بطلٌ أهزَل.. بقلم الكاتب سمير العوادي من المغرب

ثمة لغة ورموز غريبة ومبهمة تسكنه وتستقّر في ذاكرته. حتى أنه فقد تلك المقدرة السحرية التي كان عبرها يصف لغته تلك ويرسم غرابة ما يراه ويشعر به. ذلك السحر الذي طالما كان أهم مزاياه! لقد فقد الإمكان في الكتابة وفي السرد، وفقد معه إمكان منح المعاني ذلك الأفق الرّحب.
هاهو يُقفل حاسوبه ويُقفل معه عن رسالة وصلته اليوم من دار النشر، يُخبرونه أن كتابه فشل فشلاً دريعاً. ‘بطلٌ أهزل’ كتاب يلتحقُ بالكتب الفاشلة الأخرى التي لم تستقطِب أحداً…
لم يحزن لذلك كثيراً، فقد بلغ من العمر عتيّاً، ولا يريد أن يعرفه أحد مرّة أخرى، ولعل لسان حاله يقول: ” إكتفيتُ منّي! أريد أن أنتهي، أريد أن أبقى وحيداً؛ وحيداً على الإطلاق” .
هذه الرغبة الجامحة تدفعه ليُغادر البيت ويندسّ بين الآخرين على الرصيف، وفي الحافلة، وعلى أبواب المحطّة… كان يهمّ فقط أن يكون وحيداً في مكان يعجّ بالناس! دون أن يكون له إسم أو وصف، فقط آخراً بين الآخرين. هذا النوع من الوحدة غريبٌ حقّا وظلّ يلفُّه زمناً طويلاً. إذ كيف يريد أن يجد وحدته في مكانٍ يعجّ بالآخرين؟
تقع شقّته في الطابق الثاني من عمارة الرّمل، شارع الأنوار. شقّة عتيقة وهادئة، ولا يزوره أحد. إلّا موظف شركة الإرساليات، حين يسلّمه عادة كتباً اشتراها عبر الأنترنت.
النافذة تصدر أزيزاً مزعجاً، صباح بارد ورياح الشرقيّ تعكّر الجوّ بالغبار. نزَل من على سريره برويّة وهدوء شديدين. لقد أصبح بفعل الزمن ثقيل الحركة، ساكناً أغلب الأوقات وغير مكثرت. غرفة مؤتتة بشكل بسيط للغاية، ومع ذلك لا تخلو من لمسة الفنان. كان هناك سجّاد رخو، رمادي اللون. وخِزانة ملابس، وعلى جانب السرير رفّ صغير، موضوع عليه مصباح وعلبة النظارات وكَبسولة دواء وصورة قديمة داخل إطارٍ من زجاج. صورة شخصٍ منتصِب الصدر تعلوه سمات الأنفة والفخر بالذات، راكباً صهوة حصان.
إنتَعل صندَله وتحرّك يغادر الغرفة. وعند تخطّيه عتبتها تتلاشى تلك البساطة وتنتصِب رفوف في كل مكان. كتبُ، قطع وتماثيل، لوحات فنية… حتى أن الشقة تبدو كبهوٍ من العصور القديمة. متاهة من الرفوف والمجلّدات. أعتقد أن هذا الجزء من عمارة الرمل وحده يتكلّم كل لغات العالم ويحفظ التاريخ حفظاً.
كان الحمام يقع في الجانب المقابل للغرفة مروراً بأحد أزقة هذه المتاهة. دخلَ فأماط عنه إزاراً كان يلتحفُ به، ثم أدار مقبض الصنبور وترك الماء يتساقط دافئاً على جسده العاري تماماً. جسدٌ مغلّف بالترهّلات ورأس يشتعلُ شيباً، ونظرات كئيبة تنعكس من المرآة المعلّقة على الجدار المقابل.

أقفل المقبض، غادر عائداً إلى الغرفة، عاريا والماء يتقاطر من جسده. فتح الخزانة وأخذ يختار من القُمصان المصطكّة حتى استلّ منها واحدة بيضاء، واختار معها ربطة عنق سوداء، ومعهُما سروال أسود وحذاء من الجلد الصلب إرتداه مرّة واحدة فقط، حينما تمّ تكريمه بمناسبة تقاعده قبل أشهر.
غادر الغرفة أنيقاً فقام بجولةٍ أخيرة بين الرفوف يودّع المجلّدات والكتب… إنها المرّة الوحيدة التي كانت نظراته تتأمل الأسماء عوض العناوين! للمرّة الأولى يهتّم بهؤلاء أكثر مما يهتم بما كتبوه.
تأثّر كثيراً بسنواته الأخيرة كَأستاذ جامعي. فقد زادت كآبته، وأصبحت خيبة الأمل حقيقة بادية يعيشها، بعدما كان يكتبها فقط على ورقه الفاتر . فقد كان أغلبُ الطلبة غير مُكثرتين لدروسه، وكان يشعره ذلك بالضيق. هو الذي لطالما كان في سنّهم طالباً مجدّاً، كتب من المقالات أكواماً تكفي لإبقاء النار لاهبة لِليلةً كاملة. الآن وبعد أن مرّ الوقت سريعاً. لم يعد منصَتاً إليه، حتى أنه كان يكفّ عن الكلام لعلّه يثير انتباههُم، إلا أنه لم يكن يحصد سوى الخيبة. لقد تغيّر العالم حقّا ولم يعد هو بنفسه في نظر طلبته سوى شيئا عتيقاً. شيء من لحمٍ ودم، يصلح ربّما لالتقاط الصور في آخر السنة ووضعها على ‘الفيسبوك’ لِتنهال بعدها تعليقات الطلبة القدامى وأشباه القراء: تلميذ فوكو! التنويري الوحيد في البلاد!

لقد أصبح العالم هجيناً، قبيحاً، مملّا وضائعاً ..
أوصد الأبواب كلّها، وسَكب زيتاً أو بنزيناً على الأرضية وعلى الجدران، ورشّ الرفوف والكُتب. وسحب كرسيّه العتيق وجلس أنيقاً، ولم تتبقى على وجهه سُحنة الحياه، اللهم تلك الضحكة الساخرة. سحب غَليونه وأشعل عود ثقاب …
جريدة المساء
عاجل: في حادث حريق مروع، لقي الفكّر العظيم جلال بناصر حتفه صباح هذا اليوم. تعازينا الحارّة لعائلة الفلسفة بالبلاد!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*