دراسة نقدية للكاتب ابراهيم عدنان عن ثلاثية “نشوة” بقلم الكاتبة حنان بدران من فلسطين.

في ساعة إغراء، وضعَ أنامله على بقايا كلماتٍ، وأثرِ قُبْلةٍ، وقذيفةٍ ابتلعتْ نصفَه الأسفل..
صرخة
كل تلك الأقلام لَبِستْ ثيابَ السُلطة، حين بقيَ مصراً على موقفه، سُكِبَ الحِبرُ؛ وتغيرَ لون جسدهِ..
لذة
أخي المُجرثم بأوبئة الخذلان، مطاردٌ حتى في حلمه،
احتضنته مقابرُ النسيان،اسمع أنينَ الريحِ، وهو يحدثها
عن دفءِ ترابِ الوطن..
ابراهيم عدنان


قراءة في العناوين

ثلاثية في زمن الحرب واللاسلم
وكأني بحكايات من زمن اللهيب لا نشوة تكتمل ولا صرخة تسمع أنين الخبث الساري بالجسد العليل
ولا لذة تحتضن أجسادنا سوى دفء التراب
ثلاثة عناوين وإن كانت غير كاشفة للمحتوى إلا أنها كانت محتوى آخر ورواية أخرى لزمن انفض فيه الحب بالخذلان والقسوة في كل ما يحيطنا وآخر ما نكتشفه أن الاحتواء للدفء بهذا الزمن لن يكون إلا بالاستسلام
بالموت والخلاص النهائي للأنسان المعذب .
قراءة بعمق النصوص


نشوة
وما نفع أن نعيش انصاف اللحظات لنكتشف بعدها أنها كانت الأخيرة وللأبد فينا ؟!
هي الحياة التي باتت تلاحق أجمل اللحظات وتغتال الحلم الضائع فيها .
في زمن اللهيب والعطش سنبقى ذلك الاغراء الذي تحلم به ولا تطاله.
حين يكون الزمن فينا خير قناص لاحلامنا يغتال اجمل ما فينا كيف لا يرحل الحلم بالنشوة بالحاضر والماضي واللحظة ونبقى بقايا سراب الحقيقه.


صرخة
صرخة المظلوم ماذا تفيد حين يكون الحاكم والقاضي هو ذاته جلادك وهو يرتدي ثياب السلطة المطلقة ماهي إلا مفسدة مطلقة، سيكتب التاريخ مهما كانت صرخاتك موجعة ومؤلمة وسيكون هناك دمغة حبره على حنجرتك وجسدك وأنت ترتدي ثوب المذنب بلا ذنب سوى أنك رافض والرافض دائما وأبدا سيكون تحت سياط الجلاد وهو كفيل بأن ينهي كل ما فيك ويحولك لإنسان آخر كما يريد .
هكذا تكون الاوطان المحكومة بالحديد والنار والسلطة تنفرد بيد شخص لا حسيب فيه ولا رقيب ولا ضمير ..
بالمطلق قصتك القصيرة جدا ذكرتني بدراسة قرأت عنها حديثا ..
قام بها دكتور جامعي على الطلاب حيث طلب منهم أن تكون السلطة المطلقة لهم وبيدهم وبلا أدنى عقاب وتركهم يمارسون سلطتهم بكل الصلاحيات المطلقة
إلا أن هذا الدكتور اكتشف أن هؤلاء الطلاب المتفوقين
المتميزين خرج منهم نسخة سادية متوحشة ومازوشية مخيفة مما جعله يقف التجربة فورا .
وهذا انزياح جميل وحقيقي لواقع السلطات التي بتنا نعيشها باوطاننا العربية .


لذة
أي لذة تلك التي تحتضن كل جراثيم الأوبئة والخذلان تلك وكل أحلامنا فيها تحتضنها مقابر جماعية ندفن فيها كل بقي من جثث أجسادنا التي تحملها ونسير فيها بلا حلم بلا قيمة بلا هدف ، سوى أن تنقذ الحياة التي تنازع الحياة فيها .
المنطلق المطلق هنا أننا بتنا بمقابر جماعية ندفن فيها تحت عنوان وطن نسكنه.
واقصى أحلامنا بات الموت الذي نلوذ فيه إلى أي حضن يجمعنا حتى وإن كان تحت التراب .
واضح على سطح التراب مات الكون ورحل بالنشوة وباتت صرخاتنا لا تسعفنا ولا تشفينا
وباتت اللذة الوحيدة التي بتنا نحلم بها ولا نطالها هي لذة الموت ودفء التراب .

قراءة بالعموم حول النص

في عالم يحتضر وبات الكفن الوحيد فيه هو صراخ الصمت فكل ما فيه يزعق بوحشية ويركض بلا رحمة صار الانسان يحمل رأسه مرغما إلى أن استحالت المدينة إلى مطار مزدحم من الطائرات الشيطانية والشظايا العبثية والألعاب النارية التي بيد طفل مشوه من الداخل نزق لا يتورع أن يمارس الانزلاق على رأسك وعلى صفحة جبينك ، وعلى عنقك إن شاء صاعدا هابطا ..بمعوله بطريقة مرعبة .
وحياتنا في زمن الأوبئة المجرثمة استحالت لدوامة من الصراخ الدائم ..
كلنا تعودنا على الصراخ اللامجدي من الصراخ الجماهيري بحيث تواجه الكوارث بمظاهرة احتجاج ونساند زعماءنا بمظاهرة تأييد تناقضات باتت تضم كل شعاراتنا والمتمرد مهزوم بلحظة ما حين تكون ردات فعله بدائية عاطفية هوجاء والراضي يمثل الرضا ويهرب إذا لماذا !؟!
لانه جبان وكل منا مهزوم فينا على طريقته .
لهذا تحولت أعماقنا إلى ستيريو صاخب من المآدب على مآتم حياتنا حين استحلنا إلى أصوات موؤودة ، ومجدلية رجم ، لا نشوة حقيقية ولا صرخة تسمع
ولا لذة تحتضن أجسادنا سوى دفء التراب.
واضح الاستسلام بالنهاية للحالة والصدى يخفت في أقبية مسحوقة وتجهض وترمى في زوايا معتمة ومسحوقة .
القصص الثلاثة حملت لنا رسم واقعي كأنها فيلم عربي ثلاثي الابعاد وهو يحمل جثة هامدة إثر إصابته بطلق ناري وبات ثقلا ثقيلا على اعتاق والكاتب ا.ابراهيم عدنان وبات الكل فيها يتمنى الموت ودفء التراب عوضا عن الوقوف عن الوقوف عن الكوارث التي تعترينا وتمزق نشوة لذتنا وتمحي اجمل لحظات حياتنا وتلغي كل أثر جميل فينا .
استنزفني الرسم البياني للثلاثية في ققج حملت الكثير الكثير من نزف واقعنا المرير المعاصر الذي نعيشه للوهلة الأولى وأنت تتعمق بالقصص الثلاث يبدأ عقلك يرسم صورة الواقع الذي نعيشه ويربط الأحداث ببعضها البعض ليخيل إنك شكلت رواية الواقع بشكل مقتضب .
تساؤل اخير على الثلاثية التي رسمها لنا هو عدم عنوان رابط للثلاثية تجمعها جميعا مع بعضها البعض ؟!
بالعموم عمق النصوص التي تؤثر بالمتلقي هي نظرية توفيقية تجمع بيت جمالية النص وجمالية تلقيه استنادا إلى تجاوبات المتلقي وردود فعله باعتباره عنصرا فاعلا وحيا يقوم بينه وبين النص تواصلا وتفاعلا ينتج عنه تأثير نفسي ودهشة انفعالية ..ليمتد إلى تفسير وتأويل فحكم جمالي استنادا إلى موضوع جمالي ذي علاقة بالوعي الجمالية ومن هنا تحدث اهتماما في العلاقة الجدلية الموجودة بين النص وقرائه وليس القارئ وحده بالعموم النص الذي لا ينفجر داخل المتلقي ويتشظى فيه هو نص ناقص لأهم الظواهر البارزة التي تلفت الإنتباه في الققج ظاهرة تراكب الجمل ، وتتابعها في سياق النص من أجل تأزيم العقدة ، وخلق التوتر الدرامي ، بتسريع وتيرة الجمل ، ولا سيما القصص التي تسرد بواسطة الجمل الفعلية المسردة .
التي تصور حركية الأحداث وسرعتها الانسيابية مثل : اللقطات السينمائية السريعة والوجيزة.
وكما قال خوصي لوتانو: “أن لكل نوع سرد درجة عالية داخلية خاصة به Tempo، أي : درجة سرعة خاصة بها ، ولها توتر آخر ، وهي تعتمد على المحذوف والتشذيب ، والتركيب والمقتصد ة، والبنية الموجزة الدقيقة والمعمقة “
وهذا ما التقطناه في القصص الثلاث فإنها تطرح أسئلة كبيرة بكلمات قليلة .
بالنهاية لا ادعي الكمال هنا ولكن ادعي العمق الذي استوقفني فيها ..
تحياتي للكاتب ا.ابراهيم عدنان رسما وشكلا وقلما .
الناقدة
حنان بدران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*