زمنُ البِغال… بقلم الكاتب سمير العوادي من المغرب.

  • لا ليست هيَ! انتَ تتوهّم مرّة أخرى يا جلال . خذ، جُرَّ النّفس طويلاً، و دع الدخان يدخل كثيفاً ليملأ كلّ ثغرة و ممرّ في صدرك، هاكَ دع الحشيش يعزف لحنهُ و يرمّم ما حفرته الأيام عميقاً . أتعلمُ كم أشفقُ لحالِك ؟ و إني لحزينُ عليك أكثَر من حزني على نفسي . أرى فيك روحاً أشدّ صلابةً من جدار الصّين، و ألمٌ أشدّ بِك فتكاً و ضراوة .
    هكذا يردّ عليّ منصور . هذا الأربعيني القصير القامة . نحيفٌ و منهك . لكنّه لازال محتفظاً بالقليل من الأمل، و تُسمعُ ضحكاته العالية بين الحين و الآخر . الفرق بيننا أنه يحمل هوّية! و لهُ همّ على عاتقه و يمنعهُ ان يكون ضميراً مستثراً مثلي . فبالإضافة الى كونه منصور، فهو أب ايضاً . له ابن ذكيّ ويبلي حسناً . يدرس في السنة الأخيرة من مرحلة الإعدادية . و حلم هذا الفتى ان يصبحَ ذا شأن في الدّولة -على حدّ تعبير والده- .

إلتقيّنا هنا صدفةً، منذ سنتين . على هذا الباب، كان الشرقيّ يشقّ وجنتاي شقّاً يومها . لم يكن لدى ملجأ آنذاك (و هو الحال دوماً) . توطّدتِ العلاقة بيننا، أقصد منصور! و دعاني مرّات كثيرة للسّمر معه! و يحدثُ ذلك عادةً في العُطل حين يسافر الإبن لزيارة جدّه . عادتي ألّا أهتمّ بالأيام . إنها تعدو دون تحمل لي جديد . هكذا تبدأ و تنتهي فقط و بلا معنى .. بدأ و انتهى الكثير منها بنفس الطريقة ..

أني أتذكّر ذلك كما لو حدث بالأمس فقط (أعني يومَ قدِمتُ هُنا) . أتذكّر أني إبتعتُ من منصور سجارة و أشعلتُها و جلستُ القرفصاء، غريباً بجانبه أدخن و على وجهي بعض السمات . قسماتُ من يداري الألم . أتذكّر ايضاً يداي ترتعشان . ترتعشان و دون توقّف . آهٍ! ما من بردٍ أو خوفٍ استطاع أن يؤثّر فيّ طيلة حياتي . حتى أني كنتُ أضعُ نفسي ندّا لِ زوس، و كنتُ أصيح في الأيام الخوالي للسماء من على قمّة الجبل؛ كلّما سمعتُ الرعد مدوّياً: “بل أنا كبير الآلهة أيها الأرعن” .
أمّا الآن فقد سخَرت منّي الأيام على نحوٍ كوميدي و مثيرٍ للشّفقة . رجلٌ عجوز أرتعش و لم أتجاوز بعدُ التاسعة و الخمسين . أعتقدُ انه مرضٌ عُضال لعين! و لا أعلم من حيث ابتُليت به!

أجل، للنساء قدرةٌ فائقة على تحطيم كبرياء الآلهة، حتّى و هنّ مجرّد هياكل و إعاقات [..]

بقيتُ أبيت ممدّدا على كراسي المحطّة، أفترش قطع ‘الكارطون’ . أتذكّر ايضاً، تلك المدّة، لم أكن أعتب ذلك الباب! و لم ألِج دروب المدينة، و لم يكن عندي فضولٌ لذلك . كانت هذه المحطّة الداخل و الخارج معاً بالنّسبة لي . و كنتُ أشعر أنّي مسافرٌ ايضاً، مادمتُ لا أعتب الباب . مؤمنًا بأن سفري لابد له أن ينتهي بشكلٍ ما، و أن أبلغ وجهةً تبهجني و توقظ فيّ الشعور بالفرح . و ألتقي بهم و آخذ بثأري و أسترجع كبريائي المفقود، لأقف مرّة أخرى و أصيح : ها آنذا مرّة بعدُ، فرِحاً بنصري؛ فرِحاً يا زوس! .

آهٍ . لَكم يؤلمني أن اتحدّث عن هذا الفرح . لابدّ أنه نوعٌ فاخِر من الأفكار ؟ أهوَ حقّا شيء لا شبِيه له -كما يقال- ؟ هل هو نوعٌ من النور الذي يَلفُّ الروح ؟ أقصد هل هو شعلة تتّقد فجأة و من تلقاء نفسها تجعل من هذه الحافلات مثلاً كائنات حيّة، تتوهّج، تبتسم و ترقص كما تفعل فتيات الباليه في الصور و الجرائد ؟ أتساءل دوماً و مرغماً عن طبيعته . فأنا لا أعرفُ إلّا نقيض الفرح -هذا-. نعم أعرف الشعور بالألم مثلاً و بالتعاسة و فقدان الأمل . أعرف الغضَب من وجوه السائقين حين لا امسحُ جيّداً واجهات الحافلات . و اعرف الضياع كما ضاع اسمي و تم استبداله بالماسِح و اعرفُ التعب من وجه منصور و وجوه العابرين كما اعرفه مني . اجل! إني اراه حين تعكس المرايا ملامحي! و إلتقيتُ بالحظ العثر ايضاً، مرّات كثيرة . أنا أصادف كلّ شيء إلا الفرح …

منصور يبيع التبغ و أنا جلال . أقصد أني ماسح الواجهات! فلا أحد اهتمّ إطلاقاً لإسمي . أمسح زجاج الحافلات و أنظف القَيء و أكنسُ القوارير و العلب الفارغة من البسكويت المُلقاة بين كراسي الحافلة . أتقاضى مقابل ذلك ثلاثون درهماً . و هناك من يَحسب أنه يُكرمني عندما يزيد عن ذلك خمساً او عشرَ دراهم .
هو ذا عَملي . مهمّتي المُستحيلة هه .. أمّا حين لا يكون أحد بحاجتي، فإني أنضمُّ على وجهِ السّرهة الى صديقي الوحيد منصور … ندخّن و نراقب المسافرين مقبلين مدبرين . و نأمل أن تحدث معجزة كتلك التي حطّت جلمود صخرٍ من علٍ! كانت روح الدّعابة عندي تثيرُ شيئاً من الغرابة في نفسه؛ فقد كانت عادتي ألا أدع امرأة تمرّ دون أن ألصِق بها التُّهم . كنتُ أستمتع بذلك كثيراً . و إنه لنشاطي المُفضّل بحقّ . أُلصقتُ بالكثير من المُسافرات عباراتٍ ساخرة و كنتُ انعتُهنّ بكلّ أوصاف البلاهة و التبخيس . كنتُ اقول لمنصور : تُرى من ربطَ البقر و نسيَ هذه حرّة تتجوّل هناَ ؟ و تلكَ لمن تركت الأواني و تجفيف المطبخ و جاءت تتسكّل بين الطّرقات ؟ و تُرى ماذا أكل هذا البغلُ ليحمل عن تلك حقيبتها ؟
كنتُ أسخَر منهنّ و أنعتهن بألفاظ تنمّ عن حقدٍ و كراهية شديدين . أجل! إنّي أحمل لهنّ كرهاً ماحقاً . و كنتُ أحبّ ترديد إحدى حكمَ النبيّ محمّد؛ لمّا نعتهنّ بناقصات عقلٍ و دين . لقد أبدعَ كثيراً، فهذه الكائنات بلهاءٌ و ينبغي أن تُوضع في الأقفاص تماماً كالقِردة، أو أن تُعدمَ بطريقة هتليرية جميلة، و على انقاضها نعزفُ منشدين ابياتاً من هولدرلين . فالنساء ما كان عليهن البقاء حتى الآن، متمتّعات بالحرّية، إنما كان عليهن الإنقراض .. و لتبقى الزرافة مثلا أو انثى الدلفين حرّة طليقة .
لاشكّ أني أثرتُ لدى القارئ نوعاً من الإشمئزاز! خاصّة إذ كان هذا القارئ امرأة أو بغلاً(فالرجال كالآلهة هذه الأيام). بغلٌ يحمِلُ الحقيبة تحت تأثير وهم الحبّ . أجل أيها البِغال فلتشمئزوا، فماسح الواجهات لا يهمّه ما تقولون…
تعلمون أني لستُ إلا منبوذاً . هل يذكر أحدكم اسمي ؟ من سبق منكم أن خاطبني باسمي، -جلال- بإحترام و دون إقرانه بالقيء و المخلّفات ؟ أو من سبقَ له على الأقل أن دافع عن -جلال هذا- أيام كان يتلقّى أشدّ الشتائم من لدُن الحَمقى سائقي الحافلات المهترِئة اللعينة ؟ أو من حفظَ كرامة جلال أيام السّجن ؟ كلّكم تعرفون القصّة! و مع ذلك إلتزمتُم الصّمت و حين هويتُ أتبعتموني بالطّعنات … من يعرفُ -التي- خانت جلال وجعلت منه أضحوكة الدّوار و تسبّبت في سجنه بعدما دفعته نحو السّرقة و بيعِ الممنوعات ؟ دخل جلالُها السّجن فأدخلت الرجال -أقصد البغالَ- منكم بلا عددٍ و هتكتم العرض ؟
لا أحد حرّك ساكناً! هممم إذن فلتقرؤا في صمت، و النساء مكانهنّ المطبخَ و إني لخفّفت عنهنّ هذا الحكم إتقاء وجه أمي . و لولاها لجزمتُ في الحكم، ثمّ لو كان بيدي لَحرثن الأرض عِوضَ الدوابّ . أجل! هنّ موجودات لمثل هذه المهمّات فقط … و إني أقصدُ كلّ كلمةٍ قُلتها للتوّ، فإن كان لكم الحقّ في محاكمتي فلتفعلوا يا عديميّ الفائدة … و إني لأنعتكم أيها البغال أيضاً بأشد العبارات قسوةً . كما أني على استعداد بالغٍ لأقسو عليكم إذا أُتيحت لي الفرصة؛ كما قسوتم عليّ في المحطّة، و كما هتكتُم عرضي قبل عشرين سنة و دخلتُم على زوجتي و شربتُم الخمرة المُعتّقة على مضجعي وسخرتُم قائلين : ” هذه غرفة جلال، هذه أغراضه و هذه زوجته و إن ذوقه لَرفيع . جلال المسكين تأكله الرطوبة في السجن و نحنُ نلعبُ الورَق فوق نهديّ هذه الزّوج الشيطانية و الساحرةُ الجمال ” .

آهٍ لكم كنتُ أهيمُ بها، لقد كانت إحدى آلهتي التي أعبُدها بحقّ . إنها لا تَغيب عن ذهنِي! أراها في كلّ العابرات . أراها طيلة عشرين سنة! أنا أكبُر و أشيخ، و هي لاتزال فتيّة تنمّ عن الحيويّة . شابّة لا تكفّ عن العزف و الرّقص في ذاكرتي! أجل إني أتذكّرها كلّ مرّة!

كيف أاتذكّرها و أنا لستُ أنساها ؟ لقد كانت إحدى نِعم الربّ قبل أن أكفُر به و بها و بنساء الأرض جميعَا.
صديقي منصور توفّيت زوجته و هي تلدُ ذلك الولد الذي يحلمُ بنفسه في -الغذِ ذا شأن- .
قال لي منصور ذات يوم أنه لم يستطع حضور مراسم دفن زوجته إذ أغميَ عليه لحظةَ سمِعه الخبر؛ و بقي مُمدّدا على فراش المستشفى لثلاثة أيام .

أنا أحبّ أن أحضُر الجنائز كثيراً . أحبّ أن أرى المعول يحفِرُ عميقاً في الأرض . و أحب أن أرى المراسم و أن أفكّر فيما يمكنُ ان يواجِه الميّتَ بعد الدّفن! و ايُّ معنى سيكون للسيئات و الحسنات على حدّ سواء بعد أن يعانى المرء في هذه الحياة ما يعانيه! و حتى إن كان هناك لقاء بعد الموت فأيُّ طعمٍ سيكون للثأر من الآخرين؟
و ما فائدة إعتذار الموتى! حينَ يخبروكَ قائلين : أجل كان ذلك خطأ يا جلال، غفرانك إن كنّا غافلين، و لَبسَتنا أرواح الشياطين!
كل جمعة أنتظر بالباب إنتهاء صلاة الظّهر لأتبع أحدَ الموتى الغُرباء و أشارك في مراسم الدّفن! آهٍ كم أعاني في تلك اللحظات حين أفكّر في إمكانية ألا ألتقيَ بهم مرّة أخرى و أن عذاباتي على الأرض هي عذابات فقط! هي إرثي و تاريخي و قدري وَحدي! أريد أن آخذ بثأري هُنا …
لكنّهم موتى! موتى يا جلال! ماتوا يا جلال! أجل ماتوا و هذا قدركُ .. إمسح الزجاج و خذ نفَساً طويلاً و اجعلِ الدخان يستوطن فؤادك، لعلّ الجرح يندملَ ذات يوم، لعلّه يندمل يا جلال …

زمنُ البِغال | سمير العوادي | المغرب | 8 نونبر 2021| 21:41

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*