** قلم الرّصاص ** بقلم الشاعر محمّد الزّواري من تونس .

مسكت ذات مرّة
بين أصابعي
قلم الرّصاص
قلت له برقّة
ارسم معي
يا صاحبي
خريطة جميلة
لكلّ هذا العالم
فقال لي
عذرا أخي
فإنّني لا أستطيع
فهذه الخريطة الجميلة
تحتاج للألوان
و ليس في محفظتي
مجموعة الألوان
انظر معي يا سيّدي
لهذه البلدان
فهذه البلدان تحيا في القصور
و هذه البلدان تحيا في الأكواخ و القبور
و هذه بعض الطّيور
لا تأكل الطّعام إلاّ حين ينهي أكله
نسر من النّسور
و يدّعي أمامها
بأنّه مسالم وديع
هل اقتنعت الآن يا فتى
بأنّني لا أستطيع


قلت له إذن
ارسم معي
خريطة جميلة
لكلّ عالم العرب
فقال لي
عذرا أخي
فإنّني لا أستطيع
فهذه الخريطة الجميلة
تحتاج للألوان
و ليس في محفظتي
مجموعة الألوان
انظر معي لهذه البلدان
فهذه الشّعوب تبدو دائما
على البلاء ثائرة
و هذه الشّعوب تبدو دائما
على البلاء صابرة
و هذه الأقطار بعضها
لا يحسن الشّراء و الإقدام و المغامرة
لكنّه في كلّ مرّة يبيع
و بعضها يعارض السّماء
و بعضها لا يستطيع أن يغادر السّرب
و أن يغادر القطيع
و بعضها مازال يسأل القريب و البعيد
و العدوّ و الصّديق
و الصّغير و الكبير
و الشّباب و الشّيوخ
عن أيّ فتوى وردت في مذهب
أو فرقة أو ملّة
لعلّها تؤيّد التّطبيع
هل اقتنعت الآن يا فتى
بأنّني لا أستطيع


قلت له إذن
ارسم معي خريطة جميلة
لكلّ قطر عاش موسم الرّبيع
عذرا أخي
لكنّني
نسيت أنّ موسم الرّبيع
يحتاج للألوان
و أنت لا تمتلك الألوان
فقال لي
لا تنزعج يا سيّدي
لأجلكم أنتم فقط
سأرسم الرّبيع
و انهال بالرّصاص
دونما ألوان
يخطّط السّهول و الهضاب و الجبال و الوديان
يقسّم البلدان و الأقطار و الشّعوب و العشائر
و يرسم الحدود و الخطوط و الأشكال و الدّوائر
ثمّ أزاح عن لوحته الجديدة السّتائر
و قال لي ما رأيكم في لوحتي المثيرة


بحثت عن خريطة الرّبيع
بحثت عن مفتاحها
بحثت عن مقياسها
بحثت عن رموزها الكبيرة
فلم أشاهد غير دمعة لامعة
تسيل من مآقي طفلة صغيرة
في ليلة شتويّة
تموج بالأنواء و الرّياح و الصّقيع
و قال لي
انظر هنا يا صاحبي
انظر هنا
هذا هو الرّبيع

** محمّد الزّواري ـ تونس **

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*