّياح عطر الحبيبة “…والريح حمّالة لأنفاس العشاق والأحبّة …والقصد يعلن نفسه شفّافا في لاحق القول(ليتها تحمل روحها بين راحتيها)
ولا غروّ في استعمال ليت للتّمني ..فهو حرف يفيد استحالة الأمنية غالبا..
وتتواصل المقاطع متلاحقة مشدودة الى الشّجن والتوتّر
كانت الطريق إلى الجبل
رحلة إلى رأس الدرب
ومنتهاه
زاده الشوق واللقاء
فتغدو بعض المفردات التي استعملتها الشاعرة من الطبيعة “الجبل…الدّرب…النهر…وسائط ووشائج تتجاوز المفهوم الأنطولوجي أو البيولوجي إلى علائق متناهية في رحلة قد تكون مضنية من( الجبل …إلى رأس الدّرب ومنتهاه …فالمحمول الرمزي وقع توظيفه باقتدار تكتمل به صعوبة تحقيق انتظاراتنا …ولازاد غير شوق للقاء منتظر)…
وتتنامى احترافية الشاعرة في المقاطع اللاحقة فتشتغل على مدركات وجدانية نقف على عتباتها في قولها(
الخلاء في الغياب مراث مزدحمة بالنبل والكبرياء…سباق المسافات الطّويل..وأنفاس يقطعها حدّ المشرط
وشم على خد العشاء الأخير)
فندين الإنتظار وعذاباته ومسافاته وأزمنته وما طبع ذاكرته…وووصفه بالوشم الذي لا يزول …
وتنسج شاعرتنا المشهد بدفع بؤره الى أجواء صوفية وعوالم نورانية مشبوبة بقداستها “يصلي.يسبّح…يتجلّى.(فأسطورة الصليب المسجّى وطقوس الصلوات المقامة على جسد يسوع والتسابيح والتجليات….)وهي في كلّ هذا تحيلنا الى عوالمها الداخلية المتشابكة الملتحمة بموروثها الثقافي الزّاخر…وهي بصمة لشاعرتنا رشيدة المراسي نقف عليها في أغلب قصائدها فهي توظّف الرّموز الأسطورية لتصل بها الى ابداع يجسم تجربتها الشّعرية الخاصّة ويمنحها أبعادا حافلة بشتّى الدّلالات
كما نلاحظ في المقطع الأخير من القصيد أوج توتّر تصبح بمقتضاه الأمر نهيا
لا تنتظرني”
لا تنتظرني
كما لو أنك لم تنتظرأحدا
من بعد
فنقف بين دلالتين مختلفتين
بين انتظار واللا انتظار
بين من تعود أن ينتظر من قبل وبين من لم ينتظرأحدا من بعد…في جرّ مرير الى نهايات لا مناص منها)
فالعملية هنا صهر واذابة وتحويل وجهة والمعاني كلها تصبّ في بوتقة نفس مبدعة تدهش و تفاجئ..
ويجيء التبرير ل”لا تنتظرني”مدويّا معلنا لقاءات مزدحمة بالموت….وآلام معبّدة تسير كمجرى نهرأفقه بعيد …لا ينقطع… لا يتوقف …لا يتبدّد
فالمشهد نتاج لما قام عليه احساس شاعرتنا وانفعالاتها واندماج ذاتها بواقع أغنته بالدلالات والأساليب البلاغية المتقنة المترفة …
ثم تنهي نصها بما يومئ علنََا الى ما ينتابُها من خيبة مريرة من انتظار لم يأت بجديد …لتُوغلُ بنا في فراغ يقرع أجراسه …آخر ليل
لتعلن …
لتعلن ساعته عن موعد مرور عام جديد
على الإنتظار..
تنتهي شاعرتنا بهذاه القفلة دافعة المتلقي الى مواجهة ينعدم فيها تحقيق انتظارات وما خبّأت …
فالإنتظاراحتمالات عمّقت معناه شاعرتنا في في إيهام لإعادة توظيب عالمنا وقضايانا وتنضيدها…
وسنظلّ ننتظر وتعلو صرخاتنا وأمنياتنا …
ولن تكون أزمنة الإنتظار غير أزمنة مفلسة تضاف الى أجندةأعوام انتظاراتنا السابقة ..
أخيرا وليس آخرا أجزم أنّ نصوص الشاعرة رشيدة المراسي هي فيض لشعور وجداني له خصوصيات تتجه بنا الى عمق الأجواء الصوفية كمنحى لكتاباتها …قائمة على القصدية بوعي مرهف شفّاف ثريّ بدلالاته وايحاءته
وإن كنت لا أدعي المنهج الأكاديمي العلمي في قراءاتي لبعض أعمالها فكم أتمنى أن يسعفني وقتي وصحتي المتهالكة في افراد كتاباتها بتحليل من زاوية قارئة تؤمن أنّ الإبداع هو نصّ وقارئ…وأنّ القراءة هي فعل ابداعي ننتزعه من تداعيات النّص فينا …
لصديقتي الشّاعرة رشيدة المراسي كل التّوفيق وهي التي تستأثر كتاباتها الشّعرية بالنّشر في أعتى وأقوى المجلات الثقافية العربية ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*