دراسة في (لم ينته الدّرس مذكّرات مربّية) للأديبة التونسية حسيبة صنديد قدمتها في إطار حفل توقيع متنها أقامه على شرفها إتحاد الكتاب بسوسة العنوان: كسب الرهان وتعزيز ثقافة الانتماء بقلم الكاتبة سهيلة بن حسين حرم حماد من تونس.

مدخل عام:
تعتبر المذكّرات جنس أدبي و كتابة تاريخيّة قريبة من السّيرة الذّاتية،
تتكوّن من زمان ومكان وحدث وأشخاص، تعنى بوصف الأحداث والوقائع، خاصة تلك التي كان للمؤلّف دورٌ فيها، أو عاينها من قريب أو من بعيد فهي شهادة على العصر تتأرجح بين ذاتية السّيرة الذاتيّة، والموضوعيّة التّاريخيّة. حيث يعمد فيها صاحبها إلى استعراض مرحلة من حياته، لها نقطة بداية و نهاية، تشبه الرّواية إلى حدّ كبير، عادة ما تكون مبطّنة برؤية صاحبها، لا تستغرق كتابتها وقتا كبيرا كما السّيرة الذّاتية، إذ تنتهي بمجرّد تحقيق الغرض وانتهاء المرحلة …
كثيرا ما يعمد الكاتب إلى تركيز زوم عدسته على حدث أو مجموعة من الأحداث يعتقد أنّها هامّة، فيدقّق في جزئياتها و تفاصيلها، و عادة ما يكون لها بليغ الأثر على حياته، ونفسيته، من خلال عرضها، فيضيء و يوضح و يكشف رؤيته ويرفقها بتعليلاته وتبريراته…
التّعريف بالمتن موضوع الدّراسة:
“لم ينته الدّرس مذكّرات مربّية ” هو كتاب سردي جنسته صاحبته حسيبة صنديد بمذّكرات مربية على وجه الغلاف وفي الصّفحة الثّالثة مذكّرات معلّمة صادر عن دار الثّقافيّة للطّباعة والنّشر والتّوثيق جاء في 167 صفحة ويعُدّ هذا المتن 26 مذكرة وهي:
1) البداية
2) اللّقاء الأوّل
3) الحصّة الأولى
4) مقتطفات من دفتر الإرشاد البيداغوجي ل(ميسيو موريل Mr Morel )
5) تصدير
6) التّعبير التّلقائي L’expression spontanee
7) بين الماضي والحاضر قصّة إرادة
8 ) زهور الحب
9) كفّارة ذنب
10) وللنّاس فيما يعشقون أسماء
11) مرفأ السّلام
12) الماردة
13) ضفيرة ليليا
14) مشاكس في الذّاكرة
15) طفلي الصّغير
16) البرتقال في فم نعيم
18) رسالة المربّي
19) آفة النّسيان
20(حكاية (بوسعدِيّة)
21) الحركة اللّولبيّة
22) الطّفل والذّنب
23) ذات خريف
24) تشابه
25) بين ليلى وليلى
26) تصدير
27) تحيّة للمعلّم
22) المقامة الصّنديدية
23) المقامة القدّوريّة
24) الطّفولة وإرادة الحياة
25) غلى منصّة التّكريم
26) إشراقة الصّباح
تصدّرت هذه المذكّرات التي تفاوت طولها بحسب الغرض، إهداء وتوطئة بقلم الكاتبة، إلى جانب مقدّمة غيريّة بقلم محد لحويشي متفقّد أوّل للمدارس الإبتدائيّة
الموضوع والرّؤية:
من خلال متنها هذا تصطحبتنا الكاتبة حسيبة صنديد إلى اكتشاف بعض الأحداث والمواقف التي اعتقدت أنّها هامّة، طارحة بعض المسائل، عارضة بعض النّماذج لنقارن ونقارب وندقّق معها في بعض من جزئيّاتها وتفاصيلها، فاتحة نافذة الماضي لإعادة النّظر في تلك التي كان لها بليغ الأثر على حياتها وعلى نفسيّتها من خلال تركيز زوم عدستها لتضيء مرحلة من حياتها ولّت ومضت بغرض عرض تضمين مقتطف من دفتر إرشاد مثل الذي ورد بالصّفحة ص 27 وتخصيص مذكّرة تصدير تسجّل فيها أسباب نجاح المعلم في مهنته في الصفحة 139 اوردتها على شكل شعار عمل :
“ضمير حيّ
روح طفولية
قلب عامر بالحب
إيمان بقدرات الطّفل”
وفي هذا ربط مع العنوان، وكأنّها بذلك تعلن بأنّ مهمّة المعلّم المربّي لا تنتهي بإحالته على التّقاعد فهو طاقة عطاء مستمر ورصيد معرفي لا ينبض زاخر بالتّجارب والخبرات فهو كمكتبة وطنيّة ومرجع من المراجع التي لا يستهان بها وجب توثيقها حتى لا تتلف ويذهب ريحها…
كما نراها ضمّنت مذكّراتها (الحصّة الأولى) ص23، المنهجية التي اتّبعتها في يومها الأوّل، كخطوة أولى رسمتها تضارع طريقة عمل اتّخذتها للتّعامل مع الأطفال مذكّرة إيّانا بأنّها “لم تكتسِ صيغة تعليميّة صرفة، بل اعتمدت على النّصح والإرشاد..” وهي تتلمّس خطوتها الأولى في مسيرتها المهنيّة… هذا إلى جانب إعادة طرح بعض المواضيع والمسائل الهامّة التي مازالت عالقة إلى اليوم على نحو أيّهما أفضل الاحتواءُ أو العقوبةُ والإقصاءُ؟.. وغيرها من المواضيع المهمّة والحارقة سواء منها اقترنت بالتّدريس أو بالحياة العامّة… التي تخدم وجهة نظرها للكشف والتّوضيح دافعة بمسار حكيها نحو صراع داخلي وآخر خارجي، لتزيد في الحكبة و التّشويق مضمّنة إياه دوائر سردية اعتراضية لتضفي على القصّ مزيدا من الإيهام بواقعيّته
لشدّ القارئ ودغدغة حنينه إلى مقاعد الدّراسة لجذبه إلى حلبتها لنسج توقعاته وانتظاراته المستقبلية، لتكشف لنا عن رؤيتها ورؤية غيرها في إطار بوليفونية من الأصوات… مثيرة أسئلة وجوديّة هامّة تتعلّق بمصير الذّوات والعبثيّة وسخريّة الأقدار في تغيير المسار في عدد من النّصوص سنتعرض لبعضها لاحقا وعن الإرادة والعزيمة في تسجيل الانتصار عبر المثابرة وعدم الانهيار، لتضعنا أمام الانبهار محقّقة الدّهشة بغرض رجّ المتلقّي لحمله على التّأمّل من أجل التّقيم والمحاسبة، أو النّسج على المنوال لرسم صورة مدرسة الغد ومعلّم الغد من أجل إعدة النّظر في بعض السّلوكات الإجتماعية وتقييمها بموضوعيّة ومقاربتَها بما تتركه في نفسيّة البشر تلميذا أو مدرّسا أو كفرد من المجتمع لأخذ العبرة والإجتهاد في البحث عن صيغة حداثيّة تربط مع الزّمن الجميل، لننعم بعَِبَقِ ريحه، لنضمن كيفيّة إعداد ناشئة الغد من أجل تحقيق رجل الغد قادراً على التّخطيط وبناء مستقبل مشرق يكون فخرا يضمن السّعادة لنفسه ولجميع أصناف المجتمع الكادح سواء كان بالفكر أو بالسّاعد في إطار تشاركي تكاملي داعم لبعضه البعض كالبنيان المرصوص يسود فيه إحترام الذّوات مع مراعاة مشاعر الكبير والصّغير العنيّ والفقير، دون تمييز لون ولا عرق ولا دين ولا جنس واحتواء كلِّ مختلف لتكون فكرةُ الاختلاف لديها جسرا تعبرُ من خلاله لاحتواء ذوي الحاجيات الخصوصيّةِ، عاهةً مرضيّةٍ جسديّةٍ نفسيّةٍٍ كانت، أو مجتمعيّةٍ، لصيانتها ومراعتها خشية عليها، من الانكماشِ والانكسارِ حتى لا يضارعَ الضّياعَ، نتيجة شعورٍ بأنّه منبوذٌ وغير مرغوب فيه.كلّ هذا من خلال أحلام صاغتها كمحلّ شاهد في إطار التّخييل الكلّي أو الجزئي لاستنتاج العبرة، في إطار خبري واقعي ممزوج بالشّاعريّة الإنشائيّة الإنزياحيّة لعبت فيها الذّاكرة والنّسيان اختزلتها صاحبتها في بعض المذكّرات. كان للمكان والزمان والمشهديّة دورٌ مهمٌ كما كان للحوار دور حاسم في استنطاق الشّخصيّة.
الرّسالة التّربويّة:
عبر مذكّراتها نقلت لنا مربّية تجربة نضالِها كإمرأة كافحت وتصادمت، مع الحياة لأجل بناء إنسان تفخر به الإنسانيّة…
نقلت لنا تجربتها، على جناح الحرف الخفّاق، بفصاحة وبلاغة مربيّة معلّمة تحذق قواعد النّحو والصّرف بطلاقة. يفوح شذى عطر عرقها الذي سقت به زهورا أينعت في ربوع الخضراء و ربّما خارجها…
وكأنّها بذالك تُشهدنا، على مدى إخلاصها، و تفانيها في عملها الذي ظلّ بداخلها محفورا منقوشا في ذاكرتها… وأبت إلّا أن نشاركها حلاوَتها، لنستخلص العبرة، في مراوحة بين الواقع والتّخييل، بين النّثر والشّعر والمقامة لكي تمرّر المشعل للّاحقين من المدرّسين حتى لا يضجروا، ولا يسأموا، ولا يملّوا، من رسالتهم النّبيلة،التي لا تخلوا من المصاعب والمتاعب. كلّ هذا في إطار رؤية استشرافيّة ناضجة، تفاؤليّة مشرقة تصبو إلى التّغيير من الباب الكبير في تعاون بين الأسرة والمدرَسة وكافّة أبناء المجتمع انطلاقا من البيت وفق ثقافةٍ إنسانيّةٍ ذاتِ مبادئٍ وقيمة شموليةٍ جامعة لخّصها والدها في “قوله صق١ في دارهم وأرضهم في أرضهم”.
من خلال مذكّرتيْ (آفة النّسيان) (حكاية بوسعديَّة)،
أثارت القاصّة موضوع الاختلاف، لتمرّر رسالةً تُلفت بها نظر زملائها المربّين بضرورة الانتباه قبل الشّروع في الكلام بحسن انتقاء العبارة والاعتبار من خلال افتعالها تجريب موقف للقياس عليه عبر مدلول الرّمز الطّفل الأسود للتّأمّل بقصد الوعي بخطورة نتيجة الفعل وردّة الفعل على نفسيّة الطّفل محدثة بذلك المفارقة لخلخلة رجال التّعليم وغيرهم، لمراجعة بعض سلوكاتهم العفويّة، التي قد تشعر الآخر (المختلف)، من الأقلّيات بالحرج، علّها أرادت التنبيه إلى ثغرة ربّما قد تكون موجودة في مناهجنا، غير مقصودة. فلا بدّ إذن من التّفكير في التّلميذ ذي البشرة المختلفة، حتى لا ينزعج و لا يشعر بالحرج أثناء عرض درس
(إلغاء الرّقّ). من المهمّ إذن أن نشدّ من أزر الملوّن، بذكر من كانوا رموزا وفخرا للسود كملك الحبشة النّجاشي الذي لا يُظلم عنده أحد، كذلك الإخشيدي الذي مدحه المتنبّي قبل أن يهجوه، وبلال أوّل مؤذّن وعنترة ابن شدّاد الفارس المغوار ومعلقته الميمية المشهورة لندعم ثقته بنفسه وفخره بلونه لكي لا نستفزّه بالتّقليل من شأن بني جلدته ، حتى يفخر بنسبه وأصله وفصله وحتى نعزّز لديه ثقافة الانتماء و حبّ الوطن… لنثمّن الفعل حتى لا تنفلت الغاية من الدّرس فنشعرهم بالدّونيّة، فمن الضّروري أن نذكّرهم بأنّ الرقّ شمل البيض أيضا، و إن تضمّن نصّ الأمر الحسيني أحمد باشا باي
المؤرخ في 23 جانفي 1946
كلمة (السّودان). ولكن ذلك كان ضمن السّياق إكراما لهم، لأنّهم كانوا الأكثر عرضة للاستغلال في الأعمال الشّاقة لخاصيّة تميزوا به من قوّة بنيان وشدّة منحها إيّاهم الرّحمان …
السّؤال المطروح هنا و الذي أزعجني شخصيّا هو… “هل يدور في ذهن مختلف البشرة في تونس أنّه منبوذ وغير مرغوب فيه؟ كما صاغت السّاردة وهي تتخيّل ما يجول بخاطره… (خاف أن تعيّره بسواده، خاف أن تمنعها أمُّها من الجلوس معه على نفس المقعد، تحاشى أن يقترب منها أو أن يستعمل بعض أدواتها)، ولكن ما يثلج الصدور هو إصغاؤه لذاك النّداء الذي شدّ أزره وأبعد عنه هاجس الخوف ( بأن ليس للنتائج المدرسيّة ارتباط باللّون) كما نقلته لنا السّاردة في الصّفحة 98.
تعمّدت الكاتبة استحضار الشّخصية التّراثية بوسعدية لتذكّرنا بإحدى أصل المآسي التي تعرّض لها الزّنوج في السّابق في الإيالة التونسية ومشكلة بيع واستغلال الرّقيق بعد اختطافهم من ذويهم من خلال حكاية ملك زنجي جاب الأرض حتى وصل إلى تونس بحثا عن ابنته سعديّة المختطفة متنكّرا في زيّ غريب محدثا أغاني زنجيّة غير مفهومة آملا في أن تسمعه ابنته وتتعرّف عليه بقصد استرجاعها لِحضنِه لتنعم بحياة سعيدة كما كانت في السّابق، لكنّه لم يفلح أبدا وبقيت قصّتَه وموسيقاه تراثا شعبيّا تناقلته الأجيال وآثرت الكاتبة أن تسجّله في مذكّرتها (بوسعدية) ص 102، حتى لا تنساه الذّاكرة الشّعبيّة ويتعرّف الأطفال والنّاس على هذا النّوعَ من الفنّ في تاريخ زنوج تونس. شأنها شأن الرّوائيّة حياة الرّايس التي سجّلته هي الأخرى في روايتها بغداد وقد انتصف اللّيل فيها ص 49 في فصل باريس الحلم حيث عرفت بشخصيّة بوسعديّة من خلال ذكرها لزنقة (بوسعديّة) القريبة من نهج الباشا وسوق العطّارين وزنقة (الجنون) بالعاصمة واصفة إيّاه بأنّه زنجي” يخفي وجهه بقناع ويلبس جلود الحيوانات ويرقص عازفا على آلة حديديّة” كما تذكُر كيف كانت ترقص معه عندما كانت صغيرة مع أبناء الحي في الصّبا…
كما أثارت في مذكّرتها( وللنّاس فيما يعشقون أسماء) ص52، مشكلة عدم تلاؤم بعض الأسماء مع أصحابها.محدثة لهم شعورا بالغربة داخلها لما تسبّبه لهم من حرج بالرّغم من أنّ بعضها قد يكون لها دلالة، ورمزيّة تاريخيّة، أو دينيّة، كأسماء الزّعماء -كبورقيبة وكيندي- والأبطال و أخرى قد ترتبط بالصّفات، كالشّجاعة والشّهامة و غيرها، ومع ذلك قد لا تتلاءم مع ثقافة المجتمع، لذلك من المهمّ أن ننتقي إسما ملائما للبيئة مقبولا ولا يشكّل حرجا لهم.
هذا إلى جانب عدّة مشاكل أخرى مصيريّة تطرّقت لها الأديبة حسيبة صنديد، طارحة عدّةَ أسئلةٍ أترك لكم فرصة الاطلاع عليها بمفردكم للاستمتاع والاستئناس بها…
بداية ونهاية:
مذكّرة(البداية) وكذلك (منصّة التّكريم) مذكّرتان توثقان تاريخَ بدايةِ مسيرةِ الكاتبةِ التّربويّةِ، وتؤرخ تاريخ الإحالة على التّقاعد وعدم المباشرة.
توثّقان لفترة من حياة الكاتبة، تحدّثت في المذكّرة الأولى البداية عن أسبابِ ومراحلَ تلك الفترة منذ بداية الالتحاق بالتّدريس. منذ أوّل يوم لها بالمدرسة كان هدفُها أن تبني إنسانا ناضجا، متوازنا قادرا على أخذ المشعل، واتخاذ القرار، لتقرير مصيره بمفرده، دون اللّجوء إلى مساعدة من يهضم بدله، لفهم ما يجري من حوله، لا لكي يعتلي تلميذها أفضل المراتب ، ولينال ما لم تنله هي ولكي تر من خلال نجاحه نجاحها فحسب، بل من أجل أن يصبح كل تلميذ درّسته مواطنا صالحا فاعلا حيث ما كان…
النضج والوعي والحيرة الوجوديّة:
كل ما ذكرناه سابقا لم يمنعها من التّساؤل في داخلها، عن ماهيّة وجودها؟ وإلى أين مصيرها؟ ويظهر ذلك في تساؤلها من خلال المونولوج الآتي الذّكر: “….ثم أعود إلى الواقع وأسأل القدر الذي قادني إلى هنا، كيف ومتى وإلى أين المصير؟… “
هكذا يتعالق العنوان” البداية”،مع بداية الوعي، الذي أبت إلّا تسجيله ليكون النّقطةُ الصّفرُ، لبداية العدّ الكرونولوجي، لرحلة معلّمة تستعدّ في بداية سنة دراسيّة، لتدخل بصفة فعليّة معترك الحياة المهنية، لتكتشف حقيقة أمر مهنة الحمائم البيض… فهل ستنجح فعلا في إيصال الرّسالة إلى أصحابها؟ كما عوّل عليها والدُها وكلُّ من درّسها.
التّاريخ كان سبتمبر 1970:
ما يُلفت الانتباه هو تعريجها على الجغرافيّة النفسيّة للإنسان تذكرنا بعواطف زراد في (مينرفا في سماء بغداد) التي هي الأخرى يُغريها النَّبش في الجغرافيّة النفسيّة والجسديّة -انظر الصفحة 18 من الأثر المذكور- وقد أولت حسيبة صنديد عناية بالعلاقة الجدليّة التي تربطها بجغرافيّة المكان، لذلك نراها حرصت على التّعريج على أصل تسميات بعض الأماكن، مع الحرص على تحديد موقعها الجغرافي من خلال نبذة تاريخيّة كسوسة حضر موت الرّومان ومدرسة الشّوك التي تحولت إلى مدرسة الطّاهر صفر…
عرّجت على تاريخ الدّواميس الرّومانية، وحركة السُّياح…
ذكرت حمام بورقيبة وموقعه..
وكذلك خريطة مسيرتها وتجوالها بين المدارس أثناء مسيرتها التّربوية من مدرسة الغزالي وصولا إلى مدرسة الطّاهر صفر بقصر هلال وحفل تكريمها دار بن عياد، متعمّدة ذكر أسماء ومعالم بعينها لحمولتها الدّلاليّة. لمزيد إيهامنا بصدق حكيها، أثّثت محيط معهد ترشيح المعلّمين بما انتقته من ذاكرتها بما يخدم فكرتها، من خلال تحديد موقع حيّ المعلّمين، الواقع على يمين معهد ترشيح المعلّمين بسوسة، و هو يعَدّ من الأحياء الرّاقية إلى حدّ الآن في المدينة وهو يعكس حالة الرّفاهة التي كان عليها المعلّم في تلك الفترة…
و كأنّها أرادت بذلك من القارئ أن يقارن بين حالة المعلّم بالأمس و ما آل إليه وضعه اليوم…

ملاحظة: ( معهد ترشيح المعلّمين صار معهدا ثانويا سنة 1975/1976، وقد أُطلق عليه إسم معهد الزّهراء نسبة للحي المجاور، ثمّ تحوّل إلى معهد عبد العزيز الباهي، بعد أن تحوّل نصفه إلى كلّية للاقتصاد. معلم تربوي شوّهت ملامحه و طمست خاصّيته المعماريّة بشكل أفقده بريقه و جماله فصار غريبا كاغتراب المعلّم و المثقّف في هذا الزّمان الرثّ الذي اختلط فيه الحابل بالنّابل..
روح العصر:
كما نقلت لنا روح العصر ببعض تفصيلات موضتها شكلا وتنضيدا حسّا وإحساسا بأسمائها وسيماتها من( لهجة، وأخلاق وقصّةُ شعرٍ، ولباس، وسيارة وعادات وتقاليد ووممارسات وصولا إلى الحركة اللّولبية التي خصصت لها مذكّرة.ص 110)
الصّراع:
كان صراعا داخليّا وخارجيّا الغاية كانت من البداية بناء إنسان. ففكرة مذكّرة (البداية) مثلا قامت على صراع داخلي وآخر خارجي. صراع بين تحقيق حلم أبيها أو تحقيق حلمها، ومن هنا بدأت رحلة التّشويق. الحبكة كانت في بعض المذكّرات على درجة عالية لإتقانها فنّ الحكي، والمدّ والجزر والرّبط بين السّبب والنّتيجة الذي أقنعنا أحيانا حدّ الدّهشة.
مذكّرة انفتحت على التواصل الإجتماعي (الفايس بوك)، وعلى الرّسالة في صيغتها الجديدة (الميسنجر) تذكّرنا بأبطال عواطف زرّاد (شميم ورموز)، في (مينرفا في سماء بغداد)، موقّعة بذلك بصمة العصر.
كذلك انفتحت على الشّعر تضمينا لشعرها أو لشعر غيرها
مع تضمين بعض الأمثال الشّعبية
إلى جانب اعتنائها بالجغرافيّة النّفسيّة ومستوياتها لتجعلنا نتفرّس الجمال حينا والقبح حينا آخر من أجل تغيير واقع وسلوكات… نراها أيضا انفتحت على المقال والصّحيفة إشارة وتضمينا لبعض المقالات. لم تكتف بالانفتاح على المحيط المدرسي الضّيق، بل اتخذته مطية للعبور والقفز من مكان إلى آخر، ذلك أنّ المعلّم هو بالأخير إنسان هذا الزّمان، وهو القائد الأوّل لقاطرة المعرفة في الحضارة الإنسانيّة، لذلك نراها انفتحت على الحياة الاجتماعيّة لإعادة طرح بعض الأسئلة التي ما تزال عالقة تبحث عن جواب،. فكانت مذكّرات بقيمة محاسبة ذات ومجتمع، راجعت وتراجعت لامت نفسها ومن خلالها حاسبت نظرة المجتمع لقيمة هي منة الله على الأرض، تلك التي وقفت أمامها تحاسب مجتمع عن جرم كادت تقترفه، (في مذكّرة زهور الحبّ) تلبية لموروث خاطئ، جرّاء انسياق وراء قانون سياسة القطيع، لولا أنّها تذكّرت موقفا أقحمته ليوقف تدفّق السّرد، كبؤرة سرديّة ليرتاح القارئ، ومنحه فرصة المقارنة والمقاربة، دافعة بهذا الأخير للإنظمام لحلبة السّرد ليبدي رأيه، ليتأمّل فيما يجري. لتنهي نصّها بمفارقة.
من التّقنيات الجماليّة التي رصدناها في مذكّرة زهور الحبّ: الاحتفاء بالوصف وبالمونولوج والألوان والأضواء، في إخراج مبهج، إحتفاء بالأمل وسط نفحة من السّعادة والصّفاء انتهت بقبلة، قاطعة مع لحظة قاتمة عصرت قلبها واعتصرت عاصفة هوجاء اقتلعت همًّا كان جاثما على صدرها. واقعة بين مفارقتين بين رفض ورضى.
وقد اختلف عدد شخوص كلّ مذكّرة على حسب الموق أوالحدث المراد معالجته فلو كان الأمر متعلّقا بنفسيّة الشّخصيّة أو بتجربتها الخاصّة نراها تقلّص بقيّة الأصوات لفائدة الشّخصيّة التي استدعتها وكلّفتها بآداء دورها في نسق زمني مخالف للواقع حتى تعطي لحكيها رونقا يدخل في مجال بنية الحبكة، لنتمكن من رصد نبضه بمفرده، أمّا إذا كانت الغاية رصد إيقاع العصر للإشارة إلى الزّمن، أو لمعالجة ظاهرة إجتماعيّة، نرى العدد يتكاثر مفتعلة صراعا يغذّي حكيها، أو يدفعه نحو التّشويق في حبكة مقنعة، يلعب فيها الاسترجاع والقفز والوقف والتّوقف والتّقديم والتّأخير والتّضمين دورا مهما، ارتقى بالمذكّرة حينا إلى القصّة القصيرة في بنائها وحبكتها، توصلنا بها إلى الصّدمة أو الصّعقة، أو لفصل من فصول رواية من حيث البداية القويّة والانتهاء بمفارقة في حين أن بعض المذكّرات كانت مجرّد توجيهات ونصائح لمرشدٍ، كمقتطفات من دفتر الإرشاد البيداغوجي ل “مسيو موريل” ص 27، أو تصدير لمحسن سالم أستاذ أوّل فوق الرّتبة ص 29 على سبيل المثال.
الطّريف في هذه المذكّرات انفتاحها على المقامة، ص 147-150:
في بعد تربوي آخر وباعتبار براعتها في اللّغة واتقانها لفنّ النّظم والسّجع وقرض الشّعر، والتّأليف والتّوليف ومسايرة روح العصر في التّحديث وإحياء التّراث، حاولت الأديبة حسيبة صنديد أن تماهي فنّ المقامة التي ظهرت في القرن الرّابع للهجرة ، وهي لونٌ أدبي يتأرجح بين النّثر والشّعر، والفانتاستيكي العجائبي والغرائبي الخرافي، وقد أََنشأ هذا اللّون السّردي، أبو الفضل بديع الزّمان الهمذاني واقتدى به الكثيرون كالحريري والزّمخشري وغيرهم..(.والحديث يطول عن فنّ المقامات).
نلاحظ أنّ السّاردة لم تخصْ تلاميذها بالمقامتين المدرجتين في الكتاب فحسب، بل تتوجّه من على منبر المقامة إلى هذا الجيل وإلى الأجيال القادمة، وفي هذا تناغم مرّة أخرى مع عنوان المتن (لم ينته الدّرس…) إنّ لجوءها إلى المقامة كان بغرض التّعليم والإخبار واستخلاص العبر وربّما لفت نظر المسؤولين لبعض المشاكل الهامّة في المجتمع بطريقة ساخرة ووعظ مبطّن، بهزل ثم لتفعيل مهاراتها الشّعريّة الإيقاعيّة وتوظيفها في حبكة وتشويق، وهي تقنية اعتمدتها السّاردة المعلّمة المربّية، كطريقة لامتصاص إرهاقها في المقامة الصّنديديّة، فكانت كبسولة من الصّبر والتّحمّل ممزوجة بالابتسامة لتذلّل بها الصّعوبات التي تعترضها أو لاستخلاص عبرة كما جاء في المقامة القدّوريّة، وفيها تشغّل الكاتبة درس الأخلاق لمناقشة ظاهرة الغشّ المتفشّيَة في المجتمع بأسلوب هزلي ساخر مضحك…
يأخذني عنوان (المقامةِ الصّنديديّةِ) إلى تسمية مقامات (الحريري والزمخشري) و(المقاماتُ النّويريةُ) للأديب التّونسي الدّكتور توفيق نويرة الصّادرة سنة 2019 من حيث جعل (المقامة) منعوتا ونسبتها (لصنديدية) صفة نعتا. ناحتة بذلك اسمها في مجال المقامة…
كما تذكّرنا المقامة القدّورية بالمقامة المضيريّة للهمذاني
الخاتمة..
أحيلت السيدة حسيبة صنديد قنوني على شرف المهنة ولم تنته رحلة علاقتها بتلاميذها داخل المدرسة بل امتدّت خارج فضاءات أرحب وأوسع واقعا وافتراضا حيث شاركتهم أفراحهم في( زهور الحب) وأتراحهم في ( مشاكس في الذّاكرة) وافتخرت بانجازاتهم على اختلاف أنواعها في (البرتقال في فم نعيم) و(الفلاح الصغير).كما لازمتها الحيرةُ والسّؤالُ في ماهية كثير من الأحداث والوقائع والسّلوكيات والمظاهر التي لها علاقةٌ بالتّلميذ والمعلّم والولي والمناهج التّربوية…لذلك استحقّت التّكريم ، على منصّة التكريم جاءنا نصّ في صيغة مذكّرة تصارع فيه الزّمان والمكان حيث فاجأنا المكان مكثّفا، في شكل أمكنة متعدّدة، أين التقت تلميذها المدرّس والصّحفي المهدي الذي درّسته في قصر هلال وتحاورت معه عند اللّقاء في قصيبة المديوني عند افتتاح صالون الرّبيع الثّقافي، وأبى إلّا أن يكرّمها بمقال في جريدة الأنوار التّونسيّة كما كرّمها الكثير من أبناء قصرهلال( بلد زوجها) في دار المناضل المرحوم أحمد عياد… أمّا الإعلامي النّاصر السعيدي فقد كتب عنها في جريدة التّونسية بما يليق بمقامها..وذكّرتها السّيدة لمياء ضمن رسائل بأيّام الدّراسة ودور المعلم في فترة جميلة من زمن التعليم بتونس…
ومن جهتها نجد الكاتبة تكرّم تلاميذها بقصيدة( طفلي الصّغير) .و(اشراقة الصّباح) وهي الوصية السّحرية في شكل نصائح وحكم وقيم والتي سلّمت بواسطتها مقاليد النّجاح للطّالب أينما كان وكيف ما كان ليصير الإنسان الذي راهنت عليه…
مذكّرات قطعت مع نمطيّة المذكّرات في بداياتها، ذات البعد التّسجيلي للوقائع والأحداث العسكريّة والانتصارات التي رسّخها جنرالاتِ الحرب ولعلّ أهمّها كانت مذكّرات ديغول، التي تم توظيفها توظيفا يكاد يكون كاملا، في توثيق الوقائع والأحداث التّاريخية السّابقة واللّاحقة للحرب العالمية الثّانية، حيث قام ديغول بتأريخ المعارك ودوّن بعض القرارات المُتّخذة والاجتماعات، وبعض الثّغرات ومن بعدها تأتي مذكّرات تشرشل وروزفيلت ورومل وغيرهم وقد نسج على غرارهم قامات من الأدباء في شتّى أنحاء العالم، وفي عالمنا العربي، نذكر على سبيل الذّكر مذكّرات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم ومذكّرات الأرقش لميخائيل نعيمة.
سهيلة بن حسين حرم حماد
سوسة اتحاد الكتّاب التونسيين في 31/10/2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*