الملتحفة بالقمر “الشاعرة فاطمة عبد القادر” بقلم الكاتب جلال المخ من تونس.

اقتحمت الأستاذة فاطمة عبد القادر السّاحة الثّقافيّة أو المشهد الشّعريّ في تونس بجيش من القصائد يناهز المائة والأربعين نصّا،أربعة وسبعون منها حواها ديوان “رحيل الورد” واثنان وستّون شملتها مجموعة “جارة وجه القمر” وقد صدر هذان الكتابان في شهر ماي 2021 عن دار الثّقافية للنّشر.
و المتأمّل في هذا الكم الهائل من النّصوص يلفت انتباهه غلبة موضوع أو غرض على غيره من الأغراض بصفة واضحة وجليّة وهو موضوع الحبّ أو العشق الّذي تمثّل النّصوص المرتبطة به ما لا يقلّ عن تسعين بالمائة من جملة ما كتبت الشّاعرة.
وموضوع الحبّ وما يرتبط به كم هائل من النّصوص عالجت فيه المؤلّفة أحوال العشق والوله وعلاقة المحبّ بالمحبوب وما يحفّ بها من شوق ووصال وغيرة وعتاب وغزل ودنف وألم وفرحة ونشوة وخيبة وأمل ووداد إلى حدّ أنّ هذين الكتابين وما احتويا عليه من نصوص تنخرط في هذا المسار يكادان يكونان طوق حمامة في الألفة والإلاّف آخر وضع بطريقة شعريّة أو غيره من كتب الحبّ مثل *روضة المحبّين * و “أخبار العشاق” وغيرهما مما تزخر به كتب التّراث الكتابيّ العربيّ.
وشخصيّة الشّاعرة حاضرة بقوّة في هذه النّصوص العشقيّة وهي تطوف بالقارئ وتأخذ بيده ليشاركها في اكتشاف أدقّ التّفاصيل ومختلف الأطوار الّتي تتّسم بها علاقة العاشق بالمعشوق.
وتقمّصت الشّاعرة في أغلب النّصوص دور الشّخصيّة المحوريّة سواء كانت عاشقة أو معشوقة وهي في كلتا الحالتين صعبة المراس متمسّكة بمثاليّة ايروتيكيّة ترتبط بعدّة مواصفات أو شروط يجب أن تتوفّر في الطّرف المقابل الّذي جاء في نصوصها رجلا ما انفكّت تحاوره وتخاطبه وتعاتبه وتلومه وتشتاق إليه وتصبو ممطرة إيّاه بوابل من عبارات العتاب الّتي تبلغ اللّوم أحيانا وتطالب بأن تتوفّر فيه عدّة شروط تجعله العاشق الأمثل الّذي ترتاح إليه وتستكين مشاعرها إزاءه وجاءت نصوصها في هذا المجال طافحة بالمعاني الطّريفة وشتّى أنواع الصّور المستحدثة والمتنوّعة.
لا تمثّل دور طفل لا تبالي
فالفراق قدّ روحي
والنّوى يا قلب
قد زاد اشتعالي(دعها تمضي غمغماتي: ص21
أو:
تعال تعال ولا تتكبّر
وردّ إليّ المسا حين يُدبر
وردّ إليّ شبابي الجميل
وردّ لقلبي الورود لتزهر لا تتكبّر: ص24 ١
أو :
كيف أحطّم فيك التّعالي
وكيف أحطّم فيك الغرور:عاد السؤال ص 57 ١.
تتميّز الشّاعرة بكبرياء شديد لكنّها تكره الغرور و”تطلب في الحبّ مثلا بمثل” وتشترط الصّدق وتزدري الخيانة والتّلاعب بالمشاعر الصّادقة والكذب المنمّق بالوعود الزّائفة والمزوّقة.وأقلّ ما يقال فيها من خلال نصوصها أنّها عاشقة مثاليّة تجعل الحبّ بمثابة سرّ الحياة ومعنى الوجود لذلك تملي شروطها وتقسو أحيانا حتّى على نفسها لكي تبقى وفيّة لتلك المبادئ وتضرب مثلا للوفاء والنّقاء قبل أن تطلبه من غيرها وهي في ذلك رغم رهافة حسّها ورغم غرقها أحيانا في بحور من الحزن واليأس شديدة على نفسها وشديدة على عاشقها حتّى لكأنّها تضفي على الحبّ قداسة تعكس طهر المشاعر وصدق النّوايا وصفاء السّريرة لأنه لا معنى لحياة إذا انبنت على علاقات زائفة ديدنها الخيانة وسمتها الرّياء والنّفاق والاتّجار بالمشاعر والدخول في مسرحيّة سافلة ووضيعة تلطّّخ الأحاسيس التّلقائيّة والصّافية بشتّى ضروب المكر والبهتان وأوحال الغدر والتصنّع.
وفي هذا الإطار تهاجم العقليّة العربيّة المتخلّفة الّتي تعتبر المرأة وسيلة لإشباع شهوات الرّجل وتفرّغها من إنسانيّتها وتضربُ بالمحق كرامتها وأنفتها وتلحق بها أصناف أذى وإهانة كبيرة.
أبيات شعرك تذكّرني
بعقدة عقل العربيّ
تخنقتي بين أوراق دفترك
كجرم تخفيه عن كلّ أصحاب الحيّ
أبيات شعرك تجعلني
امرأة بوطن منسيّ: (انا في عقل العربيّ)ص111\٢
ولهذا السّبب نبذت في قصائدها ما أسمتهم ب “بقايا الرّجال” وانثنت في نصّ آخر تبحث عن عكس ذلك بالضبط وترنو إلى “أغلى الرّجال” ذلك الّذي تسبغ عليه أحيانا أحسن الصّفات “الملاك” وهو أحيانا أخرى “تمثال الحبّ”الّذي يستحق وصل هذه “الشّاعرة ذات المبادئ”والّتي تسمّى في أحد النّصوص “بالسّاحرة” وسحرها لا يقتصر على جمالها وفتنتها بل يشمل كذلك سحر قولها وبديع قصائدها وجيّد إبداعها.
وتريد الشّاعرة أن تبرز في صورة امرأة عاشقة قويّة وما يمنحها القوّة هو مصارعة ضعفها ومقارعة غدر المشاعر والاستسلام لمشيئة العاشق لذلك لا نراها تخفي هذا الضّعف لكنّها تمعن في تحدّيه وعدم الرّضوخ لقوانينه مستعملة في ذلك وسائل شتّى ومتوسّلة بأساليب عديدة فهي تعلن عن وجعها صراحة في أكثر من قصيد وتطلب من “اللّيل أن يتمهّل” حتّى تستجمع قواها وتشرب “خمرة الحبّ”لتجد فيها أسوة ومعونة وكذلك تتوجّه بالدّعاء إلى “إله الحبّ” عسى أن يتقبل دعاءها ويبعث فيها القوّة والثّبات على مبادئها وعلى الصّورة المثاليّة التي رسمتها لنفسها رافضة نهائيّا أن تكون كما تقول” أنثى ماكرة” تتماشى مع متطلّبات الذّهنيّة العربيّة الذّكوريّة الّتي عشّشت في أفكار الرّجال والنّساء على حدّ سواء .
إن المؤلّفة في كلّ هذه الحالات لم تفصل ولو للحظة بين موضوع الحبّ وبين مجال الشّعر وجعلت بينهما تداخلا عميقا جعلهما ملتصقين التصاقا وثيقا يجعل من الحبّ شعرا ومن الشعر حبّا.
وإذا كانت العاشقة شاعرة فإنّ العاشق شاعر كذلك مهما كانت صورته ومهما تنوّعت مواقفه فهو:
سلاحه بعض القوافي
وبالحرف طعم
فلا تأمني شاعرا من ورق : خذيه ص 19\١.
وآلام العاشقة الشّاعرة تضحي أوجاعا مضنية وآلاما مبرحة تقصم ظهر القصيد:
جذع القصيدة متعَب من فقدك
قد أرهق نصّي
حزن قافيتي : وجع القصيدةص41\١.
وقصيد الشّاعرة ناقص غير مكتمل وأنوثتها بالتّالي غير مكتملة إذ لم تتضمّخ بعطر القصيد وإذا لم يشرق فيها وجه الحبيب كالقمر المنير:”حينها ستكون القصيدة كاملة..
ويكون الحبّ كاملا
واللّيل كاملا
والقمر كاملا: القصيدة التاقصةص105\٢.
ويبلغ هذا التّمازج أقصى مداه في قصيدة “الحبّ خارج دفاتري أروع”ص65\١ إذ تقول:
“وأمارس الحب
والشّعر…والقتل
وأمارس طقس الاختيار”
ذلك الّذي يذكّر بطقوس الكتابة الشّعرية وأجوائها.
وتقول في نفس النصّ:
هناك الحبّ بلا قواف
بلا نقاط بلا فواصل
وجسدي ….
بلا بحور تقيّده
إنّه تماه عجيب إلى حدّ الانصهار أبدعت الشّاعرة في تصويره أكثر من مرّة دليلا على أنّ القصيدة عشق وأنّ العشق شعر ولا تكتمل القصيدة إلاّ إذا تجسّد الحبّ في نصوص شعريّة،والشّعر يمارَس كالحبّ والحبّ له قواف أولا والقصيدة ناقصة كما ذكرت إذا فشل الحبّ وانعدم التّجاوب بين المحبوبين وهذا الإلحاح على ترابطهما يجعلنا نتساءل عن حبيب الشّاعرة فإذا كان الإله إله شعر فإنّ الحبيب شاعر والحبّ قصيدة عشق مجنون أفلا يكون الحبّ هو عشق الشعّر والحبيب هو الشّعر ذاتُه و ممارسته هي إبداع القصيد وسبك لمختلف صوره ومكوناته.
وهذا ما يفسّر غلبة غرض الحبّ في شعر فاطمة مادام الحبّ ليس في نهاية الأمر سوى الشّعر ذاته….
إلاّ أنّ هذه السّيطرة الكثيفة لموضوع الحبّ على الكتابين والّتي تشمل كلّ محتوياتهما تقريبا لا تمنعنا من البحث عن إمكانيّة وجود أغراض أخرى تناولتها وأفردت لها قصائد أو أدمجتها في موضوع الحبّ عامة .
ويجلب اهتمامنا سريعا نص بعنوان “أين النّبيّ “ص52\١وهو نصّ يندرج في غرض الرّثاء خصّصته الشّاعرة لوالدها الّذي بوّأته مكانة مقدّسة في نفسها وشبّهته بالنّبيّ وصوّرت تعطّل الحياة وجمود الوجود بعد رحيله:
أين أبي…أين النّبيّ
وحقول القمح في كفّيه لا تنتهي
وسطور القول من شفتيه
كآيات النّبيّ…
ولم يخصّص النصّ لذكر مناقب الفقيد كما اعتيد في هذا الصّدد بل ألحّ على تصوير الصّدمة النّفسيّة الّتي داهمت الشّاعرة وغمرت عوالمها بالفراغ وانعدام الحياة.
ويمكن أن نربط هذا النصّ بقصيد عن الدّهر والتبرّم والشّكوى من قسوته ومن صنوف الخطوب الّتي ضرب بها الشّاعرة،وكذلك نصّ “حلم وغيمة” الّذي موضوعه الطفولة والّذي تسترجع الشّاعرة فيه أيّام صباها الّتي كان يملؤها حضور الأبوين يغدقان عليها العطف والحنان وهذا الارتداد هو هروب من حاضر أليم مليء بالفواجع.
أما غرض الطّبيعة كما في نصّ “فصل البداية”ص74\١ فهو لم يستخدم في رأينا إلا لخدمة موضوع الحبّ وتدبيجه بمختلف الصّور الطّبيعيّة الّتي ترمز إلى نشوة الحياة في كهولتها وطفولتها بين أحضان الطّبيعة والحياة والحبّ .
أمّا ما يمكن أن نعتبره غرضا كاملا اهتمّت به الشّاعرة وخصّصت له بعض النّصوص فهو التزامها السّياسي والاجتماعي الّذي يصوّر الواقع الاجتماعي في تونس بعد ما يسمّى بالثورة وفيه حملة شعواء على السّاسة الّذين عبثوا بمصالح الشّعب وخدموا أغراضهم الشّخصية ولا تبدي الشّاعرة إزاءهم أي شفقة وتنعتهم بأبشع النّعوت بل تلعنهم وتشتمهم في حملة انفعال هوجاء تدلّ على انتصارها للإنسان وخاصة للمواطن الّذي يعيش الخصاصة وتذهب حياته هدرا ويسام المهانة واللّامبالاة والاستغلال الفاحش الرّهيب.وقد مسح هذا الغرض أربعة نصوص على الأقلّ هي “ذراري الكلاب” ص58\١ الّذي لا تعتذر فيه عن الانسياق في المباشرة والسبّ والشّتم المقذعين:
يجوز السّباب
بحقّ الكلاب..
ونجد الأمر نفسه في قصيدة خسئتم ص65\٢ إذ تقول:
خسئتم خسئتم
بهذي السّياسة
تصلّون جهرا بكلّ النّجاسة
أما نصّا(الخائن عبث بغذائي”ص60\١و(حسبوا حبّات القمح )ص87\١ فيخصّصان لتصوير مظاهر الإستغلال وسياسة التّجويع وامتهان حقوق الإنسان بطريقة لا تخلو من فنّيّات شعريّة وصور بلاغية.
إن الشّاعرة الّتي تؤمن بالحبّ نبراسا للحياة في هذا الكون لابدّ أن تثور على مظاهر البؤس والتّخلف والاستغلال لأنّها تمنع هذه الحياة وتحول إمكانياتها إلى استحالة،وهذه المرأة ذات المبادئ والمثل لابد أن يكون لها التزام اجتماعيّ وسياسيّ وموقف فكريّ وعمليّ من كلّ ما يدور حولها من أحداث وكلّ ما يجري في السّاحة السّياسيّة وفي كلّ طبقات المجتمع.ونظرتها المنتصرة للإنسان عامّة والمواطن التّونسيّ خاصّة هي الّتي جعلتها تكتب قصيدا عن فلسطين وآخر عن العراق إيمانا منها بأن مصير الشّعوب العربيّة واحد وأنّ ما يمسّ العراق يؤثّر في تونس وأنّ قضيّة فلسطين هي أمّ القضايا العادلة لا في الشّرق الأوسط فقط في العالم بأسره.
إنّ اللّغة الّتي تستعملها الشّاعرة في صياغة قصائدها لغة مفهومة يسير استيعابها من قبل القارئ وهي لا تبحث عن التّعقيد لأنّها حمّالة رسالة هدفها الأوّل نفوذها إلى عقل القارئ وإلى قلبه.
والشّاعرة أستاذة متمكّنة من العربيّة الفصحى تنتقي منها ما تشاء من الالفاظ والمفردات لتصوغ بها صورا شعريّة طريفة فيها كثير من الصّنعة ومن أساليب البديع والبيان لذلك جاءت قصائدها على قدر كبير من السّلاسة يقبل القارئ عليها بشغف وتربطه بخيط خفيّ يجعله يقرأ بمتعة ويأتي على كامل القصيد براحة وتلذّذ .ولعلّ صياغة الصّور الشّعريّة وتبليغ المضامين الفكريّة والوجدانيّة والعاطفية والسّياسيّة ببساطة أصعب بكثير من تغليفها بالأساليب المعقّدة والتّراكيب الثّقيلة.
وقصائدها جاءت على التّفعيلات العروضيّة وخاصّة منها فعولن وفاعلن وفاعلاتن ومفاعيلن وكأنّها تفعيلات غنائيّة موسيقيّة تحدث في الأذن طربا وفي النّفس وقعا لطيفا ورغم أنّها تريد إيهامنا أنّها تنتمي إلى الشّعر الحرّ من خلال توزيع بصريّ مخاتل إلاّ أنّنا يمكننا بيسر إعادة تركيبها في بحور خليليّة كلاسيكيّة بصدورها وأعجازها تماما كما هو الأمر بالنّسبة إلى نزار قبّاني وقصائده الّتي نجد الشّاعرة متأثّرة بأجوائها و طقوسها وتقنياتها وأساليبها في مواضع كثيرة ممّا يمكن أن ننسبها دون أي إشكال إلى المدرسة النّزارية الكلاسيكيّة الحديثة رغم استخدامها لكثير من الآليّات الجديدة..ولا يصل بنا الأمر إلى أن نقول إنّ قصائد فاطمة صدى لقصائد نزار لأن لها شخصيّتها وخصوصيّاتِها لكنّ حبّها لنزار واضح إلى حدّ أنّها عارضت قصيدته الشّهيرة”إنّي خيّرتك فاختاري” بقصيد عنوانه”يعود يضرب إعصاري”ص129\١ تقول فيه فاطمة :
في سورة غضبي أهجرك
تدهشك حماقة أفكاري
أعود إليك أغازلك
أعود أقدّم أعذاري
وتعود للجور مرارا
ويعود يضرب إعصاري….
إن ديواني” رحيل الورد” و”جارة وجه القمر” مفاجأة شعريّة سارّة كشفت لنا عن شاعرة مقتدرة تمسك بناصية الكتابة بكلّ مهارة وصنعة ومبدعة ملتزمة تعشق الحياة والحريّة والشِّعر وترى من خلال كتاباتها الغزيرة أنّ الحياة قصيدة كبرى يغمر أكوانها الشّعر ويحرّك أحداثها الحبّ.
جلال المخ
حمام الانف 15نوفمبر2021
١:رحيل الورد
جارة وجه القمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*