العالم الافتراضيّ… ميتافيزيقا العصر! بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

ما الذي يجعلنا نُقرّ في الرّبع الأوّل من القرن الواحد والعشرين أنّنا بصدد بناء عالم مثاليّ خياليّ جدّ نظريّ يُسمّى ب “العالم الافتراضيّ”Le monde virtuel؟ وقد يكون هذا العالم غير غريب عن العالم الميتافيزيقيّ الذّي بناه والتجأ إليه سقراط وأفلاطون وأرسطو وامتدّ ليَجْرِفَ معه قرونا لاحقة من الفكر الفلسفيّ والدّينيّ وغيرهما! قد يرى البعض أنّ هذه مقاربة غريبة ومُفْتَعَلَة مُسْتبْعِدا كلّ إمكانيّةٍ للتّشابه بينهما ضنّا منه أن العالَمَيْن متباعِدَيْن في الزّمان وفي المكان وفي المحتوى بل قد يذهب إلى تأكيد مدى التّعارض بينهما بتِعِلّة أن العالم الميتافيزيقيّ هو نتاج فكر مثاليٍّ ومتخلّف وضيِّق في حين أن العالم الافتراضيّ هو زُبْدة ما وصل إليه الفكر البشري من رقيّ وتقدّم علميّ لا يُضَاهى!

فعلا هذا ما يبدو لنا ظاهريًّا. وهل هناك من يَنْكر فضل العلوم والتِّكنولوجيات المعاصرة وما قدّمته للبشريّة من إمكانات تعامل رقميّ وخدمات تتزايد كلّ يوم داخل شبكات تواصل لم نعد نعرف لها حدود؟!. لكنّها خَلَقَتْ لنا في الآن نفسه عالما آخَرَ غير العالم الواقعيّ يُمكن تسميته في هذا المجال “بالعالم المثاليّLe monde idéal” الذي يَتَنَاغَم في دواعي مَنْشَئِه ومحتوى تصوُّراته وغاياته مع “عالم المثُل” لأفلاطون بحيث يمكن الإقرار منذ البدء أنّ إنسان العصر وقع في نفس المأزق الميتافيزيقيّ الذي وقع فيه إنسان العهد اليوناني والعصور الوسطى باختلاف النُّعوت والتّسميات والمصْطلحات ليس أكثر! وسنتعرّض في هذا التّحليل إلى تأكيد هذه المقاربة، بالبدء أوّلا بالوقوف عند مفهوم الميتافيزيقا كما حدَّدَهَا أصحابُها من فلاسفة اليُونان ُثمّ ثانيا نطرح الدّواعي التي دفعت هؤلاء إلى تأكيد مدى أهميّة العالم الميتافيزيقيّ في مقابل العالم المادي ومدى انعكاسات هذه الثّنائيّة المتضاربة «Dichotomie »على الفكر ومنتجاته عموما. ثمّ أخيرا التَّعرّض إلى دواعي ومُبَرِّرات سقوط الفكر المعاصر، نتيجة تقدّمه الهائل في مستوى الاعلاميّة والتّكنولوجيات المعاصرة وسكناه داخل هذا العالم الافتراضيّ، في فضاء ميتافيزيقيّ يكتسي ثوباً معاصراً يحتوي على نفس خصوصيات الفضاء الميتافيزيقي القديم من حيث البناء والملجأ على الأقلّ أثّثته “بَرَادِغْماتdes paradigmes ، و”نماذج des modèles” وتصوّرات رقميّة ذات أصول رياضيّة صِرْفة فأكّد من جديد هذه الثّنائيّة المتَضاربة بين عالم فيزيائيّ حسّيّ وماديّ وواقعيّ وملموس، وبين عالم افتراضيّ لامادّي اعتبره مَلْجَأه الوحيد.
1-في دلالة الميتافيزيقا ودواعي إقرارها:
سوف نُوَظِّف في هذا الجزْء من المقال المفهوم الّذي يستجيب مع أهداف التّحليل دون التّعمّق الأكاديميّ الفلسفيّ ودون التَّعرّض إلى اختلاف الدّلالات وتنوّعها ولا حتّى مضامينها العميقة إذ ما يهمّنا هو كيف برز هذا المصطلح وما مفهومه خاصّة عند كلّ من أفلاطون وأرسطو ولماذا جعل الفكر الفلسفي في تلك المرحلة من الميتافيزيقا العلم الأساس لكل العلوم الأخرى وكيف استجاب لفكرة عالم المثل الافلاطوني؟
الميتافيزيقا هي مصطلح يونانيّ مركّب من كلمتين: Meta وتعني “ما وراء” أو “ما بعد” و Physika وتعني ” الطَّبيعة أو الواقع الفيزيائيّ” فهي من حيث المصْطلح تعني “ما بعد أو ما وراء الطّبيعة” ولا يعود هذا المصطلح إلى أرسطو بل استعمله شرّاحُهُ لوصف الكُتُب التي جاءت بعد أعماله في المسائل الطّبيعيّة الفيزيائيّة فكان المعنى الذي أخذه هذا المصطلح هو “معنى ترتيبيّ” يخصّ كل ما كتبه أرسطو حول الوجود المطلق ومبادئه وعلله ومفاهيمه المحضة التي كتبها أرسطو بعد كتاباته حول الطّبيعة والفيزياء وقوانينها، وقد سمى أرسطو هذا المبحث “الميتافيزيقي” “بالفلسفة الأولى” وعرّفها ” بعلم الوجود بما هو وجود” أي علم المبادئ والعلل الأولى، وهي بالتّالي أصل كلّ علم. وقد أخذت هذه البحوث مع أرسطو وأتباعه قيمة قُصوى ومكانة أنطولوجيّة متعالية جدًّا لأنّها تَرْقَى إلى إثارة ومعالجة ما لا يُمْكِن حضوره ضمن الإطار الطّبيعيّ والفيزيائيّ الواقعيّ الماديّ، فإن كنّا في العالم الفيزيائيّ نتعامل مع الأشياء المحسوسة والملموسة المتغيّرة والمتحوّلة والزّائلة بحيث يُمكن أن يُوصف هذا العالم الماديّ بعالم “الكون والفساد” بعبارة أرسطو فإن العالم الماورائيّ أو الميتافيزيقيّ هو عالم نظريٌّ بالأساس ثابتٌ في مبادئه دائمٌ وخالدٌ وهو بالأخصّ عالم مُنظَّم وكلّيّ إنه باختصار عالم المفاهيم في ذاتها والصُّور الفكريّة الخالصة والمبادئ العامّة والكلّية التي تخضع لدقّتها ولنظامها كل ما يوجد في العالم الفيزيائيّ المختلف والفوضويّ والمنْدثِر عبر الزّمن، فإن كانت “الشّجرة” في الواقع الأرضيّ زائلة لا محالة طال الزّمن أو قصر فإن “صورة الشّجرة” بما هي فكرة خالية من كل ما هو حسيّ باقية وأزليّة. ولا يَخْفَى أنّ كلّ الفضاء الميتافيزيقيّ المثاليّ في الفكر اليونانيّ وبعده في الفكر القروسطيّ يسوده منطق صارم وفكر رياضيّ دقيق كلّ الدّقّة سواء في النّظر لقضاياه الخاصّة أو في تفسير قضايا الوجود أو العالم السّفليّ الأرضيّ. وبغضّ النّظر عن خصوصيّات هذا الفكر المثاليّ وأهدافه وعن خصوصيّات تصوّره للعالم وأيضا وحين نتجاوز التعرّض لقضاياه المعقّدة والعميقة التي استحوذت على الفكر البشري طوال قرون يمكننا في هذا المجال أن نطرح بعض الأسئلة التي تخدم موضوعنا بالأساس.
• لماذا التجأ الإنسان منذ غابر العصور إلى التّعامل مع عالميْن دون الاكتفاء بالعيش داخل عالم واحد يَحْضُنُه؟ لماذا هذا التَّصَوُّر الثُّنائيّ أو الإثنينيّ لعالمين متعارضين في الطّبيعة والمحتوى؟
• ما الذي دعا الإنسان أو اضطرّه إلى النّظر إلى الوجود من نافذتين: نافذة يرى ويعيش من خلالها عالمه الأرضي الطّبيعيّ كما يَلْمَسُه ويراه ويتفاعل معه بشتّى الطُّرق. وعالم آخر يتصوّره ويَصْبُو إليه، يبنيه في ذهنه ويُرَصِّعه بأمانيه ورغباته ونزواته وآماله ويعتمد عليه في فهم وتفسير ما يحيّره من ألغاز الوجود المتناهي واللّامتناهي ثم يجسّدها في بُنَى وأنساق معرفيّة خاصّة به؟
يبدو أن الإنسان منذ بداية رسم ملامحه الإنسانيّة على وجه الأرض وهو يعيش داخل حَلَبَةِ صراعٍ بين قوّتين متضاربتين انتصب بينهما كمحور صراع وهما المقدَّسLe sacré والدُّنْيويّ le profane أبدعهما في ذهنه بطُرُقِهِ الخاصّة وكأنّه أحسّ أنّه لا يقدر في بدايات صراعه مع محيطه أن يُحقّق الشّروط الدّنيا للبقاء ويضمن بعضا من التَّوازن مع هذين القُطْبين إلاّ ضمن ثنائيّة تَتَراوح بين العالم الرُّوحانيّ والعالم الماديّ بين آلهة الخير وآلهة الشرّ أو بين المقدّس والدّنيويّ…فوجد مَلَاذَهُ في هذا العالم العُلويّ الغيبيّ الخياليّ والوهميّ واعتبر أن الاعتقاد الجازم بقدراته السّحريّة هو المنْقِذ له وحامِيه من مخاطر وجَبَرُوت الطَّبيعة حيث العالم السُّفليّ والمدَنَّس.
وقد تمسّك الإنسان بهاذين القُطْبين طوال قرون، وكأنّ رِهَان استقراره الماديّ والفكريّ لن يستقيم إلاّ بهذا التَّجَاذُب ولا يمكن أن يَتَصَوَّر وجوده خارجهما بل الأبلغ من ذلك كان وما يزال يجد فيهما مبرّرات عيشه ودلائل وجوده ويجد أيضا عزاءه وسَلْوَاها. ومهما تلونّت هذه الأقطاب وتنوّعت هذه الثُّنائيّات فهي تَبْقى مُخلصة لمفاهيم العُلْوي في مقابل السُّفلي والمقدّس في مقابل الدُّنْيوي والفِكْري في مقابل المادي والنّظري في مقابل الواقعي والمثالي في مقابل الحسّي. وقد بقي الفكر الفلسفي المثاليّ والفكر الدّيني على حدّ سوى مُخْلصَيْن لهذا العالم الّنظريّ والمثاليّ والرّوحانيّ فنَعَتُوه بصفات الصّفاء والنّقاء والنّظام والكليّة…إلخ واعتبروه أصل الحقائق ومنبتها في مقابل رداءة العالم السُّفليّ الماديّ ودناسته فكان بالنّسبة لهم موطن الرَّذيلة والأخطاء… هكذا عاش الإنسان فيلسوفا كان أو رجل دين أو عاميّا داخل تصوّرٍ ميتافيزيقيٍّ متعدّد المنابع اعتقد أنّه الأصل والمنْبت. ونتيجة اندماجه الكلّي وتفاعله اليوميّ مع هذا العالم الميتافيزيقيّ كَوَّن عنه قناعة لا شكّ فيها وهي أن هذا العالم هو الواقعيّ وكلّ ما عداه زيف. ولا يَخْفَى أن ارتماء الإنسان داخل هذا العالم والاستكانة إليه كان نتيجة رفضه لفوضى العالم الماديّ وتَبَعْثُرِه ورداءته فَبَحَثَ لنفسه عن عزاء وجده فيما صنعه لنفسه من عالم مثاليّ لا وجود له إلاّ في ذهنه وعقليّته فرَصَّعَهُ بمفاهيمَ ومُثُلَ ومقولات قُصْوَى يَرْتَوِي منها كلَّمَا جفّت عروقُهُ وهو يسكن الأرض لا محالة، كمقولة الفضيلة في ذاتها والسّعادة المطلقة والخير المطلق والحريّة إلخ…
2-التَمَشِّي العِلميّ المعاصر وتوقه نحو “النَّمْذَجَة المثاليّة”:
لم يُهَاجَم هذا الفكر المثاليّ الميتافيزيقيّ إلاّ مع الثّورة العلميّة فيما بين القرنين السّادس والسّابع عشر وبلغ أوج انهزامه في القرن الثّامن عشر مع سيادة الفكر الوضعيّ وإرساء دعائم المناهج العلميّة الاستقرائيّة التي ستقوّض بشكل حادٍّ الطُّرُقَ الفلسفيّة الميتافيزيقيّة التَّقليديّة التي اكتفت في فهمها للوجود بمنطق استنتاجيٍّ أجْوَفٍ، وهنا بالذّات نُسَجِّل اسْتِفَاقَة الفكر ورفضه للبعد الخُرافيّ لهذا العالم الوهميّ والعَوْدُ القويُّ إلى عالم الأرض حيث الظّواهر الفيزيائيّة والبيولوجيّة والفلكيّة القابلة للملاحظة والتّفسير والتّقنين مستعينة في ذلك بأَدقّ انتاجات الفكر منذ اليونان وهي لُغة الأرقام والحروف والأشكال أي الرّياضيّات والهندسة، ولعلّ هذه الاسْتعارة هي أهمّ لغة أو أداة عَرَفَت العلوم الحديثة استغلالها وجعلت منها نِبْرَاسَ الثّورة المنهجيّة العِلْميّة التي غيّرت نَظْرَتَنَا إلى واقعنا الطَّبيعيّ ومكَّنتنا من السَّيطرة عليه نسبيّا. فَرَضْيَنَةُ الواقع الفيزيائيّ كان دَيْدَن العلوم الحديثة فانطلق من الوقائع الفيزيائيّة عبر مراحل المنهج التّجريبي ورَسَمَ شبكة من العلاقات الرّياضيّة تتجاوز الواقع وتعبّر عنه في آن… ها نحن نَنْبهر مرّة أخرى بما هو نظريّ ونَبْنِي لأنفسنا عالما من المفاهيم والقوانين والنّظريّات قد لا تكون لها علاقة ماديّة حسيّة في الواقع إلاّ من حيث القراءة والفهم والتّفسير، في هذه المرحلة نُخْطِئ حين نعتبر أنَّنا عُدْنا بهذا البناء النّظري الرّياضي إلى مفهوم الميتافيزيقا بالمعنى التّقليديّ لأن العلم بُنِيَ على أنقاضها، لكنّنا لا نجانب الصَّوَاب حين نعتبر أنّ الإنسان في العصر الحديث كانت تَشْغلُه حاجة ضروريّة وماسّة شغلت الفلاسفة منذ غابر العصور وهي تنظيم الفوضى وتوحيد المخْتَلَف الموجودَيْن في الواقع المادّيِّ الطّبيعيّ داخل بُنَى نظريّة رياضيّة نُوَحِّد بها فهْمَنا لواقعنا الماديّ وهو سَعْيٌ شبيه بسعي أفلاطون في زمانه وإن اختلفت الطُّرق والمرامي والبُنى، فإن كنّا لا نسمح لأنفسنا بتسمية هذا المسعى العلميّ بالميتافيزيقيّ خوفا من السُّقُوط في إمكانات الخلط واللُّبس فإنّنا لا نرى مانعا من استعمال مصطلح “الميتا تجريبي” أوما بعد التجريب العلميّ Meta expérience”، الذي عبّر بحقّ عن قُدْرَة العقل العلميّ على الانطلاق من وقائع طبيعيّة كانت أو فيزيائية أو حيّة مُعقّدة ومتداخلة وملتبسة وغير مفهومة واكتشاف علاقاتها الخفيّة وتنظيمها داخل بُنى من القوانين و النّظريّات المصَاغة صياغة رياضية دقيقة تَحْتَكِم إلى الواقع وتُفَسِّره. لكن لا يفوتنا أن نلاحظ أنّه في هذا المستوى من التّطوّر العلميّ ما يزال الواقع المادّيّ حاضرا حضورا قويّا سواء في الانطلاق منه أو الاِحتكام إليه وتلك هي حدود العلوم التّجريبيّة الحديثة بحيث لم تقدر بحكم انبهارها بالمنهج التّجريبي وانْشِدَادِها إلى الظّواهر المرئيّة أن تهتمّ بعوالم أخرى لا نراها لكنّها موجودة وفاعلة وهي العوالم اللاّمتناهية في الصّغرMicrocosmes كالعالم الميكرو فيزيائيّ والعالم الميكروبيولوجيّ والعالم الميكرو كيمياويّ إلخ، ففي هذه المجالات لم تعد التّجربة نافعة ولم يعد التّجريب ممكنا، ففي العلوم المعاصرة خاصّة العلوم الكوانتيّة les sciences quantiques لم تعد “الظّاهرة” قابلة للتّشخيص كما عهدناه في العلوم الفيزيائّية التّقليديّة بل إنّنا نتصوّرها ذهنيّا ونَصُوغُها رياضيّا ونتعامل معها بما هي فرضيّات أو بالأحرى افتراضات ومواضعات ونماذج رياضيّة متنوّعة ومتعدّدة تُعبّر عن إبداعات الفكر العلميّ المعاصر الذي تمكّن من التّحرّر من محدوديّة المادّة وقيود الظّواهر الحسّيّة في العالم الطّبيعيّ والانعتاق نحو عالم نظريّ محض منظّم داخل بُنى وأنساق رياضيّة تكون نبراس الاكتشافات العلميّة الرّائدة، لكن لِنَبْقَى في صلب موضوعنا ونُقِرّ مرّة أخرى أن الإنسان مهما بلغت مساعيه المعرفيّة والعلميّة يبقى توّاقا إلى بناء صَرْحٍ نظريٍّ يرى بوضوح من خلاله عالمه وهذا ما قام به أفلاطون حين بنى عالم المثل، فالتّوق واحد وإن اختلفت السُّبُل والطُّرق.
ولم يكتف هذا التّوق العلميّ من بناء صَرْح من النّماذج ماديّة كانت أو نظريّة في كلّ بحوثه بل سعى أيضا إلى الارتقاء إلى مستوى صّوْرَنَته داخل نظام معرفيّ يعتمد على إبداعات الفكر العلميّ لفهم الواقع وإمكانيّة التَّحكّم فيه وهو عمل شبيه باجتهاد افلاطون في بنائه لعالم المثل المنظّم لفوضى العالم الحسّي وإمكانيّة فهمه. ولعلّ الفارق بينهما حسب رأينا هو فارق منهجي، فالفهم العلمي المعاصر أفقيّ في حين بقي الفهم الافلاطون عموديّا.
ولا يهمّنا في هذا المجال ادعاء افلاطون أسبقيّة عالم المثل والمفاهيم في ذاتها عن عالم الأشياء والأجسام لكن ما يُلْفِت انتباهنا أنه اعتبر هذا العالم النّظريّ هو الواقعيّ وهو الحقيقيّ وهو الكامل والثّابت بالمقارنة مع زيف الأشياء الحسيّة وتغيُّرها، فما يوجد في العالم الماديّ ليس إلاّ صُوَر ونُسَخ زائفة للمُثُل والمفاهيم الموجودة في العقل. وقد يصدق هذا التّصوّر الخاصّ بفلسفة أفلاطون القائم على التّمييز بين العالم الحسّي الزّائف واللاّواقعي وبين العالم النّظريّ الحقيقيّ والواقعيّ حين نتعمّق في الممَاثلة ونذكر ما حقَّقَتْه الثَّوْرة التّكنولوجيّة المعاصرة في ميادين الإعلاميّة وصناعة الحواسيب والبرمجيّات ثلاثيّة الأبعاد 3D وتمكُّنِها من إبداع “الواقع الافتراضي VR ” أو « La réalité virtuelle » ، إن هذه التّكنولوجيا المعاصرة والتي بدأ التّفكير في إبداعها منذ النّصف الأول من القرن العشرين، ثم سُرْعان ما تطوّرت وبلغت درجة عالية من التّقدّم في بداية القرن الواحد والعشرين مع التّطوّر الّذي حصل في أجهزة الكمبيوتر ثمّ وخاصّة حين تمّ اكتشاف سنة 2014 الجهاز العجيب، بالغ الدّقّة وهو النّظّارات ثلاثيّة الأبعاد الافتراضيّة التي مكّنت الإنسان من الدُّخول إلى العالم الافتراضيّ من بابه الواسع وهو عالم يستعمل تقنية تتضمّن محاكاة بيئة حقيقيّة أو ثلاثيّة الأبعاد تعمل على نقل الوعي الإنسانيّ إلى تلك البيئة وتُشعره أنه يعيش فيها فعلا وحقيقة بحيث يندمج داخلها اندماجا كلّيّا ويتفاعل معها باللّمس والصّوت والشّمّ إن أضيفت إلى تلك النظّارات أجهزة خاصّة تُحْمَل في اليد ولعلّ أبرز مثال يؤكد واقعيّة عيش الإنسان هذا الواقع الافتراضي وكأنَّه يُمثّل جزءا منه فيتحرّك داخله ويشاهد كلّ جوانبه ويعيشه فعلاً وواقعًا حين يُشاهد من خلال نظّاراته تلك الفيديو المصوّر بتقنية 360درجة. نحن هنا أمام “واقع افتراضيٍّ” بامتياز، أكثر دقّة ولعلّه أيضا أكثر نجاعة وأكثر جمالا وأكثر تنظيما وأكثر سعادة من الواقع الّذي تركناه خلفنا نظرا لزيفه ورداءته وفوضاه!
صحيح أن إبداع الإنسان لهذا الواقع الافتراضيّ يُتَرجم مدى تقدّم مساعيه العلميّة والتّكنولوجيّة كما يساهم اليوم في تطوّر معارفه في جميع الميادين سواء كانت تتعلّق بالعوالم اللّامتناهية في الصّغر أو بالعوالم الفلكيّة وغيرها التي قد لا تسمح تجاربنا العلميّة باقتحامها ومعرفتها أولا لتكاليفها الباهظة جدّا ثمّ ثانيا لما يمكن أن تكبّدنا من خسائر في المعدّات والبشر إن أخضعناها لتجارب علميّة ميدانيّة فالتجأنا إلى نمذجتها افتراضيّا، لكن يبقى في الأخير لجوء الإنسان، فيلسوفا كان أو عالما أو إنسانا عاديّا إلى الخيال وخلق فضاءات نظريّة افتراضيّة بمعنى ما “ميتافيزيقيّة” أي ما بعديّة، ملاذه الوحيد وعزاءه في هذا الوجود المعقّد جدّا.

-الهامش:
1-جون ماكارثي “ما هو الذّكاء الاصطناعي” نسخة 22 سبتمبر 2017 على موقع واي باك مشين.
2-نفس المصدر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*