قراءة انطباعية في ديوان”وجهُها الآخر الذي لا يعرفني” للشاعرة منى الماجريبقلم الشاعرة سونيا عبد اللطيف من تونس.

الشاعرة منى الماجري أستاذة لغة عربية وناشطة منذ سنوات في الجمعيات الثقافية والنوادي الأدبية في ولاية بنزرت صدر لها هذا الديوان الشعري الأول في مستهلّ سنة 2021 بعنوان:” وجهها الآخر الذي لا يعرفني” عن دار الثقافية للطباعة بالمنستير..
جاء الكتاب في 90 صفحة، يتضمن 36 قصيدة.
** تيمة العنوان:
“وجهها الآخر الذي لا يعرفني..”
ورد العنوان جملة اسمية تقريرية بسيطة طويلة نسبيا، المبتدأ مركب نعتي ( وجهها / الآخر)، المنعوت مركب اضافي (وجهها)..
الخبر مركب موصولي ( اسم الموصول : الذي، الصلة : لا يعرفني: جملة فعلية منفية بلا،
من خلال هذه التيمة كأن الشاعرة تهيّء المتلقّي إلى دخول عالم كتابتها ومعرفة مضمون الكتاب وما تحمله قصائدها من مضامين حتى لا يتفاجأ بالوجه الآخر أو الوجوه الأخرى لمنى الماجري التي عرفت في وسطها وفي أسرتها ومهنتها بالمرأة المثقفة، المرأة الهادئة، الأم المثالية، المربية الفاضلة والزوجة اللطيفة و. و. و. يجدها هنا أيضا المرأة القويّة، الصّامدة، المناضلة، المكافحة، الرّافضة للعادات الباهتة والتّقاليد الزّائفة والعقليّات المتخلّفة.. بالرغم ما تتمتّعها بصفات المرأة التونسية المحافظة… فهي بين قديم وحديث…
هذا الوجه الآخر هو نقيض الوجه الذي اعتادت عليه منى أو اعتاد عليه من يعرفها، وقريب منها..
لكنّ منى حين تريد، تُظهر ذلك الوجه المتخفي من خلف السّتار… ذلك الوجه الصّامت… تخرجه من قمقمه، من سجنه وتحرّره لمواجهة مجتمع ذكوريّ أنانيّ، لا يشبع أخذا ولا يريد أن يعترف أن للمرأة والأنثى حقوق وحريّة ومن حقّها في بعض الوقت لها وللنظر في خصوصياتها وممارسة هواياتها، للتّأمّل، للتّرفيه، للاختلاء بذاتها…
في هذا الوجه الآخر نتعرف على الشاعرة فنجدها منى الصّامدة، القويّة، منى الالهة عشتار، منى عليسة، منى الكاهنة… منى امرأة لا تخشى المواقف الصّعبة، تواجه مصيرها بالصّبر والحكمة والثّبات، منى الطّموحة التي تحقّق ذاتها وتنتصر لها.. وتكشف في النّهاية للجميع موهبتها كشاعرة وناشطة في البلديّة.. وفنّانة في السّينما… فهي منى التي تريد، وتتألق متى تريد… ويكون لها الوجه الآخر الذي يفرض ذاته عندما يجب…
** عتبة الغلاف:
لوحة الغلاف هي للرّسّامة هاجر ريدان وهي تعبّر فعلا عما جاء في مضمون الكتاب وفي تماهي تقريبا تام مع عنوان المجموعة الشعريّة.. الألوان تبدو داكنة حزينة.. عميقة.. ومن خلالها يمكن ملاحظة تواجد طيف لوجه متخفّ خلف السّتار المنسدل الشافّ.. يبدو للوهلة الأولى صورة لامرأة بملامح عاديّة ترتدي الكمامات وتضع على رأسها فولارا أو شالا.. كما تظهر عدّة خيالات لوجوه نساء أخريات من كل شكل ولون قبعن خلف الستار بالكاد نميّزها..هل هذه الخيالات والوجوه هي صور أخرى للشاعرة؟ أم هي وجوه متعدّدة لنساء المجتمع، العاملات، الكادحات، البسطات، المربيّات… والشاعرة تحمل وزرهنّ وهمومهنّ، تريد التّخفيف من مُصابهنّ بكشف المستور وتعرية الأوضاع الاجتماعية وما آلت إليه بلادنا المسلوبة…

ترى، من تكون تلك القابعة في الزاوية المظلمة خلف الستار… ؟ وماذا تُخفي في جعبتها من أسرار ؟

هل هي منى المربيّة الفاضلة التي تحمل رسالة نبيلة تربوية، توعية، تريد تقديمها للأجيال؟

هل هي منى المرأة التي فرضتها العادات والتّقاليد ونشأت في أسرتها البنت المطيعة المحافظة القنوعة بحياتها؟

هل هي منى الزوجة والأم الحرّة التي تحاول أن تحقّق توازن الأسرة بتلبية حاجياتها وإلقاء مسؤوليّة سعادة أفرادها على عاتقها، حتى إذا كان كلّ شيء على حسابها وحساب وقتها وصحّتها؟

هل هي منى الثّائرة على الأوضاع، فتمزّق الظّلام وتخرج للعيان لتبرز مواهبها وقدراتها وتثبت وجود كيانها في المجتمع ؟

هل… وهل… ؟
** عتبة التّصدير :
مهمّة في حدّ ذاتها، خاصّة وأنّ الشاعرة استفتحت كتابها بها وهي قولة ل: باسكال قينيار تقول:
الكتابة ليست غاية في حدّ ذاتها. الكتابة هي الحنين لفرح ما.
السّؤال الذي لا ينتهي ويظلّ مطروحا دائما وأبدا هو:
لماذا نكتب؟
لمن نكتب؟
كيف نكتب؟…
قد تتوافق الأجوبة عن هذه التّساؤلات وتتقاطع وقد تختلف وتتصادم… فلكلّ واحد غايته من الكتابة… أقول ربّما…
من خلال هذا التّصدير الذي لابدّ أَنّ الشاعرة تؤيّده بما أنّه من اختيارها نفهم أنّ الكاتب لا يكتب لفعل الكتابة أو لأنّه يريد أن يكتب شيئا ما… بل الحنين لفرح ما، هو الدّافع لذلك.. الإحساس بالفقد لشيء نعوزه، لشيء يبهجنا، لشيء يخرجنا من قلقنا وأرقنا، يخفّف من آلامنا وأوجاعنا هو ما يجعل الإنسان المبدع والمثقف يكتب… فهو يكتب بحثا عن سعادة، توقا لعالم أرحب وأجمل فيه حريّة وعدالة وسلام… يكتب ليعبّر عن هموم وقضايا عصره ويعالجها من خلال طرحه لها واستعراضها وتعريتها للوقوف على بعض الحقائق… وكذلك للتأمل والتفكير ومحاولة البحث عن حلول جذريّة ترفع من قيمة شأن الإنسان وإنسانيّته…
** عتبة الإهداء :
الإهداء مخصّص جدّا، فهو للعائلة المقرّبة والأسرة، فالشاعرة تشيد بالوالدين وما قدّما لها، ترى أنّ فضلهما عليها لا حدّ له، ثمّ إلى زوجها وابنائها فهي تراهم السّند والعضد الذي ترتكز عليه والأعمدة الأساسيّة لإقامة أسرة ناجحة، متحاببة، متعاونة..
وأخيرا إلى ذاتها وهذا ما يثير الملاحظة، فمنى تُكرم ذاتها وتحتفي بها كأنّها تريد مجازاتها على ما قدّمته وما تقدّمه للآخرين وما حقّقته من نجاحات على مستوى عائلي ومهني واجتماعي وحتى سياسي وهي الناشطة في البلدية والمسؤولة على الأم والأسرة والمرأة الكادحة في جهتها..
فهي فخورة بنفسها إلى درجة انها تشبّه ذاتها بالغيمة النّافعة إذ تقول هذه ال” منى تستحقّ الإهداء، فنضالاتها ورحلتها لا تنتهي.. وهي كالمطر حيثما ينزل تنبت خيراته التي لا تنفد…” فتقول بالحرف:
(إلى منى تحطّ بكلّ أرض ولا ينتهي ترحالها.)
ألا تُقر الشاعرة بأنّها كثيرة التّرحال ومازالت.. فهي كالزّاهد أو طالب العلم والمعرفة الذي لا ينزل أرضا إلا وأعطى وأخذ… رحلته لا تتوقّف ولا تنتهي… لأنه خلق لذلك… أو تلك هي رسالته..

فما هي رسالة منى؟
** عتبة تقديم الكتاب:
هي للشاعر عبد الحكيم الربيعي وهو صديق وأستاذ تعليم ثانوي وحامل رسالة معرفية وناشط ثقافيّ، له جمعية ثقافية، صاحب مهرجان البحر ينشد شعرا .. غير أني سأرجئ قراءته للمجموعة الشعرية إلى ما بعد إطلاعي على ما جاء في الكتاب وكتابة قراءتي المتواضعة دون أيّ أحكام مسبقة… حتى لا تتشوّش الأفكار عندي… ولا يُقال أنّي نسجتُ عليها…
** عتبة النصوص:
تعتبر النّصوص الشعرية العتبة الرّئيسية لهذا المنجز بل لبْه ومضمونه… ومحور الحديث…
عناوين القصائد متنوّعة، بعضها جاء مفردة واحدة في صيغة أسماء، مثل(طوفان، مطر، بحر، كورونا،..)، بعضها ورد مركبا (اضافيا، نعتيا، بدليا، عطفيا…)، مثل(مدرسة الحب، هذه البلاد، الأحمر والأسود،…) ، أغلب النّصوص متوسّطة الطول نسبيّا.. وبعضها قصيرة..
نصوصها تناولت في غالبيّتها قضايا مجتمعاتنا، ومعاناة أوطاننا العربية خصوصا بعد الثورة التي لم تجلب إلاّ الأسود والأحمر، الجهل والتخلف، الدّم والإرهاب… نصوص تعالج مشاكل وطنيّة، وانسانية واجتماعية وسياسية وثقافية… تناولت مشاكل الفقر، العلاقات الأسريّة والاجتماعيّة والصّداقات، الحريّات، العمل، الكفاح، النّضال، التّعب النّفسي، الصّمود، الأمل.. ونصوص تتغنّى بجمال الروح ومعانقتها للنّقاء، إذ نجد الشاعرة في نصّ “أنا الصيّادة* تفتخر بقدرتها على الاقتناص والصّيد، بل تبثّ القوّة والشّجاعة في القلوب الثّاكلة، المرهقة، المتعبة لكي تتغلّب على البؤس والحزن من أجل الفرح ومن أجل غد افضل.. تقول ص 50 / 51:

أتحوّل إلى صيّادة ماهرة
وقريبا سأجمع في قاربي كلّ الصّيادات
وسنقضي أمسية تحت شمس بحريّة حمراء جدّا
سوف نلقي إليها الشّباك
وعندما تعلق، نجرّها إلى قلب الزّورق، نحتجزها، ونبتزّها
ولن نترك سراحها حتى نهزم بها برد العروق
ونسدْ المنافذ على الحروق

نلاحظ الصّور الجميلة التي وظّفتها الشاعرة وقوّة البلاغة والاستعارات العديدة المستعملة لتوصل للمتلقي رسالة أنّ الحياة نضال وتعب وشقاء ومهما بلغ بالمرء الحزن عليه بعدم الاستسلام للاكتئاب وعليه بالقبض عليه والرّمي به خلفه وفي يمّ البحر وأن يتسلّح بالأمل..
لذلك تشير الشاعرة إلى ضرورة التّصدّي لمثل هذه الظّواهر فأطلقت عليها “انفلونزا ووباء” لأنها إذا حلّت بإنسان ما، فتكت به وأهلكته… فما على المرء سوى التّحلّي بالصّبر والقوّة والإيمان للمقاومة…
الشاعرة ترى ذاتها عظيمة وقوية بما يكفي، حتى أنّها صرّحت بأنها قادرة على السّير أو الطّيران في مهبّ الرّيح، وهي الخفيفة في وزن الرّيشة التي بهَبّة أو نفخة من جلباب تطير.. لكنّها تطير بإرادتها وحيث تريد.. تشقّ طريقها بعزم وثبات تاركة خلفها كل شيء، بل تلقى به وتنساه ولا تحمله معها حتى لا تثقل كاهلها وتتعطّل، فلا تحمّلها ما لا تقدر عليه، فما ينتظرها وتنتظره هو الغد والمستقبل الجميل.. ليس أكثر..
تقول في نص أنا الريح ص 84:

أنا الرّيح
أمرّ، لا أذكر شيئا، لا أحمل شوقا
ولا ألما ولا لوما
لا شيء لي
وكل الآتي لي
أنا.. مااا أخفّني
يكاد الجلباب يطير بي
ولا أرض موعودة…

ولكن، هل تكفى القوّة والفكر والأمل للانتصار على المشاكل والأزمات؟ فأحيانا الجبل وعظمته يُهدّ والإبل وقوّتها تبرك..
تقول الشاعرة أنّ القوة أحيانا تضعف فجاء في نصّ “جوارح مرهقة” ص 83 :

من قال إنّ الجوارح لا تتعب
ولا يُضنيها برد القمم عند المساء؟

وبما أنّ العالم أظنّه قد أفاق اليوم، فقد عاش على كارثة جائحة الكورونا التي أثقلت كاهل الجميع، أتعبتهم، أربكتهم، أرهقتهم، أفقدت الكثير أحبابهم، فبات العالم أسير هذا الكوفيد فألزم الجميع ديارهم، عطّلهم عن مصالحهم وأعمالهم… ، كلّ الدّول عانت من هذا الوباء حتى القويّة والغنيّة فما بالك بالدّول النّامية والفقيرة، وما بالك بالفقراء والعاطلين وبُسطاء الحال والطّبقة الشغيلة…
لقد تحدّثت الشاعرة منى الماجري كما تحدّث أغلب وجلّ أدباء وشعراء ومثقفي العالم عن الكورونا فذكرت في نصّها ” كورونا” شكوى الموظّف البسيط، العامل، العاملة، المنظفة، الطّالب، المهاجر والابن في الغربة، الشّاب والشّابة في البيت، عبّرت عن ضجرهم من السّجن الذي زجّوا به غصبا عنهم، عن الفقر والعوز الذي أصابهم وضاعف من تعاستهم، عن حرمانهم من الخروج للعمل، للدّراسة، للتّرفيه، للتّسوق، لزيارة البلد، لملاقاة الأهل والأصحاب والأحباب، للذّهاب لقضاء أبسط الأمور كالذّهاب إلى الحمام أو زيارة المقبرة… وذلك خوفا من جلب الموت بانتقال العدوى عند التّجمعات والمصافحة والتّقبيل والعناق.. فالإنسان كائن مدنيّ، يحبّ الألفة والأنس فكيف يستطيع أن يعيش بمفرده معزولا عن الآخرين أسير جائحة لم يجدوا لها حلاّ ولا دواء سوى الالتزام بالبروتكول والحجر الصّحي والتّباعد الجسدي وحظر الجولان… عساه ينقذ حياته وحياة غيره..
تقول الشاعرة في آخر نصّ كورونا ص 39 :

في زمن الكورونا عليك بالموت حتى تبقى حيّا…

بهذا أختم قراءتي للمجموعة الشعرية “وجهها الآخر الذي لا يعرفني” للشاعرة منى الماجري والذي تناولت فيها قضايا متنوعة بلغة لها جماليتها وأسلوب مرغّب، مشوّق، رشيق وبفنيّات بلاغيّة كافية لشدّ المتلقّي بما وظّفته من صور شعريّة متنوّعة ودلالات واستعارات وايحاءات كثيرة.. وحتى لا أفسد على القارئ شهوة الاكتشاف والرّغبة في استكشاف ما لا يعرفه عن الشاعرة أتركه يبحث عن وجوه أخرى لها من خلال نصوصها.. أو عن الوجه الآخر الذي ترفض منى أن تختلط به ولا يُمثّلها…
ونظلّ نقرأ حتى لا نموت..
ونكتب حتى لا نموت…
فالكتابة مقاومة وأمل وتجديد للمشاعر والأفكار.. ومُصالحَة مع الذات والآخرين، وشفاء لكلّ الأمراض…
فأن تكتبَ فأنتَ تحيا…

سونيا عبد اللطيف
تونس 29 /05 /2021

One Reply to “قراءة انطباعية في ديوان”وجهُها الآخر الذي لا يعرفني” للشاعرة منى الماجريبقلم الشاعرة سونيا عبد اللطيف من تونس.”

  1. دراسة قيمة و عميقة ولجت ذات الشاعرة وتاريخها وابعاد نصوصها و نا تصبو اليه من فرض للذات الوجودية
    رغبة في التحرر واقتحام العصر و التفاعل مع المحيط
    برافوا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*