الحظ لا يبتسم للفرنان…قصّة قصيرة بقلم الكاتبة راضية بن عبد الله من تونس.

تقول ريحانة.. في الرابعة وعشرين من عمري ولسبب أو آخر تم إلغاء زفافي إلى حين..بعد أن تم تحديد موعده وكراء الفستان واستعدادي له على أكمل وجه…حتى أن كل من رآني في تلك الفترة يناديني بالعروس..! فكيف سأواجه الناس ونظراتهم الملغومة بالاحتمالات في حقي، كيف يا ربي..! الأسوء من ذلك كله..كيف يمكنني سحب المنشور الذي أنزلته في صفحتي في الفيسبوك..أعلن فيه عن موعد الزفاف القريب وأستدعي فيه صديقاتي .. سأكون حتما أضحوكة…
جمعت نفسي المنهارة وتظاهرت بالصلابة وأخبرت أهل ديرتي مبتسمة وفي داخلي أخفي كم كبير من الحزن..أخرنا الزواج إلى سنة ثم تسللت لصفحتي وحذفت المنشور…
أوشكت السنة على الانتهاء حضر خطيبي ومعه أهله إلى منزلنا لنتناقش في آخر التحضيرات تناولنا العشاء على مهل وسط تعالي ضحكاتنا بين حين وآخر، ثم أخذت أنظّف المائدة، حينها طلب مني خطيبي أن آخذ هاتفه لأشحنه، دخلت غرفتي لأضعه في المقبس..وعند خروجي كانت نفسي تأمرني أن أتصفّح الهاتف فآنصعت لها دون مقاومة..وفعلت فوجدت ما وجدت..وجدته يعيش الحبّ مع كائنات الأرض كلها..! بنات الجيران قريباتي وأنا التي تحبّ التملك في الحبّ واصلت قراءة الرسائل فتبيّن لي من خلال محاورته مع إحداهن أنها تحمل في أحشاءها طفلا منه..
أعدت له هاتفه في صمت و هو يجلس في الصالون برفقة أهله و أهلي الذين بدت على وجوههم علامات التعجب.. لماذا اعدته !!، جلست بعيدا عنهم وكتبت له رسالة: أتخونني !!!
ردّ حاشى..
أجبت بلا.. حتى مع قريباتي.. مع بنات الجيران ولك ابن غير شرعي وانا المغفلة بينكم !!
كيف سمحت لك نفسك أن تدوس على مشاعري في ظهري..!؟
أجاب مطلقا..
أتكذب عليّ يا هذا..؟ هيا خذ أهلك وانصرف والاّ فسأفضحك أمام الجميع.. لن نجتمع معا..أبدا..
لم يكلف نفسه التوسّل إليّ.. بل غادر في هدوء،، بعد مدة آتّصل بأبي ليخبره بما جرى.
تحدث معي أبي قائلا : يا آبنتي لا يخفى عنك أننا نعيش في ريف وكلام الناس كثير..فكيف سنواجهه ! إفهميها.. أخبرته أني لم أعد أحبه…
وباءت كل محاولاته بالفشل وفعلا فسخت خطبتي..فركض الكل ليستفسر الأمر وبداخلي حطام وبركان من الحزن والأسى لم أستطع البوح به.. فأخفي دمعي وأجيب عن أسئلة ليس من حقهم طرحها عليّ.. بات إسمي على كل لسان كنت أشعر بألسنتهم السّامة تقرسني حتى و أنا داخل منزلي داخل غرفتي… فأبكي…. ثم أبكي ليس لي شيء أصنعه إلا أن أبكي…
في السابعة و العشرين من عمري و قبيل ميعاد خطبتي بأيام ألغي الميعاد لسبب أو لآخر أنتزعت مني فرحني أيضا هذه المرّة..فكيف لي أن أواجه هذا العالم بكل هذه الأثقال..إعترف لي صاحبي أنه إرتكب أخطاء فادحة يريدني أن أسامحه عليها…!
تواصل معي عبر الأنترنات..الموضوع جدا مهم.. أخطاء لا تغتفر.. أريد أن أعترف.. انبني ضميري جدا لقد كانت لي علاقة محرمة مع احداهن وهي من أغوتني وما تزال تجرني إلى الإستمرار في الحرام.. أصبحت لا أنام الليل ولا أتوقف عن شرب الخمر..
وكانت صدمتي عندما أخبرني، صدمة زلزلت كياني..ليس لمخلوق على وجه الكون أن يتحملها.. الأسوء من ذلك يريدنا أن ننفصل..! لقد تكلم قاصدا أن أغفر له وأن أعرف منه لا منها إلا أنه تلعثم في ما يريد.. فقال أريد الفراق.. قلت سيكون لك ذلك.. لكن قبل ذلك، دعنا نودع بعضنا.. قل لي لاخر مرة : حبّوبتي.. فلم يقلها لي أحد قبلك.. ردّ لن أقول.. دعينا نفترق..هناك إعصار في داخلي.. أعصابي منهارة نادم على خطيئتي انني ابكي وأغرق في الشرب بإستمرار…
أجبته: لن تنسى هكذا..آقلع عن الشرب.. تبّ إلى الله.. صلي، صم وتصدق..ثم إفترقنا…
لم أنم ليلتي تلك.. بكيت ثم بكيت، فليس لي شيء أفعله إلا البكاء…
في صباح اليوم الموالي..آتّصلت به عبر الأنترنات لأخبره اني لم اكل شيئا منذ البارحة فأرسل لي : تناولي الطعام لأجلي.. ارجوك صغيرتي ..حبوبتي..
قالها لي أخيرا وكان ذلك آخر عهدي بها..
بعد أن استوعبت الموضوع..فجرت فيه كل غضبي وكان فقط يقرأ دون أن يجيب.. وعندما كتبت لنفترق..كتب اسمي اكثر من مرة لأجيبه قال: والله أحبك ومعزة أمّي عندي..إنّي أحبك.. لن أفرط فيك سامحيني وموافق على ما ترين وتحكمين.. لا ادري كيف إنفلت لساني مني فقلت: سامحتك…
لم أتحمل خيانته لي لكن لم أستطع الإبتعاد عنه.. أحبه يا ربي أعشقه.. بقيت معه بكل ذلك الأسى الذي يعتصر داخلي، بكل حزني، وبدل ان اشرط انا.. إشترط هو..أن أنسى الموضوع نهائيا ..فلا أذكّره به ثم أخذ يتغير شيئا فشيئا.. كان يتغير عني بمرور الساعات و الأيام..ومنذ لحظة اعترافه لي.. قررت أن أفكر إن كان في إمكاننا أن نبقى معا فخيانته لي كانت أهون من أن يقول هذه الكلمات ..
قلت له: أتذكر بعد أن غفرت لك خطأك، اتذكر بعد ثلاث سنوات حب..فصاح: سنتان.. أجبته سنة أحببنا بعضنا من نظراتنا فقط ..و منذ سنتين تحدثنا.. أجاب مبتسما طيب ثلاث سنوات إذن..المهم ساراسلك لكن أريد أن أبقى وحيدا فقط ..
انتظرت…. بعد أسبوع راسلني قال إشتقت إليك. صحيح اني مغتاضة منه لكن أخفيت عنه وقلت له : وانا أيضا اشتقت لك.. وبمرور الوقت عادت علاقتنا تقريبا ..وكنت أتجاهل أنين قلبي الذي لم ينسى ما حصل..ويصر على تذكير به..فأعود إلى الاعتراف لأقرأه في كل مرة فأبكي…. ثم ابكي ليس لي شيء أصنعه الا البكاء.. لكن الشيء الوحيد الذي كان ينسيني محنتي هو انني عندما سالته: متى خنتني.. قال: عندما كنا متخاصمين..
طلبت منه ان نعيد النظر الي موضوع خطبتنا قال لننسى هذا الموضوع لست جاهزا الأن. فكانت كلماته هذه تستقر كالخنجر في قلبي وتواصل جرحه فانفصلنا…
الآن أفهم ما يجب أن أفعله..عليّ أن أنساه و أن لا أفكر فيه و أن أعتبر أن كل شيء على ما يرام وانه لا يستحق أن أبكيه.. فابتسم ولكن سرعان ما تتحول حالتي من جديد لتستقر على البكاء..فليس لي شيء أفعله إلا أن أبكي على الأطلال…
اليوم مرّت أربعة أشهر على فراقنا ولم أنساه وما زاد في عذابي وعلّتي ان خبر حبّنا قد ذاع في ريفنا فالحب هنا فضيحة..! كان حباًّ ملائكيا طاهراً رحل باكرًا، ثم شاع عنه أنه لا يزال في علاقته المحرمة تلك.. انصدمت.. وتمنيت لو تنشق الارض.. فتكون لي قبرا..تمنيت لو يطلق سراحي ..فاذهب له سيرا على الأقدام وأقول له أنسيت كم انبك ضميرك، انسيت كم ندمت.. انسيت كم تعذبت وعذبتني… ثم قلت في نفسي: إنّه لا يحبني أنا.. إفهميها إنه يحبها يا أنا.. إفهميها..ولكنه اخبرني يوما انه لم يستجب لها ليتزوجها فهي فاجرة…
أخبروه اني لم انساه ..اخبروه اني تركت صلاتي ضنا مني أن الله لا يحبني..!
أخبروه أني لم استوعب فكرة نسيان ثلاث سنوات حبّ..!
تقدم لخطبتي في الاثناء رجل من ديرتنا يسكن في باريس وله سيارة، منزل ..جاه..له كلمته في المجتمع.. الكل ظن أني سأقول نعم..! فتفاجأوا عندما قلت لا..! قالوا الوقت يمر وتكرم المرأة عندما تكون بجانب زوجها ستكون لك مكانة في المجتمع ولن تلاحقك كلمات أحد أعوذ بالله من هذه العقيدة التي سلبتني حريتي.. أنا لا أريد شيئا من هذه الدنيا..سوى راحة قلبي…
يقول عندما بدأت قصتنا كان الفصل صيفا، كنت في زيارة لأخيها صديقي ، رأيتها هناك على غفلةٍ من الزمن ترتدي تنورة صفراء تبرز جسمها الرشيق، كانت تقوم بتنظيف المنزل وكنت أجلس قبالتها مع شقيقها على مسافة ليست بالبعيدة في الساحة، أسترق النظر إليها..وإذا وقعت عينها في عيني ورأتني دخلت لإحدى الغرف بسرعة… ومنذ ذلك اليوم أصبحت أزور صديقي يومياً قصد رأيتها لكن كانت لا تخرج من غرفتها البتة. فلم أستسلم وبقيت أتردد على منزلهم يوميا داعيا ربي أن أراها مجددا. بعد سنة تحديدا وصلني طلب صداقة عبر حسابي في الفيسبوك من إحداهن قبلت الطلب و سألت من؟! لم ترد فقمت بحضرها فأرسلت الطلب مجددا إلى حسابي الآخر ثم حذفته..! فارسلت لها أنا ..فقبلته وتحدثت إليها أنت أخت صديقي إذن..؟ قالت نعم
ما اسمكِ أجابت ألا تعرف إسمي ألا تسمع أخي يناديني قلت لا ردّت ريحانة.. اسمي ريحانة و أنت فذكرت إسمي أيضا مرتين و طبعا نحن نعرف أسماء بعضنا فقد استقرت عيني في عينها سنة كاملة ، لم ننم ليلتنا تلك.. بقينا نتراسل إلكترونيا وكانت فرحتنا ببعضنا لا توصف ومن حديث الى آخر أخبرتها ليس لي حبيبة فقالت أأبحث لك ما رأيك؟
قلت لا أنا أريدك انت وفي الخير ان شاء الله..
قالت اترك لي وقتا لأفكر.. بعد أيام أرسلت لي رسالة ” محبّوبي” ثم حذفتها سألتها ماذا كتبتي ؟ قالت لا شيء..ابتسمتُ وقلت “محبّوبتي”
ردت قد قرأت رسالتي إذن…
وبين حبّ و شجار بريء، آستمرت قصتنا.. كانت تقول غالبا ما يكون خيالك أمام عيني.. فأكون في مجموعة من الناس، فأهمس في صمت يا إلهي لقد اشتقت إليه..كانت عندما تقرأ القرآن و تجد إسمي تلتقط صورة للآية من المصحف و ترسلها لي،وتقول لي: أنظر لقد ذكر إسمك هنا في سورة كذا ثم تبحث عن معناها لتقوله لي.. فحتى إن كانت تقرأ القرآن في وقت متأخر ووجدت إسمي فلا تتردد في إرساله لي لأراه صباحا … كنت أقول لها دائما أني لا أتصور حياتي بدونها.. وطوال السنتين وبين فترة وأخرى ..كنت أقول لها أريد أن أتقدم لك في أقرب وقت فقتول كل شيء سيكون في أجله وهكذا مرت الأيام..إلى أن انفصلنا…
عندما أصبح ذكر إسم ريحانة وحبيبها على الألسن ثم ذكر إسمه مع أخريات ذهبت لأراها، دخلت عليها غرفتها فوجتها منكبةً إلى سجاد الصلاة ساجدة على ركبتيها تنصت الى صوت القارئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد وهو يتلو ما تيسر من سورة الكهف ..وصلت على هذه الآية
﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾
قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴿٦۹﴾
﴿ صدق الله العظيم ﴾
كانت تتمايل برأسها وترتل معه، مغمضة عينها في هدوء..فتتساقط دموعها مثل المطر الغزير.. وضعت يدي على صدري واغرورقت عيناي بالدموع وقلت اللهم بحق هذه الآية ازرع الطمأنينة والصبر في قلبها…ولمّا انهت إنتبهت إلى وجودي.. رفعت رأسها لي فبادرتها بالقول دون سلام:
أعلم ما ستقولينه لي أيتها الكاتبة.. أن أكون عاقلة حتى لا يتفطن أحد لحزني و نحن ريفيون وكلام الناس كثير، وأن أي يتمناني و أن لا أبكي الأمر عادي و أن كثيرون يتقدمون لوالدي فلماذا لا أوافق على أغناهم وأكثرهم جاها و أن من أحببته أمامهم لا يساوي شيئا…فليكن كيف لي أن أنسى ثلاث سنوات حب لأتزوج تقليديا..ربما ستقولين جميع الذين أحبوا تفارقوا وأكثرهم تزوجوا تقليديا… لكن كيف بإمكان المرء أن يكون قويا لدرجة أنه يتزوج على الطريقة التقليدية الموروثة ..؟! لا يعرف تاريخ ذلك الانسان و لا ما يحب و ما يكره و لا لحظة غضبه و لا جميع تفاصيله، أي قوة هذه التي تمنع حبيبا عن حبيبه..!
كنت مصغية لها و هي تسأل وتجيب بنفسها باكية… تحدثنا ثم أخبرتها أني أتيت لأني سأكتب لأجلها فأي رسالة تبعثين..
قالت أخبروه أني أحبّبته بقدر ما ذكر اسمه في القرآن الكريم أخبروه أني أعتذر بالقدر نفسه إن ضايقته من فرط حبّي.. وإني بالقدر نفسه أيضا أعتذر لنفسي..أخبروه أني كلما إلتجأت إلي المصحف لأنساه.. صادفت إسمه مجددا فأغلق الكتاب وأكتفي بضمه وتقبيله …
وبعد أيام قليلة، إلتقيتها صدفة في الطريق طمئنتني عن صحتها ثم قلت سأنشر عن قريب فهل من جديد قالت لا شيء
قلت ماذا لو قرأ لي وعاد لك معتذرا؟؟!
قالت حتى وإن قرأ لكِ العالم كله، هو لن يقرأ لكِ ولا أريد إعتذارا لقد سكن قلبي و استقر الجرح، وعندما تهدأ العاصفة سأشعر بالهدوء لا أريد شيئا إلا أن أكون بخير… بخير… بخير و كفى. ثم ذهبت أما أنا فبقيت أراقبها و هي تردد لقد سكن قلبي واستقر الجرح.. لا أريد شيئا إلا أن أكون بخير… بخير ثم خيّل لي أنها تبكي وطيفها يتوارى شيئا فشيئا خلف أشجار الفرنان إلى أن اختفت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*