الكتابة كفعل مقاومة في مواجهة التشظي والخيبة..من خلال مجموعة ” أخاطبكم من المريخ ” لجلال الطويهري ..بقلم الكاتب رياض بوسليمي .

أوّل ما يشد القارئ للمجموعة الشعرية ” أخاطبكم من المريخ ” للناشط المدني جلال طويهري الصادرة مؤخرا عن دار الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع، ومنذ الوهلة الأولى ..هو الرغبة في معرفة فحوى الخطاب الذي يريد توجيهه الشاعر والتساؤل عن الرسالة التي يرغب في تمريرها أو الإفصاح عنها في تجربته الشعرية الأولى هذه ولمن يوجهها ..؟!
فالمعروف عن الشاعر أنه ناشط مدني وحقوقي وأصيل مدينة جندوبة ..هذه المدينة التي كانت ولاتزال قلبا نابضا بالأحداث الوطنية..وأرضها كانت منذ العصور الأولى منطلقا للملاحم الوطنية الكبرى والحاسمة أو إمتدادا لها..كما كانت ولا تزال حبلى بالحركات المعارضة للتوجهات والسياسات الحكومية..، فهل تتنزل رسالة الطويهري في هذا الإطار الجغرافي في علاقته بتجربته الذاتية فيه ..؟ أم تتجاوزه لتتماهى مع قضايا ومشاكل مفتوحة على عوالم وطنية وأخرى إنسانية كونية…؟!
منذ القصيدة الأولى يبوح الشاعر بما يسكنه من صخب الأسى وألم الوحدة التي تمسك روحه من تلابيبها، فيستجير بأوفياء الوطن فلا من مجيب ولا من يجير..
ولا يكاد يخلو مقطع من قصائده من هذه الصور القاتمة التي رسمها الشاعر لنفسه حتى ينال السواد الحالك من كل القصائد، ويبرز الشاعر في صورة تعبيرية إنهزامية إلاّ أن ذلك لا يطول كثيرا حتى تومض أبيات وتعابير يفصح من خلالها الشاعر عن عشقه الكبير لمحبوبته وتفاؤله بمستقبل سيكون أفضل وستشرق الشمس حتّى وإن طال ليل الأسى..
وممّا تجدر الإشارة إليه أن وجوه التماهي والتداخل بين الذاتي والموضوعي تتواتر بإستمرار في هذه المجموعة وهو إنعكاس منطقي للعلاقة الوثيقة بين تجربة الشاعر المدنية وإنخراطه في العمل الإجتماعي والسياسي وتبنيه لمشاكل مجتمعه ووطنه من ناحية وتجربته الإبداعية الشعرية من ناحية ثانية..فلا نغالي إذا قلنا إنّ الثانية جاءت ترجمانا للأولى في توافق وإنسجام وقد لا نبالغ إن قلنا إن الدافع الرئيسي وراء كتابة هذه المجموعة هي التعبير عمّا يسكن الشاعر الناشط من هواجس وأحلام لم تجد طريقها إلى النور في مدينة نادرا أن يجد فيها أبناءها حظهم من الإعتراف والقبول بل كان الإقصاء والتشظي والخيبة التي تقودهم إلى الإنسحاب من الحياة العامة والعزلة مصيرهم المحتوم ..في المقابل ينال الإنتهازيين والوصوليين مواقع تجعلهم يواصلون تحكمهم في مصائر العباد ويعطلون بالتالي تحقيق الأهداف والإستحقاقات التي كانت وراء إنفجار ثورة شعب كامل منذ عشر سنوات…ومن بين الأمثلة الدالة على هذا التماهي، نسوق لكم هذه الأبيات..
” هؤلاء القوم قد آستحلوا دمي
فلا تكوني معهم ضدي
يحاربونني لأجل أني
كشفت فسادهم والألاعيب”
ثم يقول:
” أرجوك أخبريهم أني لست منهم
وأن مرارة الأيام كانت دوما كأسي
وأني قد أموت منسيا في بلدي
وحتى الفرح لم يخط يوما بدربي “
ويضيف في مقطع آخر:
” أسفي أني أحببت وطني بكل صدق
ودفنت قلبي بالحق لصالح شعبا كاد يسحقني “
وفي قصيدة ” ملاذ العشق ” يقول:
” أمواج عينيها
لم تألف سكونا
إنّها تهوى الجنون
إنّها تغرقني
في لجج دجى كحلها
ثم ترقد في خدر الشمس
بسلام”
ويضيف الشاعر في قصيدة ” أعلنت الحب بجنون”
ولتزرعيني قمرا
لليالي كحلك ..
ولتكوني صخبا..
يغتال سكوني..
ويثير جنوني..”
ويقول أيضا في قصيدة ” ألا يزال فيك متسع للحلم..”
” فتشرق من الشمس قبلة
ونجعل من بيادر الأمطار
مرقصا
آمتناني للحياة
التي تركتني على قيدها…
وذاك البرد الذي لم يذبحني ..
وللوقت..على غفوته..”
وبعد ما سبق تناوله وذكره، تتراءى لنا رسالة الشاعر في عمقها وصفاءها وتجليها مثل شروق شمس في سماء صافية..فشاعرنا بالرغم من كل الأسى والتناقضات التي تحيط به من كل جانب لم ولن يفك ارتباطه بالحب وبالحلم ..هذا الحلم يتجاوز الوطن الصغير ليشمل الوطن العربي الكبير ..
وليس أجمل ما أختم به هذا المقال، من قول الشاعر في قصيدة ” رثاء العرب”:
” أيها التاريخ لا تكتب عنّا للقادمين بعدنا
أننا شعوبا بلا هوية..
ننادي بالشغل والحرية والكرامة الوطنية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*