المحدوديّة المنقذة..! بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

لِنَنْطَلِق من مسلّمة أن الإنسان في أيّ مكان من العالم يعيش داخل إطار طبيعيّ أو اجتماعيّ يُحقّق ضمنه كلّ ما يحتاجه من ضرورات الحياة وغيرها وهو في العادة يقف من هذا الوجود الموقف الطّبيعيّ المشترك عند جميع النّاس، أي أنّه يتفاعل مع محيطه ويتعامل معه بما يتوفّر له من وسائل معرفة طبيعيّة ونقصد بهذه الوسائل ” الحواس”، وبالفعل تُعتبر الحواس الخمس للإنسان الوسيط المعرفي المباشر بينه وبين موضوع المعرفة المتنوّع بتنوّع ظواهر الطّبيعة ومظاهر الوجود المكثّف، ولا يَخْفى أن حواسّنا تُنْقِل لنا كمُّا هائلا من المعطيات الحسيّة التي حسب فلاسفة الموقف الطّبيعيّ من المعرفة وكذلك الفلاسفة الحسّيين وأصحاب الاتّجاه التّجريبي “الامبيريقي” تُشكّل المادة الأولى والأصليّة لكلّ بناء معرفيٍّ. فكيف تَحْدث المعرفة حسب رأيهم؟

دون النّظر إلى الاختلافات الموجودة عند هؤلاء جميعا فهم يتّفقون على أن المعرفة تتشكّل ضمن علاقة ذات عارفة بموضوع معروف أو قابل للمعرفة وإن الذّات العارفة هي الإنسان وموضوع المعرفة هو العالم الخارجيّ وتحصل المعرفة بينهما بما تُقدّمه حواسُّنا الخمس من معطيات حسيّة كالألوان والأشكال والأحجام والرّوائح تكون متناثرة ومختلفة ومتشابكة… تمرّ عبر الذّهن الّذي يقوم بدوره بتركيبها وتنظيمها فيُكوّن منها انطباعات أو أفكار يُخَزّنها في الذّاكرة بعد أن ينزع عنها المؤثّرات الخارجيّة. إنّ هذا الموقف الطّبيعي من المعرفة شبيه جدّا بالموقف العامّيّ المشترك عند معظم النّاس، وإن كان عامّة النّاس لا يملكون نظريّة في المعرفة فإنّهم يكتسبون عن طريق تجاربهم الحسيّة محصولا معرفيّا يُدركون به الأشياء ويسمح لهم بالتّمييز بين الكائنات المختلفة في الطّبيعة والشّكل واللّون والحجم ويَقْدِرُون أيضا على الحكم عليها انطلاقا ممَّا لديهم من معطيات حسيّة تمكّنت الحواسّ المختلفة من تجميعها. وإنّ هذا الحسّ المشترك عند عامّة النّاس ما يزال طاغيًا على عقليّة الجماعة رغم ما تعرضّت إليه المعارف الحسيّة من انتقادات لاذعة من الفلاسفة العقلانيين الّذين شكَّكوا في مدى مصداقيّة هذه المعارف وبيّنوا مدى ابتعادها عن الحقيقة ومدى زيفها ثمّ بعد ذلك ومع الثّورة العلميّة الحديثة التي وإن أبقت على الملاحظة الحسيّة كمرحلة أولى من مراحل المناهج العلميّة فإنَّها كشفت محدوديّتها وضُعفها في إثبات حقيقة الوقائع ومصداقيّتها خاصّة حين أدركت أن ما تُخفيه عنّا الطّبيعة أكثر ممّا تُبِينُه. لكن رغم ما حَصُلَ من تطوّرٍ هائلٍ في المجال المعرفيّ العلميّ ورغم ما حقّقته العلوم على اختلاف اختصاصاتها وتنوّع مجالات بحثها سواء تعلّقت هذه المجالات بالماكروكوزم أو الميكروكوزم أي باللاّمتناهي في الكبر أو اللاّمتناهي في الصّغر، فإنّ الإنسان العادي بقي محافظا على زاده المعرفي الحسّي، له ثقة تامّة بما تُقدّمه له الحواس من معطيات مباشرة اعْتَقَدَ في وجودها الخارجيّ غير مُكترث لا من بعيد ولا من قريب بالبحث العلميّ الذي يقوم على مبدأ “لا علم إلاّ بما هو خفيّ” حسب غاستون باشلار فهو يعتقد أنّه يعيش داخل عالم من الموجودات المحسوسة أي القابلة للرُّؤية واللّمس والشمّ إلخ ولا يشّك إطلاقا في وجودها طالما أنّها حاضرة أمامه…! فهو إذن موجود داخل مجال حسّيٍّ بامتياز، منه يوفّر حاجاته ويَقْضِي شؤونه ويحقّق إن بعلم أو بغير علم توازنه الطّبيعيّ. ولا يخفى أنّ حاسَتَيْ الرُّؤية والسّمع هما الحاسّتان الجوهريّتان لتحقيق هذا التَّوازن.
لكن لو افترضنا جدلا أنّ هذين الحاسّتين لا محدوديّة لهما أي لو افترضنا أنّ للعين القدرة على رُؤْية كلّ ما لا يُرى من ملايين الكائنات الموجودة في الطّبيعة ولو كان للأذن القُدْرة على سماع كلّ الأصوات التي تَحْدُثُ في الطّبيعة ومن حولنا ولو كان للجسد الإنسانيّ قُدُرات تفوق مُستطاعَه فما عسى أن يكون مصير الإنسان؟
كلّنا يعرف أن العلوم قدّمت لنا معرفة ببعض هذه الكائنات الخفيّة على العين المجرّدة وببعض الأصوات غير المسموعة بالأذن المجرّدة وذلك نتيجة ما حقّقته التَّقنيات المختلفة من تطوُّر في أجهزة البحث، ولولا هذه البحوث والاجتهادات العلميّة لما كنّا نعرف وجودها لكنّ ما نطرحه في هذا المقال لا يتنكّر لما حقّقته الاكتشافات العلميّة وما قدّمته للإنسانيّة من نجاحات وإنجازات ممتازة، بل نحن نريد أن نُبقي المسألة منحصرة في حدود علاقة الإنسان العادي بهذه العوالم ونعتمد في ذلك على أمثلة بسيطة ويوميّة، فلو أخذنا مثلا إنسانا شديد العطش تناول كأسا من الماء ومكنته العين من رؤية ما يحتوي عليه الماء من كمّ هائل من الجراثيم والبكتيريّات تتراقص وسط الكأس ألا يزْوَرُّ عنه كارها للماء؟! وواضح أن عدم رؤية هذه الكائنات الحيّة بالعين المجرّدة يوفّر شرطَ إمكانيّة التّمتّع بالحياة دون التّقزّز أو النّفور منها… وقس على ذلك أيضا الهواء وما يحتويه من دقائق الغبار ومن جراثيم وفيروسات وكائنات أخرى كثيرة جدا تتحرّك من حولنا لكنّنا لا نراها فتصوّر لو كنّا نرى هذا الكم الهائل من الكائنات الحيّة ونُحسّ بارتطامها بأجسادنا ونشعر بتسابق دخولها عبر التّنفّس داخل الرِّئتين هل كنّا نقدر على العيش ولو لحظة واحدة وسط هذا العالم الخارجيّ؟ والأمثلة كثيرة على مزايا محدوديّة الرّؤية؟
ثم لنتصوّر لو كنّا نقدر على سماع الأصوات البعيدة جدّا كأصوات حركات الكواكب والأفلاك وأصوات دبّة النّملة وجميع أصوات الحشرات التي تكون أصواتها منخفضة التردّد أو “موجات ما تحت صوتيّةInfrasons” يكون تردّدها أقل من الحدّ الطبيعي للأذن البشريّة وهو 20هرتز أو دورة في الثّانية كما لا تقدر الأذن على سماع الأصوات التي تزيد موجاتها على 20 كيلو هرتز أي 20 ألف هرتز كالموجات الفوق صوتيّةUltrasons. لا يمكن إطلاقا تحمّل هذه الأصوات التي تَقِلُّ عن الحدّ الأدنى أو الحدّ الأقصى للأذن البشريّة، فهذه الإمكانية الافتراضيّة في لامحدوديّة السّمع توفّر الشّروط الضّروريّة لتوازن الإنسان داخل عالم الأصوات المتنوّعة والمختلفة التردّدات.
كما أنَّه من النّاحية البيولوجيّة تكون حياتنا معتدلة نسبيّا وطبيعيّة حين لا نشعر ولا نسمع أصوات التّفاعلات والحركات الجسميّة الدّاخليّة التي تنشط دائما وفي كلّ لحظة مثل صوت دقّات القلب وحركة الدّورة الدّمويّة الدّائمة وجميع حركات الأعضاء الحيويّة الباطنيّة… ولا يفوتنا المجال النَّفسي لدى الإنسان حيث تسكن الكُتل من المشاعر والرُّؤى والآراء والأحكام التي نمتنع عن البَّوْح بها للآخر وهو أمامنا فتصوّر لو كانت لنا القدرة على سماع هذا الكلام الباطني الذي تُحافظ المقاومة اللاّواعية على إخفائه، لو كنَّا ندركه لما تمكنّا من بناء علاقات اجتماعيّة ونفسيّة عاديّة بين البشر ولَتَحَوَّلَتْ الحياة إلى صراع دائم وتناحر لا يُطاق وكراهيّة مُمِيتة!
أليس في هذه المحدوديّة لحواسِّنا ولقدراتنا الجسديّة حكمة لولاها لما تمكّن الإنسان من العيش المتوازن داخل العالم المرئيّ واللاّمرئيّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*