ماذا يعني ؟ بقلم الشاعر أكرم صالح الحسين من سورية.

ماذا يعني ؟
أن يموت الضوء ، وترحل الحياة مع جثة حملت هموم العالم ، تركض مسرعة نحو التراب ، بينما تحلق يمامة فوق النعش ، ويرقص سرب من الأوز في الفضاء الشاسع .
ماذا يعني ؟
ان ينهال التراب فوق الجسد الغض ، الذي غنى للحياة والحرية ، ورافق الفلاحات في مواسم القطاف ، وترنم بأغاني العمال ، غرد كعصفور صغير بصوته الشحيح فوق طرقات القرية ، أمسك يد طفلة صغيرة بضفائر ذهبية وعبر بها الشارع المكتظ بالسيارات والحكايا والوجوه المتعبة .
ماذا يعني ؟
أن يترك الوعل الجميل غابته ويسرع الخطى كأسطورة تمر عبر يومياته بسيطة وواضحة كطلقة مسدس بينما يراقب خراب دورته الدموية وهو يغني لحبيبته ويدعو القمر ليلتقط لهما صورة ؟
20/11/1982 لن انسى ذلك التاريخ ، كان نهارا خريفيا باهتا ، حزينا ومترعا بالدموع ، نظرت الى أمي التي كانت تجلس على كرسي خشبي واضعة كفيها فوق وجهها ، دون ان تنبث بكلمة واحدة ، كنت أراقب دموعها وهي تتسلل من بين أصابعها كنبع ماء مالح ، وكأنها تغتسل بحزن العالم كله
أبي بطوله الفارع ونظرته الحادة كان يتحرك بطريقة غريبة ، كطائر جريح يحاول النجاة من شبكة فولاذية لفت جسده ، كان يحبس دموعه بكل قسوة داخل عينيه الخضراوتين ، بينما تلوح في الأفق غيمة سوداء غيرت ملامح وجهه فرأيته كجبل ينهار بصمته امام رهبة الموت .
تساءلت يومها بكل طفولتي التي لم تبلغ الثالثة عشرة عاما : هل مات رياض ؟ هل رحل دون عودة ؟ من سيحضر لي الدفاتر والأقلام الملونة من سيضع يده في جيبي ويترك لي بضع ليرات وهو يبتسم قائلا إياك ان تشتري بها السجائر ويضحك ويضحك ؟
كنت اراقب الوجوه العائمة فوق بحر من الحزن دون أن أعرف ماالذي يمكنني أن أفعله وسط هذا الوجوم الذي يستوطن الوجوه من حولي .
أذكر يومها أنني بكيت بحرقة كبيرة دون ان اعرف لماذا ، كانت فكرة الموت بالنسبة لي مجردة من مضمونها وتساءلت يومها هل يمكن أن يموت الناس وهم مازالوا في هذا العمر ؟
في صباح اليوم التالي كانت عدة سيارات تسير مسرعة على الطريق من دمشق إلى حلب توقفنا في بيت عمي قليلا من الوقت ومن بعدها عادت السيارات لتنطلق بنا الى تلك القرية وسط اجواء لست اعرف كيف يمكنني أن أصفها ، سمح لي والدي بتقبيل وجه رياض قبل أن تحمله الأيدي لتودعه في تلك الحفرة وتهيل فوقه التراب .
كان كل شيء من حولي يبدو غريبا ، الوجوه ، والصلوات ، والناس التي اتت معنا من دمشق ، وجوه اهل القرية التي كانت تحمل في نظراتها أشياء غريبة لم اكن اعرف ماتعنيه .
ثلاثة ايام مرت ككابوس مقيت ومخيف، كنت أصرخ في داخلي ، أريد ان ننتهي ونعود إلى البيت فلم أعد أحتمل كل هذا القهر الذي يدق بفاسه رأسي وقلبي ولكن دون ان ينتبه الي احد .
هاقد عدنا الى المنزل اخيرا ، ومازالت تلك الغيمة السوداء تلف الجميع ، ومازالت رائحة غريبة تستوطن أنفاسي ، رائحة عطر ما تجوب المكان تستقر فوق كل الأشياء من حولي ،وكأنها امتزجت مع الهواء ، ومنذ تلك الأيام وأنا أسقط في جب عميق من الحزن كلما شممتها في مكان ما .
اربعين سنة مرت حتى الآن ومازالت ذكرى ذلك اليوم تطرق في رأسي ، مازالت ضحكة رياض وصوته يستوطنان في مخيلتي ، حفظت كلماته ودواوينه ، ومررت بأصابعي على كل الكتب التي تركها ، والهوامش التي تركها قلمه معلقة على بعض صفحات الكتب، حفظت أسماء أصدقاءه وصديقاته وحبيباته ، تواصلت مع الكثير منهم في السنوات السابقة وكنت استمع لأحاديثهم عنه وعن ايام قضوها معه ، حتى انني تحدثت الى اشخاص حضروا له أمسية أو سلموا عليه في يوم من الأيام ،راقبت الصفحات التي كتبت عنه والجرائد التي نشرت بعض ما كتب ، احببت الكثيرين ممن احبوه وبنيت معهم صداقات قوية لكي يبقى موجودا بشكل دائم في يومياتي ، رياض لم يكن فقط أخي كان حياة كاملة أعيشها مناصفة مع حياتي الطبيعية .
أذكر أول مرة كتبت فيها شيئا كان عمري وقتها حوالي العشر سنوات او اكثر قليلا ، انتظرت يوم الجمعة وهو موعد حضوره لزيارة بيت العائلة ، لكنه لم يأت يومها رغم انني افقت صباحا ولبست ملابس نظيفة وسرحت شعري وفي خاطري شيء واحد ، عندما يأتي سأمسك يده وادس فيها تلك الورقة وأقول له انا ايضا أكتب الشعر ،لكنه لم يأت وبقيت منتظرا حتى الجمعة القادمة ، سلمت عليه وهو يهديني دفترا للرسم وعلبة ألوان شمع فلاحظ أنني مرتبك ،احتضنني بكتا يديه وقال الم يعجبك الدفتر والالوان ، قلت له بلى وانا لدي هدية لك ، قال هاتها بسرعة فأنا احب الهدايا ايضا ، ناولته الورقة بخجل وراقبت اصابعه وهي تفتحها ، كنت أنتظر بطفولتي ما سيقوله لي بعد ان يقرأ ماكتبت ، بدا وجهه جادا وهو يقرأ كلماتي الطفولية ومالبث ان ربت على كتفي وهو يبتسم وقال لي : برافوو
عليك ان تكتب دائما ، ولكن لا تهمل دروسك ، وصار منذ ذلك الحين يخصني ببعض القصص ومجلة أسامة كلما اتى لزيارتنا .
وها انا الآن بعد أربعين عاما كاملة أقف في حضرة روحه أستذكر تلك التفاصيل وابكي مرددا كلماته ،
هاأنذا أجلس في هذا الوقت اراقب ما وصلت إليه دمشق أو الشام كما كان يحب ان يدعوها ، أدور في طرقاتها علني اجده في احد المقاهي او على مقعد حديقة ما يقرأ جريدته ويدخن سيجارة حمراء ، ربما وجدته يتناقش مع احد الاصدقاء أو مجموعة منهم أو يرقص على ايقاع اغنية لفهد بلان أو يدندن اغنية لفيروز علقت في رأسه منذ زمن بعيد .
يعود اليوم رياض صالح الحسين بكامل بهاءه ولطفه ليقف أمام وجهي حاملا بين يديه عدة كتب وجريدة يرمي السلام ويتابع طريقه وهو يبتسم ،تاركا لهذا العالم اربعة أبناء تتراقص في داخلها القصائد وهو يردد أغنية لن يملها الزمن ولن تمحوها السنين .

One Reply to “ماذا يعني ؟ بقلم الشاعر أكرم صالح الحسين من سورية.”

  1. قصة راىءعة جمعت بين الماضي باحلامه و الحاضر بشواىءبه و كذلك بين الطفولة و براءتها و الكهولة و مسؤولياتها
    سرد سلس و انسيابي مفعم بالصور و المشاعر
    ديباجة بليغة التعبير و حديثة الصور و المعاني مكنتني من جولة بدمشق التي زرتها يوما وستنشقت عطرها نساىءمها
    شكرا لك على ما اهديتنا من إبداعك الراقي
    شاعر الوجدان أكرم صالح الحسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*