قَالَتْ ليَ يَدِي… بقلم الشاعر ميشال سعادة من لبنان.

تَحِيَّة
إِلَى يَدِ الثَّورَة
قَبلَ أَنْ كُنَّا مَعًا ذَاتَ مَسَاءْ
بِيَدِي قَرَعتُ بابَكِ
بيدِكِ فَتَحْتِ دَارَكِ
هَتَفْنَا .. سلَّمْنَا عَلَى غَيرِ مُعَاوَدَة
كانَ عَطفٌ وَانْعِطافٌ
كانَ صَمْتٌ مَلحُوظٌ
ثُمَّ ضَجِيجٌ تَوَّجَهُ لِقَاءْ
كانَ ارتِبَاكٌ بَدَّدَهُ عِنَاقْ
وَكَانَ مَا كَانَ …
لَن أَبُوحَ بِمَا كَانَ
أَلكَلَامُ الجَوْهَرِيُّ لا يُعادُ مَرَّتَينِ
لَكِنْ _
أَبُوحُ بِمَا قَالَتْ لِي يَدِي
حِينَ أخَذَتْ يَدَكِ
قَالَت _
أَنا يَدُكَ
إسْمَعنِي جَيِّدًا _
أَليَدُ تُصَافِحُ وَتُرِيدُ
أَليَدُ إرَادَةٌ وَفِعْلٌ
يَدُكَ التِي أَخَذَتْ يَدَهَا
هِيَ نَفسُهَا اليَدُ التِي
أَخَذَتِ القَلَمَ لِتَكتُبَ لَهَا
أَليَدُ تَذكُرُ
أَليَدُ تَتَذَكَّرُ
أَليَدُ ذَاكِرَةٌ لا تَنسَى
حَتَّىأَدَقِّ التَّفَاصِيلِ
أَليَدُ عَلامَةٌ تَستَوعِبُ إِشَارَاتِ العَالَم
لهَا يَنصَاعُ القَلَمُ وَالوَرَقَةُ
أَلحِبرُ وَالمَعَانِي
‏وَلهَا أَن تَثُورَ
‏وَيُستَجَابُ لهَا
أَليَدُ تَتَلَمَّسُ .. تَشعُرُ وَتُحِبُّ
تَعشَقُ .. تَكرَهُ وَتَغضَبُ
أَليَدُ تَرتَجِفُ فِي حَالاتِ الفَرَحِ
فِي حَالاتِ الحُزنِ
‏وَفِي حَالاتِ الغَضَبِ السَّاطِعِ
أَليَدُ هِيَ هَذَا الجَسَدُ المُقَدَّسُ
تُصِيبُ وَتُخطِىءُ
‏وَلهَا في النِّهَايَةِ أَن تَنَالََ مُبتَغَاهَا
أَليَدُ جِسرُ عُبُورٍ
لَكِنِّها تَعُودُ دَائِمًا وَحِيدَةً
إِلى هَيكَلِهَا
تَرفَعُ الشُّكرَ أَو تَلعَنُ
تَصَوَّري مَعِي رَأسًا بِلا يَدٍ
أَو يَدًا بِلا رَأسٍ
فَمَاذَا يَكُونُ ؟
أَلرَّأسُ يَرئِسُ مَا هُوَ كَائِنٌ وَمَوجُودٌ
وَتَحصِيلًا ‏يَرئِسُ الأَشيَاءَ كلَّهَا
أَليَدُ تُمسِكُ
هِيَ أَيضًا
بِالمَوجُودَاتِ وَالأَشيَاءِ جَمِيعِهَا…
مَا لا يَستَطِيعُهُ الرَّأسُ
تَستَطِيعُهُ اليَدُ
أَليَدُ تَأخُذُ الرَّأسَ الذِي
لَيسَ بِمَقدُورِهِ أَن يَأخُذَ اليَدَ
أَليَدُ رَأسُ الرَّأسِ
وَمُدِيرَةُ أَعمَالِ الجَسَدِ
أَليَدُ تُسَلِّمُ .. تَقُولُ :
تَفَضَّلْ .. تَفَضَّلِي
تَفَضَّلنَ. .. تَفَضَّلُوا
وَكَمَا تَقرَعُ بَابَ الْبَيْتِ
تَقرَعُ أَبوَابَ الجَسَدِ
وَلهَا أَن تَقُولَ _
تَفَضَّلْ أَو لا …
أَليَدُ مِفتَاحُ الجَسَدِ وَالرُّوحِ
‏مَعًا
جَسَدِي / جَسَدُكِ يَلحَقُ اليَدَ
يَسِيرُ وَرَاءَهَا
وَهِيَ أَمَامَهُ .. فَوقَهُ
تَحتَهُ وَفِيهِ
أَليَدُ
وَجهِي .. عُيُونِي وَخَيَالِي
أَفكارِي .. هَوَاجِسِي
أَفرَاحِيَ .. أَحزَانِي وَلامُبَالاتِي
هِيَ
تَقُولُ أُرِيدُ وَلا أُرِيدُ
وَتَفصِلُ بَينَ الإرَادَةِ وَاللَّاإِرَادَةِ
أَليَدُ
أَدَاةُ فَصلٍ وَوَصلٍ
تَخَيَّلِي مَن أَخَذَ يَدَكِ لأَوَّلِ مَرَّةٍ
تَصَوَّرِي
أَوِ استَعِيدِي
مَا كَانَت عَلَيهِ مَشَاعِرُكِ
وَأَحَاسِيسُكِ …
تَخَيَّلِي حِينَ وَدَّعِكِ بَعدَ لِقَاءٍ حَمِيمٍ
أَنا
عَلَى يَقِينٍ أَنَّ يَدَهُ
ظَلَّتْ فِي يَدِكِ
لِليَدِ رَائِحَةٌ
تَفُوقُ رَوَائِحَ الدُّنيَا
أَلعِطرُ يَرحَلُ .. يَزُولُ
عِطرُهَا بَاقٍ
لِليَدِ
رَمزِيَّةٌ تَفُوقُ رُمُوزَ العَالَمِ
هِيَ نَافِذَةُ الجَسَدِ وَبَيتُ الرُّوحِ
أَليَدُ تُمَفصِلُنَا بالعَالَمِ
أَليَدُ مِفصَلٌ وَاتِّصَالٌ
وَيَصعُبُ عَلَينَا التَّميِيزُ
بَينَ مَا هُوَ لِلجَسَدِ
وَمَا هُوَ للعَالَمِ
أَليَدُ بِاليِدِ وَنَجتَمِعُ قُوَّةً
يَصِيرُ الجَسَدَانِ جَسَدًا وَاحِدًا
رُوحًا وَاحِدًا
‏وَدَمًا وَاحِدًا
أَليَدُ اتِّصَالٌ وَتَوَاصُلٌ
مَنْ يُعطِ يَدَهُ يُعطِ جَسَدَهُ وَرُوحَهُ
هَذَا العَطاءُ حِينَهَا _
لا يَتَجَزَّأُ
كُلِّيٌّ هُوَ أَو لا يَكُونُ
إِنَّهُ العَطاءُ دُونَ مِنَّةٍ
أَليَدُ تُغَامِرُ
تَكتَشِفُ .. تَختَبِرُ
تَرَى .. تَبُوحُ .. تَعبُرُ وَتُعَبِّرُ ..
تَعبِيرُهَا أَبلَغُ مِن أَيِّ كَلامٍ
أَليَدُ كِتَابُ حَيَاتِنَا
تَأَمَّلِي خُطُوطَهَا
لِكُلِّ خَطٍّ وَظِيفَةٌ تَطالُ حَيَاتَكِ
مَاضِيًا ، حَاضِرًا وَمُستَقبَلًا
أَليَدُ تُسَلِّمُ .. تَنقُلُ الأحَاسِيسَ
هِيَ فَاعِلَةٌ .. مُنَفِّذَةٌ وَمُنفَعِلَةٌ
تُهَاجِمُ .. تَضطَّرِبُ
تَعشَقُ قَبلَ العَينِ وَالقَلبِ
أَليَدُ تَغضَبُ وَتَحِنُّ
دُونَهَا مَا كان فِعلُ ” كُنْ “
‏لا كانَت أَرضٌ ولا مِحرَاثٌ
‏وَلا كانَ وَطَنٌ
أَليَدُ تُجَسِّدُ
لهَا شُرُوطُهَا وَأَمَانِيهَا
وَهَذَا العَالَمُ دُونَها مُجَرَّدُ هَيُولَى
لليدِ البدايةُ والنهايةُ
وقد تكون النهايةُ مؤجَّلةً
‏لكِّنها في الطَّريقِ آتية
هي التاريخُ /الزمان
ولها ان تفعلَ في الجغرافية
ماتريد
جَبَلَتِ الطِّينَ وصاغتْ
وكوّنتْ
وهي في الوقت ذاتهِ
تمحو وتطمسُ
تبني وتهدمُ
اليدُ تحملُ خيوطَ حياتنا
وسطورَنا
وهي الكتابُ
وتقاطيعُ وجوهنا
اليد تقصُّ الحكايا وتخبرُ
لها رواياتٌ تعصى على روائيٍّ
وإنْ علا شأنُهُ
‏تَجَبَّرَ أو تَكبَّرَ
اليد ذاكرةُ الجسدِ والروحِ
تكتب تقول الفكرَ
والأحاسيسَ والمشاعرَ
قد تكون صادقةً وكاذبةً
وهي تعرفُ وقد تخطئُ
اليد تتكلّمُ
لها بلاغتُها
‏ولا افتراضاتُها
وبيانُها وإعجازُها
اليد تشيرُ تعزفُ
ترقص تلوّحُ
تبكي وتفرح
وتعرف كيف تصمت
وكيف تُمارس القوّة واللين
اليدُ موصولةٌ بالقلم
بالرّيشة
باللوحة بالأرض بالمحراث
اليد موصولةٌ بالعطاء
تنظّف وتفسدُ
تحنّ تقتلُ وتحيي
اذا ماتت يدي
مات جسدي
مات كلامي
‏وانعدَمَتْ طمُوحَاتي
اليدُ تكتب نصّ الحياة
ونصَّ الموتِ
تمارس التَّوقيعَ
وهي عادلةٌ
تشكّلُ العالمَ الماديّ والروحيّ
تنصُّ تنسجُ
تخيطُ وتمزّق
أنظري الى يدك قد تقولُ لكِ أكثَرَ
مِمَّا قالت لي يدي
وأنتِ
يا يدي أغارُ منكِ
أحسدُكِ أخذتِ يدَها
ما عادتْ يدي يدي
يدُكِ في يدي
‏تَنجَحُ الثَّورَةُ
ويكتملُ العالمُ
يدكِ في يدي :
أنتِ انا وأنا انتِ
أنانا واحدٌ
سُبحانَ من هَندَسَ الأيدي
وأودعَها السَّلامةَ ..
ميشال سعادة
دَائِمًا _
مَعَ الفنَّانَة التَّشكِيلِيَّة القديرة
وأَعمَلِهَا المُمَيَّزَة
الصَّدِيقَة Tamina Saade

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*