بيت والدي .. قصة قصيرة بقلم الكاتبة راضية الهلالي من تونس

أزحت غطاء الدفء عن جسدي الصغير في ساعة مبكرة من بداية يوم جديد . شعرت بالحنين إلى فراشي لكن وجب عليّ النهوض.
وقد كان الرداء الأسود يكسو الفضاء مع لؤلؤات بدأت تتلاشى في سماء الليل ليبزغ ضوء النهار.
امتطيت سيارتي وسرت في بطء. نظرت خلفي أودّع المكان بعينين يكتسيهما النعاس . إنه منزل والدي الذي أودّعه لآخر مرة في حياتي وأنا أعلم أنها آخر مرة أزوره فيها .
وشعرت بأني أترك شيئا من ذاتي هناك ولن أسترده.
استدرت وانطلقت في السير نحو مدينة “سوسة” حيث مسكني وحياتي.
الشارع طويل ومظلم وخال سوى من بعض الهياكل السيارة التي تبعث قليلا من الضوء لتنير المكان .
كنت أسير إلى الأمام ولكن فكري يعود إلى الوراء ينجذب بخيط سميك إلى ذلك المنزل بأول الشارع هناك خلفي. ذلك المنزل الذي شهد مولدي وطفولتي ورسمت فيه أحلامي وأجمل أيام شبابي .
تمنيت العودة والاعتصام على عتبته احتجاجا على بيعه. لكن ها أنا أهجره كما تهجر الروح الجسد .
دست على مزود السرعة كمن يهرب من شبح يلاحقه . شبح الذكريات وأحلى سويعات الحياة .
ساعتان من السير على الطريق السريعة . لا أدري كيف طوتها عجلات سيارتي وكانت أشعة الشمس قد بدأت بالشروق لتضيء الطريق . ولكني لا أرى إلا الظلمة التي ما زالت تكتسح داخلي.
وانشق صدري عن شوق من نار … عن مشاعر غزيرة كأنها تتدفق من بئر معلقة في السماء .
دخلت مكتبي وكانت قطرات الدمع الساخنة تتدحرج لتفتت صقيع الفجر على وجنتيّ.
أسرعت بالجلوس وأخذت قلمي لأخط بأدمعي قليلا مما مضى وأضيف إليه الحاضر وشيئا من المستقبل وأفرغ على الورق شيئا في خيالي قد سكن.

التاريخ : يوم مصادرة ممتلكات روحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*