الفوتوغرافية في المجموعة القصصية ” عربة الأمنيات” للقاصة فرح تركي بقلم الكاتب إبراهيم رسول من العراق.

الكتابةُ النسويةُ في العالم العربي كانت وما تزال ولعلها ستبقى لفترة اكتمال الوعي التشاركي بين الجنسين, وهذا يحتاجُ إلى وقتٍ لا يُعرف توقيته بالتحديد الدقيق, إلا أن عملية تشكيل وعيّ جديد لهيَ عملية معقدة وتتخللها عوامل وعوائق كثيرة وطويلة, وأثر الواقع real effect, الذي استخدمه الناقد رولان بارت على جزئيات أو تفاصيل تذكر في سياق القصة, والتي يستحيل على التحليل السردي مهما بلغت درجة شموله أن يسند إليها أية وظيفة تبرر ذكرها في القصة( معجم المصطلحات السردية), وقد يؤثر الواقع بما يحمله من أثر كبيرة في عملية الانعكاس وتبادل الخلق أو إعادة الخلق, فالكاتب هو يكون عاكساً وليس خالقاً مبتكراً. السردية النسوية عامةً تكاد تتشابه في التقنية السردية, وحتى اللغة تكون متماثلة في كثيرٍ من الأحيان, وهنا نرى أن الاتون يكون مستعراً في حالة الكتابة التي تأتي كردةِ فعلٍ على أو في حادثةٍ حدثت ( سابقة أو حديثة), وما يميّزُ أثر الواقعية , أنها تكون متأثرة وردة الفعل واضحة عليها, إذ كثيراً ما تأتي الجمل والثيمات كأنها نقل مباشر! وقد تتميزُ بعض القاصات فتسلك طريقاً آخر, عسى أن تضع لنفسها خطاً تُعرفُ به, وهذا واضحٌ في هذه المجموعة ( عربة الأمنيات), فلو تأملناها بعينٍ ناقدةٍ, وعقلٍ مُنقبٍ, مفكرٍ, لأدركنا الواقعية الحياتية مؤثرة على البناء القصصي والصوغ الذي كان واضحاً على أغلب قصص المجموعة, نحن قد نعزو أن هذا, يرجعُ بالدرجة الأساس إلى الطريقة التي تسلكها القاصة, قبل وأثناء مرحلة الكتابة, فعملية التخييل تكون سريعةً بالقياس وحجم الأثر الذي أحدثه حدثٌ ما. إن عمليةَ التدوينُ تأتي كإطلاق ما يجيش في النفس من مشاعرٍ سلبيةً أو إيجابيةً حول الحدث الذي حصل على مرأى ومسمع الكاتبة, فنلمسُ القاصة تأتي إلى التدوين وهي مشحونة بأدلجة فرضها الحدث ( الذي أثر), وتأتي الكتابة في كثيرٍ من الأحيان حاملة لهذه العاطفة بتوترها وشحنتها, المميزُ أن الحدث الذي أثر في القاصة قد لا يكون مؤثراً عند المتلقي, فنراها قد يكون باردةً إزاء حالة الغليان السردية التي تكتبها القاصة. لعل القصةَ الأولى ( عربة الأمنيات) التي مثلت الحبكة القصصية في المجموعةِ كُلّها, وقد كثفت القاصة من تقنيات القص كثيراً, فأصبحت هذه القصة تُمثلُ مركزية في النزوع السردي للكاتبة ( فرح تركي), البناء بلاغيٌ, فهي تلجأ إلى البعيد لتقصد الغريب, وتلجأ إلى المضمر لتقصد الظاهر, وهذه لعبة فنية, أغنت القصص في أغلبها, فالقصة الأولى هي قصةٌ واقعية من حيث ثيمتها ومن حيث الرمزية العالية التي تنشدها, إشارة نافرة للواقع الصعب الذي أرهق الطبقة الكادحة, فالشبابُ لديهم حلم, وهذا الحلم يتعايشون خيالاته بصورةٍ قد تكون يومية, الكاتبة تنقل لنا واقعاً فوتوغرافياً بامتياز, ونحن لا نملك إزاء هذه القصة إلا أن نقرأ النص قراءة رامزة إلى ما يُوحي به النص, في كثيرٍ من الأحيان يكون النقل أفضل من الخلق, هذه القصة كانت الكاتبة ناقلة وليست خالقة, لم تلجأ إلى الخيال ليمدها بحدث وشخوص لتصنع منهم دراماً سردية, بل , أنها اعتمدت الواقع ونقلته مباشرةً, وهنا تتجلى القيمة الأصعب على المؤلفة! هي مدعوةٌ أن تجعل من النص الأدبي حمالُ أوجه, وقابلٌ للتأويل, فالنص الأدبي يملك فنية يجب أن تُراعى وفق سياق اللغة, ووفق البناء الأدبي. الحياةُ في النص الأدبي يجب أن تكون مستمرة, وتستمد قوتها وتجددها في كل قراءة, وإلا فمن الصعب أن يُجنسَ النص نصاً أدبياً.

الفوتوغرافية التي نقصدها, ونرمي إليها في مقالنا هذا, هي: النقل الصوري والالتقاط المباشر, الذي مارسته القاصة في معايشتها للواقع اليومي المعاش, إذ كانت القاصة ناقلة ومُصورة لهذه القصص اليومية التي تعيشها وتُعايشها, وقد طغى وهيمن هذا التصوير كثيراً على تقنية البناء القصصي.

تحيلنا القصة ( عربة الأمنيات) إلى حالة  تتخذها الكاتبة مثالاً لحالاتٍ متشابهةٍ في العراق وفي أغلب دول العالم, لم يكن الشاب ( عادل) إلا واحداً من بين ملايين من الشبان الذين يشقون حياتهم بظل معرقلات ومصاعب, القاصة أسبغت على القصة نوع من الحزن الدرامي, لتلامس مشاعر المتلقي عبر إيحاءات كثيرة باستخدام مفردات مؤثرة. وقصةٌ أخرى ( انكسار) هي الأخرى تعد مثالاً لأثر الواقعية الحياتية المعقدة والصعبة التي اختمرت في خيال الكاتبة لتشكل قصصاً, في قصة ( انكسار) يسأل الصحفي السيدة: -ما قصتك؟

-أنا لا قصة لي .

-هل لديك أبناء ؟

-أجابت بخاطر مكسور… غيرك وكل الطيبين أبنائي.. لكن باسمي لا.

-ألحَّ عليها مستطردًا… بالطبع لديك أبناء .

هذا النص يحملُ حقيقة عايشها العراق, وبالأخص عراق ما بعد 2003, إذ تحول الموت والترمل والشهادة, حالةٌ كأنها طبيعية! فهذا الحوار الشخصي لم يكن إلا واقعاً حيّاً يرمز إلى المدى الذي وصلت إليه الإنسانية في عراق الدم والطائفية والحرب.

قد لا يكون الأمر سهلاً, على القارئ, حينما يريد أن يخلقَ تصوراً عاماً عن الشخصيات, ويريد الوسائل ليكون قريباً بوجدانه من هذه الشخصيات التي خلقتها القاصة, باعتمادها على الوعي القصصي المتراكم, فالحكايةُ أنثى, والسرد كان يتطابق والواقعية المؤثرة, المرأةُ خالقةٌ للنص, وهذا واضحٌ في هذه المجموعة, إذ نلمس أن القاصة تستلهم الثيمات من واقعيةٍ ملموسةٍ, لتعيد البناء القصصي لها, عبر تقنيات القص والسرد, لسكب على هذا الحدث , سمة التخييل, وتتجلى قوة المجموعة هذه, في القوة التصويرية التي تكاد تفرضها القاصة على المتلقي, فالسرود الحديثة صارت تشتغل بالهموم اليومية المعاشة وتوظفها بلغة سردية وبجنسٍ أدبيٍّ معينٍ. إن اللغة المحكية قد تكون متفاوتة قوةً وضعفاً, لكن المهارة في اللعبة السردية تتجلى في الكتابة التي يتميز أصحابها بأن لهم خلفية نقدية كبيرة وواسعة, أن الذي يكتب يُستهلك! ونعني بهذا, أنه سيكون على طاولة النقد ليشرح ويُبضع, ويقطع تقطيعاً نقدياً, ونمارس النقد على النص, كأنه كائنٌ حيّ, وهذا الكائن ليس جامداً, إذ الأدب الخصب هو الأدب الذي يحافظ على حياته لأطول مدة.

لجأت الكاتبة ( فرح تركي), إلى توظيف المعاش قصصياً, ولكن بتقنية أدبية, لكي تجعل من القصص ذات روح , وقد اشتغلت على عملية نماء النص وانفتاحه ليكون قنطرة لعبور الأفكار من المُرسَل إلى المرسل إليه, وهذه القنطرة وُظِفت توظيفاً يُحاكي الواقع اليومي بهمومه ومشكلاته, وهذه التقنية ( الفوتوغرافية) يلجأ إليها الكاتب نتيجة الأثر والتأثر الذي تُحدثه فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*