إشكالية السّعادة في مجتمعات ما بعد الثّورة..! بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

يبدو أنّ الفرق شاسع جدّا بين ما نعيشه وما نصبو إليه ولعلّ أشدّ عُسر يتراءى لإنسان هذا العصر ويُقِضُّ له مضجعا أنّه غير راض على وضعه الرّاهن ولا مرتاح في محيطه ومعيشه ممّا ولّد له ألوانا من الشّقاء وحالات من التّعاسة تفاقمت أكثر مع انسداد الأُفق وبتْر أوْتار الأمل بحيث لم يعد يفكّر في واقعٍ أفضل أو حتى في ومضات لحظيّة من السّعادة!
فما الّذي أدّى إلى هذا الإحباط النّفسي والاجتماعي وساهم في انتشار حالة الشّقاء لدى الإنسان في المجتمعات العربيّة خاصّة وأفقده الشّعور بالسّعادة؟ هل أن القضيّة مرتبطة بالسّعادة كمفهوم وقيمة أخلاقيّة نصبو إليها دون أن نَطَالَها أمْ هي مرتبطة بما نُحقّقه من رغبات ومُتَعٍ في المعيش اليومي وما يَتْلُوه من حالات فرح وابتهاج؟ أم هي ذلك الاطمئنان الدّاخلي والرّاحة الوجدانيّة والاستقرار النّفسي الّذي نبحث له عن ملازمة دائمة وتوازن نسبيٍّ رغم تأزُّم الواقع بأشكاله المختلفة؟
1- في دلالة السّعادة:
ليس هناك إجماع على مفهوم السّعادةLe bonheur لدى الخاصّة من الفلاسفة والمفكّرين أو لدى عامّة النّاس. وكثيرا ما يقع الخلط بينها وبين مفاهيم أخرى مجاورة لها، مثل الفرح والسّرور والبهجة… إلخ وسوف لن نقف عند هذه المفاهيم واحدا تلو الآخر ولن نتعرّض أيضا إلى تحديدات الفلاسفة واختلافاتهم حول الدّلالة والمفهوم، فهذا عمل مضن ومرهق وقد لا يَفِي بالهدف المنشود من هذا المقال. فما يثير اهتمامنا هو استقراء حالات السّعادة في المعيش اليومي لدى البشر أي العناية بالسّعادة كحالة ومعيش لا كمفهوم نظريّ بحت! وإن كنّا لا ننكر فضل الفلاسفة والمفكّرين في بذل قُصَارى جهدهم في التّنظير لها والبحث عن مصادرها ومؤثّراتها ومرجعيّاتها والوُقُوف عند مفاهيمها ودلالاتها.
فالسّعادة في الواقع المعيش هي حالة شعور الإنسان بالرّاحة الفكريّة والاطمئنان النَّفْسي ورضاء الضَّمير الأخلاقي في الحكم على فعل ما أو سلوك ما أو موقف ما…وما يتبع هذا الشّعور من سكينة وهدوء وعدم خوف من أي طارئ كان. إنّها بمعنى آخر شعور الفرد بالحماية والأمن ضمن محيطه الدّاخلي والخارجي… وما يحدث عن هذا الشّعور من توازن واعتدال يُتوَّج بلحظات الفرح والبهجة والسّرور التي تُكَلِّل أعماله، فليس حالات الفرح والسّرور والبهجة سوى تجسيدات لما نصبو إليه من إحساس بالسّعادة. فالسّعادة إذن هي هذا الشعور والإحساس الذي يأخذ مقام المَثَلٌ الأعلى نصبو إليه ونسعى لتحقيقه دون أن نَطَالَه. لذلك تبقى تلك الحالات من الفرح والبهجة والسّرور إلخ… مجرّد مظاهر لها تُقَرِّبنا إليها لكنّها ليست هي. لذلك يبدو السّؤال المشروع ما الذي أفْقَدَنَا الشّعور بالبهجة والفرح والطُمأنينة في مجتمعات ما بعد الثّورة؟ لماذا انتشرت على وجوه النّاس ملامح الشّقاء ومظاهر الخوف وعلامات اليأس عوض أن تُضْفي عليهم بشائر الابتهاج بعهد جديد مُفعَمٍ بمنتظرات الأمل والتّفاؤل؟ ماذا حدث في هذه المجتمعات حتى تتحوّل إلى دمار شامل أتى على الحجر والشّجر والبشر؟!
2 – انبثاق ملامح الأمل :
لماذا تَثُور الشُّعوب على نُظُمِها وحُكّامِها؟ سؤال يجيب عليه التّاريخ البشري في تحوّلاته وانتفاضاته وثوراته، فالثّورات عموما هي ردُّ فعل لوضعيّة قُصْوَى لم تعد الشّعوب قادرة على تحمّلها، إنها نتيجة حتميّة لتَرَاكُمات في سوء التَّصّرُّف السّياسيّ والاقتصاديّ وكذلك الاجتماعي والأخلاقي بلغ حدّ الاستغلال الفاحش والأنانيّة المدَمِّرة للإنسان، كما تعود أيضا إلى تفاقم المصالح الضيّقة لفئة ضئيلة من الحكّام والمقرَّبين من الحكم على حساب شُعُوب بأسرها، فكلّما تعاظم استغلال الطّبقة الحاكمة إلاّ وشرّعت لنفسها سَقْفا قانونيّا في صُلْب الدّولة يحمي تلك المصالح ويحافظ عليها وينتج عن ذلك حِرْمان الطّبقات الأخرى من أدنى حقوقها الاجتماعيّة والسّياسيّة فتنتشر الحاجة والفقر وتُقْمع الحريّات جميعها ويتفاقم العنف، عنف الدَّولة ضد الأفراد…. وإذا ما اجتمع الفقر والحاجة والظّلم والقمع وبلغ الحدّ الأقصى انتفضت الشّعوب على حُكَّامها وثارت وطَمَحَت إلى إرساء نظام مجتمع إنسانيّ يُرَاهِن على الحريّات وعلى الأسلوب الدّيمقراطي في الحكم ويُرْسى دعائم الكرامة والعدالة و تصبو إلى إعادة إحياء ملامح السعادة على وجوه البشر وعلى نفسياتهم.
هذا ما كانت تحْلُمُ بتحقيقه بعض الشّعوب العربيّة بدأً من الشّعب التّونسي الّذي نجح في طرد الحاكم من البلاد ومن معه وذاك ما حدث في مصر، في حين أن ليبيا واليمن وسوريا ما تزال تبحث عن طريقها نحو الحريّة. وقد مرّت على هذه الثّورات عشر سنوات فإلى أيّ حد تمكّنت هذه الشّعوب من تحقيق الاستقرار السّياسيّ والأمن الاجتماعيّ وتوفير بعض من الحقوق الإنسانيّة الكونيّة التي ثارت من أجلها وراهنت عليها؟ وهل من إمكانيّة للتمتّع بالرّفاه والسّعادة داخل دوّامة هذه التّحوّلات؟
3- بين الإعمار والدّمار تَبَخَّرت “السّعادة المأْمُولة”:
صحيح أن الثّورات التي حدثت في أنحاء مختلفة من العالم وفي فترات متباعدة من تاريخ الشّعوب لم تُحقّق نجاحات في وقت وجيز، فالثّورة الفرنسيّة مثلا لم تُرْسِ دعائم المجتمع المدني وأسس النّظام الدّيمقراطي وشكل الحكم الجمهوري، كما لم يتمتّع الشّعب الفرنسي بحقوقه المدنيّة والسّياسيّة إلاّ بعد ما يزيد على القرن! وقِسْ على ذلك مُعْظَم الثّورات في العالم فليس هناك أيْسَر من هدم النُّظم الدّيكتاتوريّة بإرادة شعبيّة قويّة لكنّ بناء نظام جديد على أنقاض القديم يتطلّب تضحيات جسام ويمرّ حتما بأزمات وتعثّرات وانتكاسات… ولا يمكن إرساء البديل أي النّظام الدّيمقراطي المؤسَّس على دعائم الحريّة والعدالة والكرامة إلاّ بتوفّر إرادة جماعيّة مجتمعيّة أقوى من الأولى وأثبت. ولعلّ ما يفسّر مبدئيّا تعثّر نجاح الثّورة التّونسيّة رغم مرور كلّ هذه المدّة على حدوثها وعُسْر الانتقال الدّيمقراطيّ وإصابة أفراد الشّعب في الحياة الاجتماعيّة بحالات الإحباط وخيبة الأمل واليأس عند البعض في السّنين الأولى من الثّورة وما أصابه من انتكاسة موجعة في السنوات القليلة الأخيرة مما أدّى إلى ارتباك وتعثّر وعدم وضوح الرُّؤية في التّسيير السّياسي للحكم، قد يعود أساسا إلى انفلات حكم الدّولة خلال هذه السنوات فطغت المصالح وراج الفساد في كل المجالات فضعف التّسيير وغابت سيطرة القانون الذي هو أيضا بحاجة ملحة وماسّة إلى مراجعات وإعادة تأسيس، فاختلّ التَّوازن وتعثّر الاستقرار السّياسي بتتالي الحكومات وتَبِعَه عدم استقرار اقتصاديّ فأثّر حتما في الوضع الاجتماعيّ والنّفسيّ والفكريّ والثّقافيّ، ومن نتائج هذا التّأثير نجد على المستوى الفكريّ والثّقافيّ اندساس نمطيّة فكريّة رجعيّة وظلاميّة صدمت العّامة والخّاصة فاستعملت لغة العُنْف ضد الأفراد وحاولت هدم أسس التُّراث ومعالم الحضارة التّونسيّة بدعوى أنّها معالم وحضارة تكفيريّة وبلغ هذا التّطرّف حدّ الاغتيالات والعمليّات الارهابيّة وهي حالات غريبة كلّ الغرابة على المجتمع التّونسي وعن جذوره الحضاريّة ولا يخفى ما خلّفه هذا العُنف من توتّرات خطيرة على نفسيّة الإنسان التّونسيّ وعلى وضعه الاقتصاديّ والاجتماعيّ. أما على المستوى الاقتصاديّ فكلّنا يعلم أن النّظام القديم خلّف لنا صورة للجمهوريّة التّونسية لاّمِعَة في الظّاهر لكنّها في العُمْق تشكو تورُّمًا وسوء تصرّف تَصْعُب سرعة علاجه بآليات قديمة وبالية مثّلت عائقًا مُرْهِقًا للحكومات المتتالية بعد الثّورة، أما على المستوى الاجتماعي الذي هو في الواقع انعكاس حتميٌّ للأوضاع السّياسيّة والاقتصاديّة عانت البلاد من كثرة البطالة وتفاقم حالات الفقر والحاجة فأُصِيبَ المجتمع التّونسيُّ ونخصّ بالذّكر العائلة التّونسيّة بحالات من اليأس والخوف وعدم الاطمئنان على الحاضر مع عُتْم الرُّؤية نحو المستقبل، ولعلّ هذا ما يُفَسّر انتشار الهجرة اللاّشرعية وكثرة حالات الانتحار لدى الأطفال والشّباب وانتماء بعضهم بالخلايا التّكفيريّة الإرهابية والالتحاق ببُؤَر التَّوَتُّر حيث الموت المحتوم. إن كل ذلك غيّب بطبيعة الحال مظهر الحياة العادية وملامح السّعادة لدى التّونسيّ فطغت عليه مظاهر التّشاؤم والشّقاء والتّعاسة وفقدان الأمل.

لكن ما يميّز المجتمع التّونسي أنه صَعْبُ المِرَاس لا يستسلم بسهولة… محبٌّ للحياة متفاعل مع كل الحضارات والتوجّهات يُخير السّلم على الحرب، يَمْقت الصّدام ويُؤمن بجَدْوى التّفاعل والحوار لذلك هبّ بكل فئاته إلى الرغبة في إعادة البناء والإعمار لا الهدم والدّمار مستعملا في ذلك آليات تجاوز الأزمات والتغلّب على الصّعاب بتأنٍ وهدوءٍ مراهنا على عامل الزّمن معتمدا أساسا وخاصة في هذه الفترة الأخيرة على سيادة القانون وضرورة تفعيله فعلا وواقعا لأن الشعب التونسي بما بلغه من درجة عالية من الوعي السياسي نتيجة احتكاكه القريب بمستجدات الوضع وما تعرض له من تعثّرات وهزات واهتزازات يعتقد اعتقادا جازما أن لا سيادة للدول ولا استقرار للمجتمعات إلا بسيادة السلطة القانونيّة معبّرة بذلك تجسيدا لا تنظيرا على استقلالية سلطة القضاء عن جميع السلط الأخرى ، هذا ما يجعلنا نأمل في هذه الفترة الدقيقة من التحولات السياسية والاقتصادية إلى إعادة الأمل فيما يحدث من تحولات في المجتمع والفكر والثقافة علنا بذلك نستعيد ولو بصيصا مما نصبو إليه من إشعاعات السعادة المفقودة في زمن بدأ يأفل ليُخلى مكانه لمنتظرات الفرد والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*