سوسن بقلم الكاتبة نسرين محمد من السودان.

ﺗﺸﻴﺮ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ ﺍﻟﻲ ﺍﻟﺴﺎﺩﺳﺔ ﺻﺒﺎﺣﺎً، ﻛﺎﻧﺖ ﻗﻄﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﻄﺮ ﺗﻌﺰﻑ ﺃﺟﻤﻞ
ﺳﻴﻤﻔﻮﻧﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﺭﺽ القرية ، ﺭﻓﻌﺖ ﺳﻮﺳﻦ ﺭﺃﺳﻬﺎ ﻭﻫﻲ ﺗﻠﻌﻦ ﻓﻲ ﺳﺮّﻫﺎ ﺩﻳﻚ
ﺟﺪﺗﻬﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻜﻞّ، ﻭﻻ ﻳﻤﻞّ، ﻣﻌﻠﻨﺎً ﺷﺮﻭﻕ ﻳﻮﻡ ﺟﺪﻳﺪ، ﻳﺘﺒﻌﻪ ﺻﻮﺕ ﺣﻤﺎﺭ
ﺟﺪﻫﺎ ﺍﻟﻌﺠﻮﺯ .
ﺗﺠﻮﻟﺖ ﺑﻨﻈﺮﺍﺗﻬﺎ ﺩﺍﺧﻞ ﻗﻄﻴﺔ ﺟﺪﺗﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﻛﻦ الشمالي الشرقي منه ﻳﺸﻊ ﺿﻮﺀ ﻣﻨﻘﺪ
ﺟﺪﺗﻬﺎ، ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﺪ ﺍﻟﻘﻬﻮﻩ ﻟﺒﻌﻠﻬﺎ ﺍﻟﻌﺠﻮﺯ ﻗﺒﻞ ﻋﻮﺩﺗﻪ ﻣﻦ ﺻﻼﺓ ﺍﻟﻔﺠﺮ , ﻧﻬﻀﺖ
ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﺓ ﺑﻜﺴﻞ ﻣﻦ ﻓﺮﺍﺷﻬﺎ ﻭﻗﺎﻟﺖ :
_ ﻣﻦ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻟﻦ ﺃﻧﺎﻡ ﻣﻌﻚ ﻳﺎﺟﺪﺗﻲ !..
ﻗﺎﻟﺖ ﺍﻟﺠﺪﺓ ﺑﺈﺳﺘﻐﺮﺍﺏ :
_ ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻳﺎ ﻳﺎﺻﻐﻴﺮﺗﻲ ..؟ !
_ ﻣﺎﺫﻧﺒﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﻗﺘﺮﻓﺘﻪ ﻟﻜﻲ ﺍﺳﺘﻘﻴﻆ ﻣﺒﻜﺮﺍ ﻛﺎﻟﻌﺠﻮﺯ ﻭﺍﻟﺼﻐﺎﺭ ﻣﺎﺯﺍﻟﻮﺍ ﻧﻴﺎﻡ
ﺻﻴﺎﺡ ﺫﺍﻙ ﺍﻟﺪﻳﻚ ﺍﻟﻤﺸﺆﻭﻡ ﺍﻳﻘﻈﻨﻲ ﻣﻦ ﻧﻮﻣﺘﻲ .
ﺿَﺤِﻜَﺖْ ﺍﻟﺠﺪﺓ ﻋﻠﻰ ﺣﺪﻳﺚ ﺳﻮﺳﻦ، ﺿﺤﻜﺔ ﻋﻤّﺖ ﺑﺄﺭﻳﺠﻬﺎ ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﻘﻄﻴﺔ
ﻭﺩﺍﺧﻠﻬﺎ .
ﺗﺬﻣﺮﺕ ﺍﻛﺜﺮ ﺑﻌﺪ ﺿﺤﻜﺔ ﺟﺪﺗﻬﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺠﺪ ﻟﻬﺎ ﻣﺒﺮﺭﺍ، ﻃﻠﺒﺖ ﻣﻨﻬﺎ ﺍﻟﺠﺪﺓ
ﺑﺄﻥ ﺗﺘﻮﺿﺄ ﻭﺗﺼﻠﻲ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﺗﺤﻀﺮ ﻟﻬﺎ ﻛﻮﺏ ﺍﻟﺤﻠﻴﺐ ﻟﺘﺮﺿﻴﻬﺎ ، ﺗﺴﻠﺴﻠﺖ ﺍﻟﻲ
ﺍﻟﺨﺎﺭﺝ ﺩﻭﻥ ﻋﻠﻢ ﺟﺪﺗﻬﺎ ﻟﺘﺮﻯ ﺇﻥ ﺍﺳﺘﻴﻘﻈﺖ ﻭﺍﻟﺪﺗﻬﺎ ﻭﺍﺧﻮﺗﻬﺎ ﺍﻟﻼﺋﻲ
ﻳﺴﻜﻨﻮﻥ ﺑﺎﻟﻄﺮﻑ ﺍﻻﺧﺮ ﻣﻦ ﻓﻨﺎﺀ ﻣﻨﺰﻝ ﺟﺪﻫﺎ، ﻣﻨﺰﻟﻬﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﺛﻼﺙ
ﻗﻄﻴﺎﺕ ﻣﺒﻨﻴﺔ ﻣﻦ ﻋﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺪﺧﻦ ﻭﺍﻟﻘﺶ ، ﺩﺍﺋﻤﺎ ﻣﺎ ﻳﺸﺘﺮﻙ ﺷﺒﺎﺏ ﺍﻟﺤﻲ
ﺑﺎﻟﻨﻔﻴﺮ ﻹﻋﺪﺍﺩﻫﺎ ،ﻛﻞ ﺭﺟﻞ ﻓﻴﻬﻢ ﻳﻤﺘﻠﻚ ﺛﻼﺙ ﻗﻄﻴﺎﺕ ﺃﻭ ﺃﻛﺜﺮ ﺣﺴﺐ
ﺣﻮﺟﺘﻪ ..
ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻟﻢ ﺗﺸﺮﻕ ﺑﻌﺪ , ﺍﺣﻀﺮﺕ ﺍﻟﺠﺪﺓ ﺍﻟﺤﻠﻴﺐ ﻟﺤﻔﻴﺪﺗﻬﺎ ﺍﻟﻤﺪﻟﻠﺔ، ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﻟﻢ
ﺗﺠﺪ ﺃﺛﺮﺍً ﻟﻬﺎ ﻻ ﺑﺎﻟﻔﺮﺍﺵ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﻤﻲ ‏( ﺍﻟﻌﻨﻘﺮﻳﺐ ‏) ﻭﻻ ﺑﻐﻴﺮﻩ .
ﻫﺮﻭﻟﺖ ﺗﺒﺤﺚ ﻋﻨﻬﺎ ، ﻭﻗﺒﻞ ﻭﺻﻮﻟﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺳﻤﻌﺖ ﺻﻮﺕ ﺃﺣﺪﻫﻢ ﻳﺼﺮﺥ
ﺗﺴﺎﺭﻋﺖ ﺧﻄﺎﻫﺎ ﻟﺘﺮﻯ ﻣﺎ ﺍﻷﻣﺮ !!..
ﺳﻮﺳﻦ ﻣﻠﻘﺎﺓ ﻋﻠﻲ ﺍﻻﺭﺽ ..؟؟ ﺍﻣﺘﻸﺕ ﺑﺎﻟﻄﻴﻦ ﻛﺎﺩﺕ ﻣﻼﻣﺢ ﻭﺟﻬﻬﺎ ﺗﺨﺘﻔﻲ،
ﺃﻋﺎﺩﺗﻬﺎ ﺟﺪﺗﻬﺎ ﺇﻟﻲ ﺍﻟﻘﻄﻴﺔ ﺑﻌﺪ ﺍﻥ ﻏﺴﻠﺖ ﺟﺴﺪﻫﺎ ﻭﺍﺳﺘﺒﺪﻟﺖ ﺛﻴﺎﺑﻬﺎ ﻗﺎﻟﺖ
ﻟﺠﺪﺗﻬﺎ ﻭﺍﻟﺪﻣﻮﻉ ﺗﻤﻸ ﻣﻘﻠﺘﻴﻬﺎ :
_ ﻣﺘﻲ ﺳﻴﻨﺘﻬﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﺮﻳﻒ ﺳﺌﻤﺖ ﻣﻨﻪ .
_ تبقى ﺍﻟﻘﻠﻴﻞ ﻣﻨﻪ ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻤﺎﺫﺍ ..؟ ! ﺃﺟﺎبت
_ ﺍﺷﺘﻘﺖ ﺃﻥ ﺍلعب ﻣﻊ ﺻﺪﻳﻘﺎﺗﻲ ﺗﺤﺖ ﺿﻮﺀ ﺍﻟﻘﻤﺮ ﻭﺣﻀﻮﺭ ﺍﻟﺠﻮﺩﻳﺔ ﻣﻊ
ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺄﺗﻮﻥ ﻟﺠﺪﻱ .
_ ﻧﺴﻴﺖ ﻣﺎﻗﺎﻟﻪ ﻭﺍﻟﺪﻙ ﻗﺒﻞ ﺳﻔﺮﻩ ..؟؟
_ ﻟﻢ ﺃﻧﺲَ ﻣﺎ ﻗﺎﻟﻪ .
_ ﺇﺫﻥ ﻟﻤﺎ ﺗﺼﺮﻳﻦ ﻋﻠﻲ ﺣﻀﻮﺭ ﻣﺠﻠﺲ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ !!
ﻷﻧﻪ ﻻ ﻓﺮﻕ ﻋﻨﺪﻱ ﺇﻥ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻧﺴﺎﺀ ﺍﻭ ﺭﺟﺎﻝ . ﺍﻟﺠﺪﺓ ﺗﺪﺭﻙ ﺟﻴﺪﺍ ﺃﻥ ﺳﻮﺳﻦ ﻟﻦ ﺗﻨﻬﻲ ﺍﻟﺠﺪﺍﻝ ﺑﺨﻴﺮ .. ﻗﺎﻟﺖ ﻟﻬﺎ : ﺳﺘﻜﻮﻧﻴﻦ ﻳﻮﻣﺎ ﻣﺎ ﺇﻣﺮﺃﺓ ﻗﻮﻳﺔ ﻛﺎﻟﺮﺟﺎﻝ
ﺃﺟﺎﺑﺘﻬﺎ ﻭﺻﻮﺗﻬﺎ ﺗﻤﻠﺆﻩ ﺍﻷﻣﻨﻴﺎﺕ
_ ﺃﺗﻤﻨﻰ ﻫﺬﺍ ﻳﺎ ﺟﺪﺗﻲ .
ﺍﻟﻌﺠﻮﺯ تعني ما قالته لصغيرتها لأنها ﺗﺘﻘﻦ ﺍﻟﺘﻨﺒﺆ ﺑﺎﻷﺣﺪﺍﺙ ﺍﻟﻘﺎﺩﻣﺔ كما يقولون أهل البلد ..ﺭﺑﻤﺎ ﻟﻮ ﺳﻨﺤﺖ ﻟﻬﺎ ﺍﻟﻔﺮﺻﻪ ﻟﻜﺎﻧﺖ
ﺍﻛﺜﺮ ﺗﺒﻮﺀﺍً ﺑﺎﻷﺑﺮﺍﺝ ﻣﻦ‏( ﻣﺎﻏﻲ ﻓﺮﺡ ‏) .
ﻋﺎﺩ ﺍﻟﺠﺪ ﻭكأﻧﻪ ﻋﺎﺋﺪ ﻣﻦ ﻣﻌﺮﻛﺔ
ﺩﺍﻣﺖ ﻷﻳﺎﻡ ، ﺟﺴﺪﻩ ﻣﻨﻬﻚ، ﻻ ﺗﺤﻤﻠﻪ ﻗﺪﻣﻴﻪ ﻣﻦ ﺍﺛﺮ ﺍﻟﺒﺮﺩ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﺐ ﺑﻌﺪ
ﺳﻘﻮﻁ ﺍﻟﻤﻄﺮ ,
ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺍﻷﻣﺮ ﺟﺪﻳﺪ ﻋﻨﺪﻫﻢ ﻷﻧﻪ ﺍﻋﺘﺎﺩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻭﻟﻦ ﻳﺘﺮﻛﻬﺎ ﻛﻤﺎ
ﻳﻘﻮﻝ ﭐﻻ باﻟﻤﻮﺕ .
ﺯﻭﺟﺘﻪ ﺩﺍﺋﻤﺎً ﺗﻘﻮﻝ ﻟﻪ : ‏( ﺍﻧﻚ ﺳﺘﻤﻮﺕ ﻳﻮﻣﺎ ﻣﺎ ﺩﺍﺧﻠﻪ ‏) تعني المسجد .
ﻛﺎﻥ ﻳﺨﺸﻲ ﻣﺎ ﺗﻘﻮﻟﻪ ﻷﻧﻪ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﺎ ﻳﺤﺪﺙ ﻣﺎ ﺗﺘﻨﺒﺄ ﺑﻪ ، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﺭﻏﻢ ﺫﻟﻚ ﻟﻢ
ﻳُﻌِﺮ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﺎﻻً ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ ﻳﺴﺘﺤﻖ .
ﺍﺣﺘﺴﻲ ﺍﻟﻘﻬﻮﺓ ﻭﺳﻮﺳﻦ ﺗﻨﺘﻈﺮ ﻗﺼﺔ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺑﺸﻐﻒ ﻋﻠﻲ ﻣﺎﺫﺍ ﺗﺤﺘﻮﻱ ﺟﻌﺒﺔ
ﺟﺪﻫﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺼﺺ ﺍﻟﺸﻴّﻘﺔ، ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻘﺼّﻬﺎ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﺑﺘﺪﺍﺀً ﺑﺪﺧﻮﻝ ﻗﺒﻴﻠﺘﻬﻢ
ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﻭﻣﺸﺎﺭﻛﺘﻬﻢ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﻬﺪﻱ ﺇﺑﺎﻥ ﺛﻮﺭﺗﻪ ﻭﺑﻌﺾ ﺣﻜﺎﻭﻱ ﺭﺣﻠﺔ ﺃﺳﻼﻓﻬﻢ
ﻋﺒﺮ ﻗﺎﺭﺓ ﺍﻓﺮﻳﻘﻴﺎ ..
إنتهت الحكايات بين الجد وسوسن, بإنتهاء فصل الخريف وبداية شرارة الموت التي إنطلقت
أثناء صلاة الفجر تحققت تكهنات العجوز
مات الجد في فناء المسجد , أصبحت القرية لا تصلح للعيش
غادروها مرغمين, تمنت سوسن لو أن الخريف لم ينتهِ وظل الجد بينهم ..

نسرين محمد

One Reply to “سوسن بقلم الكاتبة نسرين محمد من السودان.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*