قراءة بعنوان: المجازُ، والإيجازُ والمخاتلةُ في قصيدة سبحان من نظمَكْ…! للدكتور وليد جاسم الزبيدي Waleed Jassim Alzubaidy بقلم الكاتبة سهيلة بن حسين حرم حماد من تونس.

القصيدة في بحر البسيط :
سبحانَ مَنْ نَظَمَكْ..!
وليد جاسم الزبيدي / العراق
ما همّني سقمي بل خلتُهُ سقمكْ..
لو زلّ بي قدمي أمشي بها قدمَكْ..
ما كلُ نائحةٍ قصّتْ جدائلها
هل كان من دمها يجري وليس دمكْ..
وافيتني قدرا يلهو بأنجمنا
غيّبتني وطراً خيّرتني عدمَكْ..
صيّرتَ قافيةً مرسى لغربتنا
والبحرُ صومعةٌ أوهمتَ منْ رسمَكْ..
للحبّ أزمنةٌ غنّتْ على وترٍ
ذوّبْتَها قُبَلاً كي تستحيلَ فمَكْ..
كوّنتَ من مهجٍ أحلامَنا طَلَلاً
أوقفتَ ذاكرةً والدمعُ قد وسمَكْ..
يكفيني ما ملكتْ روحي وما نظمتْ
حبّاً لطلعتكم سبحانَ منْ نظمَكْ..

===========
العتبات:
العنوان: سبحانَ مَنْ نَظَمَكْ..!
العنوانُ جاءَ في صيغةٍ انفعاليةٍ، تُقرُّ بعظمةِ النّاظمِ، لأجزاءِ الكافِ، لآخَرٍ قد تكونُ أنثَى مخاطَبةً، مستتِرةً، لا نعلمُ إن كانتْ وطنًا، أو ذاتًا أو شيئًا مشخصَنًا، المهمُّ أنّ الكافَ، آيةٌ من آياتِ الجمالِ المُذهلِ، والخارقِ، لهُ وجودٌ فيزيائِيٌّ، ليس وهمًا، ولا خيالًا ولَا حُلمًا، يبدُو أنّ له وجودٌ وكيانٌ في الوجدِ والوِجدانِ وقد تكون توأمَ روحٍ.
الاستهلالُ:
“ما همّنِي سقَمِي بل خلتُهُ سقمكْ..
لو زلّ بي قدمي أمشي بها قدمَكْ.”.
الاستهلالُ، جاءَ في لغةٍ شاعريّةٍ شِعريّةٍ، حاملةٍ لرموزٍ، ولدلالاتٍ مجاورةٍ للّغةِ الصّوفيّةِ، من حيثُ التّداخلُ، كقولهِ “سقمِي خلتُه سقمَك” وأيضًا من خلالِ “قدمِي أمشي بهَا قدمَك”
وهذا اللّبسُ، يُعتبرُ من إحدَى الخصائصِ، التي يقومُ عليهَا الرّمزُ الصّوفِي، من خلالِ المراوغةِ بين الحَجْبِ تارةً والكشفِ تارةً أخرَى، والتّلاعبِ بالمفرداتِ، واستعمالِ التّراكِيبِ المكنيّةِ لرسمِ الصُّورِ ليتَشكّلَ الرّمزُ من خلالِ الدِّلالةِ.
القفلةُ:
“يكفيني ما ملكتْ روحِي وما نظمتْ
حبّاً لطلعتِكُم سبحانَ منْ نظمَكْ..”
يعودُ الشّاعرُ إلى التَّسبيحِ ثانيةً، في قولهِ سبحانَ من نظمَكَ… ليتشابكَ ويلتقي مع العُنوانِ، لتكتملَ الحلقةُ لتتشكَّلَ في ذهنِ المتلقِّي دائرةً كأنّهَا (الدّورانُ للدّراويشِ)، في وقفةِ تأمّلٍ، تدفعهُم للطّيرانِ، عبرَ الدّورانِ حولَ أنفسِهِم للترفُّعِ عن العالمِ الحسِّي، والارتقاءِ إلى العالمِ العُلوِي، حيثُ الحقيقةُ والمعرفةُ والنورُ والضياءَُ والوميضُ ، يدورُ كما يدورُ الدّراويشُ، في رقصةِ بشارةٍ نورانيّةٍ، حولهَا وحولَ ذاتهِ للإندماجِ بهَا روحيًا، للفوزِ بما استطاعَ أن يقتنِصَه في غفلةٍ من الزّمنِ، بعيدًا عن الرائينَ من دونِ أن يتفطّنَ إليهِ أحدٌ، خوفًا عليهَا من الدّنسِ والقيلِ والقالِ، لينعَمَ براحةٍ سرمديّةٍ، تكفيهِ بالقليلِ، الذي استطاعَ رصدِهُ، و تجميعِهُ، وإعادةَ تشكيلهِ، وتدويرِهِ، عبر النّظمِ والرّسمِ بريشةِ الحرفِ ليتغذّى بهِ في عِفّةٍ، ليترفّعَ ليرفعهَا ويُرفِّعَها لتفرُّدِها، عنِ الدّنسِ ويسمُو بهَا وبنفسِه، عن عالَمِ الوحَلِ والعَلقِ، ليبوِّئَهَا، ويُتوِّجَها قدّيسةَ قصائدهِ، في عالمِهِ التّخييلي، لتكونَ عزاءهُ الجميلَ وسَلواهُ في وِحدته ، ومُلهِمةً ملهبةً،لأشعارِه، وإن لم يمتلكْها كما اقتضى العُرفُ والشّرعُ ،حتى لا يلوِّثها بيدهِ وبحرفهِ، فتنطفِئُ وينطفئُ، متحدّيًا الغِوايَة، كما تحدّى جبران خليل جبران “الغوايةَ بعد استكمالِ نُضجِهِ” ص318 في “النّزعة الرّوحيّة في أدبِ جبرانَ ونُعيمة”للدكتورةِ ريموند قبعين دار الفكر اللّبناني.
من خلال البيتِ الآتِي
“ما كلُّ نائحةٍ قصّتْ جدائلهَا
هل كان من دمِها يجري وليس دمكْ..”
.رصدنَا التّخفِّي، والتّستُّرَ، وعدَمِ التّصريحِ بإسمها أو ببعضٍ منهُ ، أوالتّعريفِ بها، حِرصًا منه أن تكونَ القصيدةُ، قصيدةً كونيّةً، من ناحيةٍ، وربما التزامًا بالغموضِ الصّوفِي، وهكذا نكون قد أتينا على الخاصّيّةِ الثّانيّةِ للشّعرِ الصّوفِي وهي خاصّيةُ الغموضِ .
أمّا عن” لغزِ الحرفِ” الذي اشتهرَ بهِ شُعراءُ الصُّوفيّةِ كابن الفارضِ المتغزّلِ ب(الصّقر ) الذِّي وردَ ذِكرُهُ في الفصلِ الثّالثِ بعنوانِ “القراءةُ الجماليّةُ ” ص 146 “الشّعرُ الصُّوفِي في ضوءِ القراءاتِ النّقديّةِ الحديثةِ الصّادرِ عن جامعةِ وهرانَ ” للدكتور بولعشتار مرسلي :
“ما إسم طير إذًا انطلقت بحرف
منه مبدأه كان ماضي فعله
وإذا ما قلبته فهو فعلي طربا إن أخذت لغزي بحلة “.
لغزٌ ليسَ من السّهلِ التّوصّلُ لحلّهِ، إلّا لمنْ تبحَّرَ في اللّغةِ الصّوفيةِ، وأيضًا قدْ يلزمُه كثيرٌ من الذّكاءِ والفِطنةِ. كذلكَ هنَا نرى الشّاعرَ الدكتور وليد الزبيدي، قد استبدلَ الحرفَ بقافيةٍ، وممّا زادَ في غموضِ البيتِ، تقنيةُ الحذفِ، التي استعملهٌا كذلك الإيهامُ في لفظِ الفعلِ “أوهمتَ” كمَا استبدَلَ الحرفَ (قافيةٍ) :
“صيّرتَ قافيةً مرسى لغربتنا
والبحرُ صومعةٌ أوهمتَ منْ رسمَكْ..”
كما نلاحظُ، اجتمعَ البحرُ والصّومعةُ والوهمُ الذي يحيلُنَا على التّخييلِ.
انبنَى نصُّ الخاطرةِ على المجازِ، والإيجازِ والمخاتلةِ، والمراوغةِ، بين التّصريحِ، قصد عدمِ التّجريحِ، محدثًا إيقاعًا منسجمًا، متناغمًا، مع المعنَى الدَّاخلي والخارجِي، بين المُضمَرِ والمُحبَّرِ، والمُصرّحِ به ، يقارعُ بسيفِ الحرفِ، مع وجدانهِ ومشاعرِهِ. تتقاذفهُ أمواجُ الرَّغبةِ في المحافظةِ، عليهَا وإبقائهَا بَتُولَ قصائدهِ، وسطَ تنضيدٍ لغويٍ صوفيٍ بامتيازٍ، تَضمّنَ جدلأ وجدالا وسطَ جدليةٍ من الأفعالِ والتفاعلِ والألغازِ والتّلميحاتِ في مدٍّ وجزرٍ بين المعنَى والمعنَى، والمعنَى والمبنَى، والمعنَى والصّورِ المتجاورةِ، والمتضاربةِ، بين الصّخبِ والتأمّلِ والتّلميحِ والتّراجعِ عن ذلكَ وبينَ التّمادِي في المُكابرةِ والتّعالِي، مُثبتًا نُضجَه وحكمتَهُ، وتعاليهِ، ببراعِ التّعبيرِ، والإيجازِ ، والمخاتلةِ، الزئبقية، والمراوغة، عبر اللّغة للبرهنةِ بأنّ للحرفِ لذّةٌ، و للقافيةِ مُتعةٌ في المُراوغةِ، تَرفَعُ من فِتنةِ إيقاعِ النّصِّ الشّعرِي، وتسمُو بشاعريّتِه وتزيدُهُ رونقًا دلالًا وخيلاءَ” .
أمّا الأبياتِ التّاليةِ، فهيَ عالمٌ من الصّورِ، وموزاييكٍ متضاربٍ من المشاعرِ الواقعةِ بين ضفتيْ الذّكرى والتّذكّر، ورفضِ واقعٍ، واستبدَالهُ بآخَرٍ، في ذهنِه بين العِلمِ والحُلْمِ والظنِّ والوهمِ، سيلٌ من الدّمُوعِ وفيضٌ منَ المشاعرِ و الأحاسيسِ الملتهبةِ التي وأوقدَت (شيطانَ الشّعرِ) لديه -على رأي الأديبة التّونسية، حياة الرّايس، في روايتِها “بغداد وقد انتصف اللّيل فيها” – في فصلِ شياطينُ أيّامِ الجامعةِ ” نحن شعراءُ…..ننتظرُ شيطانَ شِعرنَا “-
فأنتج أبياتًا في عالمٍ من الصّورِ والمشاهدِ المتحرّكةِ حيث جابَ بنَا أزمنةً تَحدَّتْ الواقعَ، أوقفَتْ الظِلَّ والدّمعَ، فاستحالَ لؤلؤا، جمّدَه في مخيّلتِه وأشعارِهِ، يكفيهِ ما دامَ حيًّا، لتُلهب أشعارَهُ، بمشاعرٍ وقّادةٍ. بذكرهِ في “طلعتكم” يفاجئُنا المتكلِّمُ بإقحامِ ضميرِ المخاطَبِ الجمعِ، في القفلةِ، هل هو تعظيمٌ وتفخيمٌ وتقديرٌ؟ أم و أنسنةٌ للأشياءِ، في ذاكرةٍ لها علاقةٌ بالهي الأنثى حبيبتِه؟ أم هي أمٌّ؟ وطنٌ بقيتْ ذكراهُ وغابتْ معالمُه؟ أم هو تسبيحٌ بملاكِ إنسانٍ ما، سكنَه و تملّكَه، فعظّمَهُ ورفّعَهُ؟ تكريمًا، ووفاءً لعشرتِهما … تنقصُنَا عينُ الشّاعرِ ومهجتهِ، لنَفيِ، أو لتاكيدِ ما ذهبنَا إليهِ ، بأيِّ شيءٍ فكّرَ قبلَ خطّهِ أبياتِهِ هاته…
على كلٍّ، فالشّاعرُ والأديبُ غيرُ مُلزمٍ بالكتابةِ عن نفسِه، وعن مشاعرِهِ، فهو مرآةُ الواقعِ، ناقلٌ لنبضِ الشّارعِ ومحيطهِ، فالكتابةُ هي حالةٌ عابرةٌ تكونُ عادةً ناتجةً، عن تفاعلاتٍ كيميائيّةٍ فيزيولوجيّةٍ فكريّةٍ، واختلاجاتٍ لمشاعرٍ ناجمةٍ عن خبرٍ، أو أخبارٍ، أو قراءاتٍ آنيةٍ، قدْ تُحرّكُ وِجدانَهُ، ومخزونَه الفكريَ، وزادَهُ اللّغويَ الذي يكونُ قد تخمّر َبالشّكلِ الذِي يكونُ صالحًا لانتاجِ مادَّةٍ شعريّةٍ، أو سرديّةٍ نثريَّةٍ مُسكرةٍ، منشيّةٍ للقارئ، على حسَبِ المتوفِرِ ،يكونُ عادَة من وحيِ الإيحاءِ من موقفٍ عابرٍ أو قصّةٍ عاشَها، أو عايشَهَا، أو تكون من نسجِ خيالهِ، طعَّمها بخبرتِه بريشةِ الحَرفِ، وجَمّلهَا ببلاغِ التَّصويرِ عند الوصفِ، وإبداعِ البديعِ والمجازِ، فيبثُّ فيهَا من روحهِ إلَى درجةٍ تكفِي لتصديقهِ، وهذا طبعًا مطلوبٌ في الأدبِ، في السّردِ كمَا في الشّعرِ، فأجملُ الشّعرِ هوَ ذاكَ المبالغُ فيهِ، من دونِ إفراطٍ ولا تفريطٍ، .وهنَا الشّاعرُ، ارتقَي بنَا إلَى عالَمَ البرزخِ، مُكتفِيًا بالعيشِ على أطلالِ أحلامٍ سابقةٍ، انفصلَ بهَا عنِ الحاضرِ، واختارَ الإخلاصَ لماضٍي أردَاه حاضرَهُ، باستحضارها لتخلِّد في عالمِه الذي أحدثَه في مخيلتِه، مُلغيًا عالَمَهُ وواقِعَهُ في حاضِرهِ، لغيابِ طلعتِها، وإطلالتِها في قادِمِ أيّامِهِ، مكتفيًا إكتِفاءَ صوفيٍّ بالتّوحّدِّ، في ذاتِ الهِيَ، بالرّغمِ منْ أنّهُ يظنُّ أنّها غيَّبتهُ من واقِعِها ليتوحّدَ بهَا كتوحّدِ الشّهيدِ الحَلّاجِ زعيمِ المتصوّفَةِ….
“وافيتني قدرا يلهو بأنجمنا
غيّبتني وطراً خيّرتني عدمَكْ..
للحبّ أزمنةٌ غنّتْ على وترٍ
ذوّبْتَها قُبَلاً كي تستحيلَ فمَكْ..
كوّنتَ من مهجٍ أحلامَنا طَلَلاً
أوقفتَ ذاكرةً والدّمعُ قد وسمك
سهيلة بن حسين حرم حماد
الزهراء تونس : 22/10/2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*