في البلدة القديمة بقلم الشاعر رمضان زيدان من مصر.

جاءوا لها
من كل حدبٍ شاردٍ
مستنفرين منذ
آماد طوالٍ صوبها
مدججين لغدرها
نزلت على
موج الشواطئ قربها
غربان سوادهم
حطّتْ بغتةً عليها
خفافيشٌ بين أدراب
الظلام تسللوا إليها
تلبّدوا مترقبين هناك
شبحٌ يحوم بمخلبٍ فتّاك
تهجير أهلك يا فتى أضناكا
هذي بلادك ما لها إلاكا
مهرةٌ عربيةٌ
تعدو بخطْوٍ جامحٍ
بين الفلا
وتبخترت فوق المرابع طارفاً
أصل العراقة
من لها والّا فلا
بياض شامة غرتها
بريقٌ يرمق نفرتها
يعكس لون رملها الذهبي
تلاحق فارسها الأبيّ
ليسرج صهوات
بساط المد الوثاب
لمن ثاب اليوم لروضتها
بين الأرجاء
مواكب تغدو وتروح
وأماكن حفلتْ بنزوح
باعة متجوّلين
مروّجين لبضائعهم
وكذا أكاليل الزهور
وأكشاك ألبسةٍ وعطور
وبدا بزاويةٍ
على ناصية الشارع
مخبز تفوح منه
رائحة الحنطة
ومررت هناك بمحطة
يقصدها قائدو المركبات
من أجل تمويل الوقود
وقد حفل المشهد بوجود
طلاب علمٍ
بجامعة بئر الزيت
علموا الكثير
وعلّموا إذا أصغيت
تاريخ نبل مسيرةٍ
كدٌ يبوح بسيرةٍ
ونضال شعب مقاوم أوعيت ؟
عمال تشييدٍ
ومهندسو إباءها رحاب البيت
شبّان صحوتها باعثو أمجادها
وسرب ملحمةٍ
من العمل الدؤوب
ومواكب السؤدد
من فوق الدروب
رواد معرفةٍ
كفرسان على ظهر الجياد
مثقفون . مؤرخون
لسفوح وهام الأوتاد
بالمشهد أحد الأحباش تجوّل
وتعالى صوت الأوناش تحوّل
متعهد للتخريب مُخوّل
كي يهدم شاهدها الأول
قلاع الصمود من عريق مداكا
صخور الأرض . حجارتها
في كل ركن من صروح عُلاكا
عمدوا إلي المقدسي وأرضه
دافعين به
لأتون الفناء لمراجل الغليان
وتسلل العدوان خلسةً
لزهرة المدائن المنيرة
لدرة الأماكن النضيرة
وجدانها وجهان
نارٌ ومحرقة على رأس العدا
وغصون باسقة لمن لبى الندا
أشداء على من جاء مسترقا
رحماء عند العابد الأتقى
أترى عيون المها لم تُصب بسواكا
كالسهم يمرق لم يرى إلاكا
بِكر الصحاري بكرة الإصباحِ
عبق المزارع وهجة الوضاحِ
فلا تبرح ولا تنزح
ولا تأوي إلى مكمن
حتى وان كان به الآن
سُدى مأمن
فكن عنوان صحوتها
وان عانيت
سر واطبع لأقدامك بإقدامك
بصمات وجْدٍ على حجر ٍ
صقلته زخات المطر
ظهرت جلياً عنده
قسمات أوجه للبشر
فتوقف لبضع دقائق
وارمق في مبانيها
مقراً لمؤسسةٍ
أو جدران مدرسةٍ
من بين الحيطان تفحّص
في بيانك سطّره ولخّص
وبريشة فنانٍ شخّص
وتترس بين الشجعان تمرس
بحضورٍ لك في موكبها
فأنتَ صاري مشرعها
سكنتَ نياط مهجتها
ولترسم غصن الزيتون
وطيور .. فوق الحيطان
باسلةٌ نقشتْ توقيعاً
بسنابك حافر أرجلها
فوق دروب صحاريها
تراها في مدى الماضي
وبين الخلق حاضرها
ترمح في رُبى الوديان
فروّضها على الإقدام
بين جحافل الأقدام
فأنت دليل مشربها
وأنت عشير عزوتها
في دنياها لا تتركها
وان ضحيتَ بكل نفيس
لكي تبقى منازلها
تضم صحابها الأُصلا
فظل الظل من ظلك
بالتحنان قد وصلا
وخلفك جاء أعدادٌ لإمدادٍ
هم أجيال نصرتها
قد هلّوا وما ولّوا
عن أتراب ساحتها
شبيبة حيّك المقدام
قد وثبوا
على من عادا مُهراكا
طالع عليها ها هنا
ترى الوديعة قد سكنتْ
لأبدٍ بين عيناكا
في ربوة سربٍ جوّابٍ
تقودُ يمامةٌ حَسنا
تميل بلونها الجذاب
الى محراب
زرقة عينها الوسنى
تجول بمد أجنحةٍ
فوق رحابة مثنى
على وادي شمائلها
حمائمها تواكبت حرائرها
لاحت سمات بالمحبة
وغصن زيتون السلام
أو ما رآها رافعو الأعلام
على قاعات من عمدوا
إلى إبعاد فارسها عن المشهد
رؤى الإعداد في ملكاته تشهد
مرئيةً فوق الحمى
تسمو الروابي في أعالي سماكا
تغدو المواكب يا فتى
من ذا خطا بخُطاكا
كي تحمي جسدها
وجيدها النحيل
إذا هبطت
من فوق سعفٍ للنخيل
وألف جيلٍ
قد رأي بين أسفارٍ دليل
مخطوط وعد بالثرى يلقاكا
هلّا اطلعْت فما لها إلاكا
روحها تطير بعيداً بعيدا
عن لدغ الأفاعي
إذا حطت رحالها
على أرض الأمان
تصوّرت بسذاجتها
برقتها بقلة خبرتها
أن هناك تعويذة تُقرأ
كي تُبرئ
من لدغ رقطاء تعيث
وبين جنبات التعيس
طعنات حراب تتوالى
صيحاتٌ بدأت تتعالى
ومضات …
ندهة آهات وخيالات
وبدا في درب السرداب سراب
حتى إذا أتاه
من أضناه الظمأ
لم يجد إلاكا
دارت الخطوات
حارت واستراحت
ها هي
راحة روحها في مُحياكا
بحثتْ طويلاً في عيون مُناكا
فهل جاءوها إيمانا ؟
أم حقاً وميراثا ؟!
كتبوا على بردية صكا
وانتزعوا به حكما
من أحكام تدليسٍ
بإحكامٍ فَرَى أوغاد
فقد زعموا
بأرض المهد والعهد
لهم ميعاد
وقفوا أمام مبكاهم
متباكين محرقةً
وقبل قرون محرقةٍ
ببابل ذُل أسراهم
مرتجفين مطأطئ رؤوسهمُ
مدعو الخشوع
آ للغفران كان حقيق نجواهم ؟
أم أن الزيف والتزييف
مؤرخين لهواهم
على الأمصار والأمة
عليها تداعت الأكلة
من شتى منافذها
سطوا من كل أنحاءٍ
حتى من نوافذها
آ مِن ضعفٍ آ مِن خوفٍ
كان القهر مورِثها ؟!
آ غفوت ثانية ؟
بعدُك استيقظت!
قد دوّن التاريخ دعة باعثٍ
فوق السطور
عبر أحقاب العصور
مستطرداً ..
أن الفتى المقدام
فوق ديباجٍ وثيرٍ قد غفا
وفي توالى الأحداث
في زحامٍ اختفى
معي أنت
مال هنيهةً
لبعض الوقت .. آ وعيت ؟!
لكنه متواجد فوق الثرى
تدب خُطاه
بصفو جمال رونقها
تبدّى في مُحيّاه
بين شوارعها مزارعها
آكل من قمحة زارعها
شاربَ من ماء عذوبتها
نفحته تبارك ساقيها
كوفيته من حول الجيد
قد التفّت
بَدَتْ وصفه لكف البرد
رمزٌ للثورة من قلب الشارع
ولعطفه لمواكب حرة قوى الرد
وألف موروث جليل
من أراضيها
ولد الأبيُّ في أحضان دافئةٍ
تجلّت في أمومتها
شربَ البطولة من دنيا مراعيها
ماضياً لعلاه
نحو الخلود في منحى أمانيها
حال المقال مفوهٌ
كم أصدر من بياناتٍ
في تعبير رؤياها
تحكي في حكاياتٍ
منذ فجر بزوغها
فالقارئ والمدوّن كلاهما أرساكا
في كل شبر علَّموا
نقشوا على حجر الكرامة عزةً
نبض الحروف بشدوه معناكا
هذي سماء الكون
بسطتْ ظلها
كالأم تحمي في ضعاف صغارها
من شمس حارقة
من زحف خارقة
روح البراءة تملأ الأجواء دانيةً
رغم الخطوب
فترى الطيور
شماء من فوق الرُبى
حال الوجوب
كأنها نبوءة الزرقاء
تنبئ عن قرب غارات العدا
وقت الحروب
سرب الفناء رمقته عين يمامة
كانت تطوف حراسةً
لما توالوا بالردى
حملوا الدجى
على سنا دنياكا
قد أعلنتْ من حينها
فِرقُ التصدي ما لها إلاكا
أروقةٌ . هامات
شواهق شامخات
تدوّن في عناوين النضالِ
قطعة صخر مزركشةٍ
وضعت شامة شاهدٍ
توالت عليها أيام خوالي
تعطي انطباع مقاصد
بملخص الإجمالِ
في إحدى معالمها
ترى بها حائط البطولاتِ
نبض البناة السامقين
عكس المزار ترابطاً
وشائج الجبهاتِ
وتلك البنايات العتيقة
متاحفها حقبة في معارفها
سطّر عليها يا فتى
من ربيع صباكا
بالله قل لي بعدما
لـمّـا رأيتَ صبابةً
في عينها من لها الاكا ؟
نور الصباح
يعانق في قسمات بانيها
يعرف وجوه حسانها
إذا همّوا
لدور العلم في ضواحيها
يعرف بائع كعكها المقدسي بالزعتر
يعرف زيت زيتونها
ووفرة طرحه الأخضر
يعرف ساقيةً تدور
لتروي الأرض
وساقية أخرى
تثور بالبارود تحمي العرض
أبيٌّ فتيُّ العروبة شُدَّ العزائم
من زنود يداكا
تحمي الحمى متوشِّحاً بقواكا
في البلدة القديمة
تحفة معمارية لمثمنِ الأضلاعِ
قد عانقت سحب السماء
بروعة الإبداعِ
لاحت تمائم الزوار
في باحات مقدسها
بين قلاعها العربان
غدوا فرسان محرسها
كأن الصقر حاملها
بجناحيه حارسها
متأهّب الغدوات
في مرماه كي يقلع
والقبة الشمّاء رائعةٌ
مرفوعةٌ على أركانها الأربع
كِندي تجلّى يومها
في زخارفٍ نُصّع
وابن سلام بانيها
من لمساته أبدع
بناة المجد وقفوا هناك
بأرض المجد شدواكا
من عكف في محرابها ؟
قدسية عكست لنا مغزاكا
لو أنهم قد أطلقوا
غازاً مسيّلَ للدموع
كي يطفئوا ضوء الشموع
لا تُلقي لهم بالاً
ولا تشغلك أحوالٌ
فهم أتون لوبالٍ
وحتف مصيرهم محتوم
بفعل قد مضي معلوم
بالفرقان ( وقضينا … )
فابعث لهم
عبق النسيم بسنبلة
وإلى المرابع أوْصَله
ربيعُ زهر موسمي
بعد ثمرات تفوح
لبرتقال يافوي
رائحة مسك تدحر الكير الكريه
حتماً يزول
دخان غازهم الملوث
والمدنس للشرى
أو ما ترى
حتف مصرعهم جرى
في روضة الإسراء
سوف تبقي
أرضك الغراء سامقة
حامي حدودها المغوار
من تنسيم فحواكا
فالذرة الشامية
وشقائق النعمان والأقحوان
في خاصرة الأرض
أعوادٌ وأغصان الحياة الخضر
قمن في حاضرة المجد
من روح الإباء والفداء
وفي غيداء الرخاء
ازدهين الوارفات كأنهن الأمهات
يبعثن صيحة والهٍ
من يُجب مستنفراً للنِدا إلاكا ؟
قبسٌ ينير محبةً
على وجه الدُنا
قسمات خَلق نيرات وجنها
بعثت تباسيم الصباح
بلمسة الإشراق لاح بريقها
تزجي الرياح المزن
فوق ربوعها ودقاً وفيراً
من ضروع سماءها
ليهدي الرقراق خالص عذبه
إلى وديانها وسهولها
على مرابعها الولوع
بلحن رونقها البهيّ
فيض المنابع التي
غمرت حياض مروجها
وروض بستان نديّ
يلتاع يومه .. يؤمه
إلى السنام ليعتلي مناه
في بزوغ فجرها
وفي صفاء عيونها أنت لها
أيها العربي من لها إلاكا
فالخير كل الخير
قد صافح كفه يُمناكا
…..
رمضان زيدان
zidaneramadan@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*