“العمق العربي في نهر وادي التل”مذكرات وخواطر كتبتها ضيفة الشرف الأديبة والناقدة الفلسطينية حنان بدران.


*بنفسجة مبحرة.. في ذكريات الطفولة عن التل:

الجزء الأول :

***ذات شفق أحمر مخملي لم يكن سهلا أن أخلع عن جلدي أصوات اللحظة ورائحتها وألوانها..
لا أحد أمامي، لا أحد ورائي، مثل صرخة في مغارة خاوية.
كنت طفلة أركض مع رفاقي وراء الفراشات في وسط الغابة حيث كان يقع منزلي الصغير الذي يتوسط بستان أشجار الجوز ، منه نقطع شارعاً ضيقاً لنجد النهر المتدفق ضفتان يربطهما جسر خشبي قديم بني فوق النهر أهرب من خلاله مثل الصبيان ، لأمسك العشب والتقط الطيور التي كان والدي يصطادها من شرفة المنزل المطلة على غابة الحور ، ثم أركض في سباق محموم بيني وبين ابن الجيران الذي كان ملتصقاً بي كظلي، نركض سويا ونتسابق ببراءة لالتقاط الطير من الغابة، ولا مانع بحجة الطير أن نلهو قليلاً ونقوم باصطياد “الأفاعي الصغيرة” وأنا أصرخ أمامه: لقد أمسكت دودة!
ولأنه كان أكبر عمراً وأنضج معرفة كان يضحك وضحكته يرددها صدى الكون، عندما كان الضوء يغمر جدائلي الكستنائية، وتراني تلك الطفلة النحيلة جميلة الوجه ذات عينين عسليتين، قوية البنية ما يميز جسدي أثر جرح وأنا أتسلق شجرة الجوز الضخمة.

“لا أذكر كيف أصبت بالجرح، ما قبل ولادتي أو بعدها، ولا أحد يتذكر أثر رمح مرئي اخترقني أتحسس المكان الآن وأنا أتساءل فيما إذا كانت صرخة عذاب الطفولة، أم خرجت من سهم القلب ولم تكن بعد لتجد طريقها إلى الحنجرة أو إلى الأبجدية فثقبت الجسد ولم يسمعها أحد ، أم أن أثر الجرح كان جناحاً قد بدأ ينبت لي فانتبهت أمي ونادت نساء الحي وجئن بالساحرة التي قصته لي في احتفال رقوني خلاله بالبخور والأدعية ودم الحنش وبيض الأفاعي المسحوقة؟..
أم أن ذلك الجرح كان أصابع أمي على جسدي يوم غمستني في نهر الوعي بألوانه المنصهرة النارية لتصفعني بالإرادة ضد الألم ، أم صرخة عذاب خرجت ذات ليلة من القلب وضيعت طريقها إلى الحنجرة فتفجرت بالأبجدية، ولم تبلغه ماء النهر بسبب أصابعها الممسكة بي.”


الجزء الثاني:
****حدث أن ولدت في أعرق مدن العالم وفي التاريخ..تشدني الذاكرة فيها إلى رائحة القهوة بطاحونة يدوية بين يدي صبية تطحن البن لصنع القهوة لنساء الحي، كان مناخا غامضا بالسحر ومليء بالألفة، والمدفئة الحديدية تلتهم خشب الوقت ونحن نلتف حولها نضع الخبز مع السمن والسكر في وجبة دسمة ننتظرها بفارغ الصبر.في هذه المرحلة كان البطل الحقيقي في حياتي هو القرية بهذا المكان من التل هنا على هذه الأرض الخصبة والطقس الفاحش الحنان والقرية المرمية على طرف الغابة تفور بالماء والخضرة والطراوة بين أنوف الأرانب المرتجفة والسحالي وازيز الصرصار الليلي والقطط البرية والجراد الأحمر والفراشات الملونة ودودة الربيع الملونة والعقارب. مع كل هذه المخلوقات تسلقت أشجار الجوز والصفصاف والحور وقفزت إلى السواقي من فوق الجسر الممتد الذي يفصلني عنها. شربت من ينابيع عذبة تتدفق من جبل معتدل الارتفاع ثم وادي خفيف يشطر النهر شطرين. هنا وعيت معنى الألفة الحقيقة مع كائنات الطبيعة كلها! هنا كانت كهارب الحب الأولى تتواصل وتمتد فنتفاهم دون الحاجة لاستعمال اللغة.من غرفتي الصغيرة ذات النافذة المنخفضة على ارتفاع سريري تماما المطلة على أشجار الجوز والصفصاف والدلب والحور. هكذا كنت كمن ينام في العراء.ذات ليلة كان القمر يفترس الجمال! الريح تحرك الأشجار فتبدو عبر ظلالها وكأنها تركض في الحقول على رؤوس أصابعها، خطر في بالي أن أفتح النافذة وأهلي نيام، ثم قفزت منها إلى الحقل لكي أشارك الأشجار رقصة الليل، وكانت أول مرة أمشي فيها وحيدة في الليل. سرت طويلاً، إلا أن سمعت خشيش الأوراق الجافة تحت قدمي وصوت يداهمني كالصاعقة! انتفضت قافزة مع أصوات الليل العجيبة!- “من ورائي؟” أركض مختفية بحجمي الصغير خلف شجرة الصفصاف بعد صمت عم المكان إلا من دقات قلبي، غير أن الكون من حولي مازال يواصل حوار الأشجار مع التراب والريح مع الينابيع، وصوت همس النسغ الراكض في أوردة الخضرة، كسلحفاة تحاول أن تجد صدفتها التي فقدتها للتو، وإذا بمصباح الضوء حولي يسجنني داخل البقعة يحمله والدي الذي قفز أمامي فجأة.بكيت يومها لا خوفاً، بل بسبب حنان غمرني، وأنا الطفلة الوحيدة في الغابة، برحلتي السرية التي لم تكتمل.من يومها سقطت في فخ الاكتشاف والرفض، ومن يومها لم تتوقف مغامرات العمر..

الجزء الثالث:

***من هنا، من التل، نما الحب الحقيقي فياضاً نحو كائنات الطبيعة الصامتة، وإلى جانبها كبر وعي التواصل العفوي المؤنس، وبكهارب الحب المتبادل التي امتدت بيننا، نتفاهم دون استخدام اللغة. ربما من أجل هذا لم تكن تخيفني الطبيعة حين تصدر صوتاً أو أي نوع من التعبير، ولهذا فإن حالة الحب مع كائنات الكون والطبيعة تستبدل الصوت بحالة الجذب الأثيري، واللغة بالتواصل التلقائي.
لقد وعيت مع الصبيان والبنات مثلي، ومع ابن الجيران، على فكرة التعذيب بقسوة الذي كنت أرفض أن أشارك بقصف أحد أجنحة الجنادب، أو قطع ذنب الحردون، أو اصطياد الضفادع لشيها فوق الجمر.
منذ تلك اللحظة وعيت كم أن الإنسان يمارس القسوة ذاتها على أخيه الإنسان، ولن يمر الوقت طويلا حتى أدرك كم عالمنا بحاجة إلى الحنان وطاقة المحبة كموقف من الكون نغرسه في صغارنا منذ الطفولة نحو كل ما يحيط بنا من مخلوقات ونباتات وإشارات كونية، من المحبة لا من البغضاء والقسوة والتدمير.
ربما لهذا السبب لم أخف الأفاعي حين أمسكها ولم يحدث أن لدغتني قط.
لم يكن هناك أقسى من توبيخ أمي لي وهي تنهرني كي أبتعد عن تلك الأفعال الشيطانية والتي كانت تلصق بي.
إلى أن كان يوما شديد الغرابة، وكأن الأفاعي خرجت من بيوتها وهاجمت قبيلتي الصغيرة!
صوت طائرات يهدر في السماء وصوت أمي ينادي باسمي وهي تمسك أخي وأختي الصغيرة بين ذراعيها، وإذ بالطائرات، مثل سرب من الطيور السوداء تحجب عين الشمس كسوفاً، أمي تنادي بصوت مرتجف وخائف:

“حنان، أسرعي، أسرعي!”
نزلنا الدرج مسرعين، وإذا بالجيران يركضون على الدرج ذاته. أسرعت ابنة الجيران لتحمل أخي بين ذراعيها وتمسكني من يدي، مسرعين إلى الشارع، والكل يتلفت بحثاً عن ملجأ، حتى صرخت إحدى الجارات:

“اركضوا نتخبى تحت الجسر! هيدا أكتر شي أمان”..
لا أعرف كيف تدحرجت الحجارة المنهارة على طرف النهر ونحن ننزل لنغوص في الماء ونمشي عكس التيار حتى نصل إلى الجسر ونصبح كلنا كأننا كتلة جسدية واحدة وضخمة ويكاد ينفجر المكان مكتظاً.

الجزء الرابع والأخير:

**لا أعرف كم من الوقت مضى، وأظن أننا لبثنا طويلاً ممتلئين بالذعر، حتى صرخت جارتنا:

“أين هو؟”
تلفت الجميع نحوها.

“غالب أين هو؟؟”
اكتشفنا أن أخي الصغير كان يباغتها راحلا لكي يلعب عبر النهر، ظناً منه أن كل ما يحدث هنا ليس أكثر من لعبة لتسليته.
شهقت أمي وهي تناول أختي الصغيرة لجارتنا والكل يناديها أن لا تخرج، فالقصف فوق رأسها، وقد تحول المكان في لحظة إلى فوضى عارمة فيها كل أنواع التعبير عن الهلع..
دون أي اكتراث لكل ما كان حولها، زحفت أمي على ركبتيها وهي تنادي بهدوء مصطنع:

“غالب حبيبي! تعال إلى ماما لا تخف!”
وإذا به ينزلق بحجارة النهر الملساء، ويقع فجأة وهو يقاوم دفع الماء له مترين أو أكثر.
لم تعِ أمي إلا وهي تقف بكامل قامتها وترمي بنفسها قافزة عبر النهر إلى أقرب نقطة إليه..تحمله بين ذراعيها والنساء يصرخن، وكأنها فقدت السمع حينها، وكل ما كانت تكترث له هو أن يكون بين ذراعيها تحتويه وتضمه إلى صدرها كأنها تحميه بجسدها:

“أنزلي رأسك نحو الأسفل!”
عادت أمي مسرعة وهي تقطر كجورب مبلول لكي تأخذ أختي الصغيرة بذراعها اليمنى وباليسرى تمسك بيدي بشدة بينما أبكي وأنا أقول:

“ماما شوفي شو هيدا!”
تضمني إلى صدرها:

“لا تخافي حبيبتي الآن تنتهي الغارة!”
لا أعرف كم مضى من الوقت ونحن نجلس القرفصاء تحت الجسر إلى أن قالت إحداهن:

“الآن انتهت الغارة!”
خرجنا جميعاً نجر بقايانا المهترئة ذعرا وخوفا عائدين إلى بيوتنا.
ما كادت أمي تستبدل ثيابها حتى ركضت إلى الشرفة منتظرة والدي الذي تأخر عن موعده المعتاد. تفقدت الطريق الرئيس، ثم تحول نظرها إلى جهة الحرش تبحث بين أوراق الأشجار الكثيفة والمتشابكة عن أي أثر لوالدي.
مضى الوقت وبدأ الظلام يزحف بتثاقل أعمى. لم تنم ليلتها وهي تقلب الساعة بنظراتها. شعرت بثقل الوقت يرزح على صدرها، وهدوء حذر يعم المكان وصوت صرصور الليل يخترقه، وصوت ابن آوى من بعيد.
طال الوقت في انتظار مؤلم حتى أخذ الشروق يتسلل من بين الأغصان المتشابكة. قفزت تفتح المذياع..
تعيد الأخبار نشر قصة الغارة الجوية وتكمل حديثها عن قصف مقر رجالات المقاومة..
تجمدت أمي. انتابها دوار حتى شلت أوصالها ولم تعد تسمع سوى دوي يهز الكون:

“لم ينج أحد! “
بصوت مرتجف خنق حنجرتها وهي تتهاوى فوق سريري وهي كالبركان والزلزال تخرج حروفها من بين شفتيها كالنار:

“أبوكن، راح أبوكن شهيد!”
أحسست بالفجيعة بينما كان جسدها ينهار فوقي.


فتحت عيني فزعة وأنا أرسم فتحة في الإطار الذي بدا لي كأنه صورة والدي على الجدار..
قفزت من الإطار فجأة بلا تردد وهربت إلى صقيع الفراغ في الحياة الذي بات ينتظرني، وكأنني في عنق الزجاجة وقد تم خلقي للمرة الثانية .!


حنان بدران/فلسطين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*