متشرد الميناء بقلم محمد دوتركة من المغرب.

مرة أخرى إنها “البراكة” اللعينة، حيث لا ضوء ولا أكل، وكل ما يوجد هو شخير علال الذي يأتي من البراكة المجاورة وبعض الخبز اليابس على رف حجر إتخذته مائدة للأكل، غم في غم، وضع بئيس يرثى له، بقيت متمددا في موضعي تتقاذفني الأفكار اليائسة حتى يئست منها هي الأخرى ونهضت لأغمس الخبز “الكارم” في الماء لأطرد به الجوع، وصل بي الحال إلى اليوم الثاني دون أكل، صحتي أخذت في التدهور وبدأت أنحف، وأسناني تتساقط كل يوم من فرط التدخين..إنني أفضل أن أبقى بلا طعام على أن أبقى بلا سجائر، وكل فلس جنيته أصرفه في إيجار هذا الوكر الخبيث وشراء السجائر وبعض الحشيش، ماذا أفعل؟! إنها ٱفة المراهقة، ذلك الإندفاع هو من أوقعني في هاته المتاهة. إنتهيت من أكل الخبز اليابس وعدت إلى موضعي ودثرت نفسي بلحاف بالي منتظرا صياح ديك الميناء.أخذ الديك في الصياح مشيرا إلى أن الساعة بلغت السادسة صباحا، إنه وقت حمل صناديق السمك، يا لوضاعة هذا العمل؟ أخذت معطفي الرث وأغلقت الوكر اللعين بمزلاج من حديد وأخذت أركض لكي لا يسبقني فقراء حي درادب ومرشان إلى غنائم المرسى، توقفت عند أول حاوية للأزبال لأتناول وجبة فطوري الصباحي، بقيت أبحث في الحاوية طويلا ولم أجد سوى فتات خبز وبعض من السمك المعلب ونصف قنينة فودكا، تناولت السمك وشربت الفودكا لكي تقيني من قسارة البرد. إستأنفت الركض بسرعة ووصلت للميناء كان خاليا إلا من بعض القطط التي تقتات على السمك الذي يدلف خارج الصناديق، جلست القرفصاء فوق صخرة أنتظر وصول اول قارب لأنقض عليه، ولم يمر إلا وقت قصير حتى تراءى لي قارب يستعد للرسو وسارعت إليه لألبي النداء ككل صباح، وقفت أمامه كجندي روسي إبان الحكم القيصري مؤديا تحية الصباح، رمقني صاحب الصناديق بنظرة إزدراء وأمرني ببدء العمل.. لكن يا سيدي قبل ان أبدأ هلا تخبرني بكم ثمن الصندوق الواحد.يا إبن العاهرة إعمل ولا تسأل، وإلا سأسلخ جلدك وأرميك لهذه الكلاب يا كلبحاضر مولاي.بكل خنوع وطاعة بدأت عملي وأخذت في حمل الصناديق إلى الضفة الأخرى، دأبت على ذلك الحال إلى أن أنهيت عملي ومن ثم عدت لأستلم بعض الفلسات، سلمني ابن العاهرة خمسون درهما، خمسون درهما يالا العار! وهل ذاك الجهد الذي بذلته يستحق خمسون درهما فقط؟! ماذا أفعل بهاته الخمسين؟ أأدفع منها للإيجار أم اشتري بها سجائر أم أكل منها؟ إن هؤلاء الجشعون إستغلاليون، لا يهتمون لكونك إنسان كل ما يهتمون به هو هل في مقدورك الإنتاج ؟ إن كان نعم فمرحبا بك وإن كان لا فمصيرك الزوال، إن إله هذا الزمن هو الرأسمالية، الرأسمالية الجشعة التي أتت على الأخضر واليابس ولم تترك أي شيء..هذا الزمن لا يعترف بالمتشردين مثلي إنه زمن الإنسان السوبرمان، زمن الصنم الذي دأب نيتشه حياته كلها يشيده، يا للعار مرة أخرى.دست الخمسين درهما في جيبي وإنصرفت، توجهت إلى أقرب بائع سجائر وأخذت علبة وينستون، وما بقي لدي من سنتات أخذت بها بعض الخبز وتابعت مسيري مرة أخرى الى الوكر اللعين، وصلت وأزلت المزلاج ودلفت إلى الداخل، إستلقيت لأطرد تعب اليوم ورائحة السردين تفور من ثيابي، بئسا لهاته الحال التي أوقعت نفسي فيها. أشعلت سجارة لأطرد الغبش وسرحت في ذكرياتي القديمة الأمد، ذكرياتي لما كنت طالبا بالجامعة وحضوري للحلقيات التي ينظمها الرفاق، تذكرت أصدقائي في شعبة الفلسفة و ولعي بالشعر والموسيقى والرواية، تذكرت هوسي بالماغوط[…] تذكرت كل هذا بمرارة وحزن، فقد كان حلمي أن أصبح أستاذا للفلسفة وإنتهى بي المطاف إلى متشرد لعين، متشرد يسكن وكرا وضيعا، يا لسخرية القدر…أتممت علبة الونستون ولعنت نفسي وأخذت دثاري البالي وتلحفت به منتظرا صياح الديك لبدء يوم حزن ٱخر…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*