جمال أخاذ…بقلم الكاتب المنجي السعيداني من تونس.

    جال حمادي ببصره المغشى بطبقة سميكة من الضباب، بين الطلبة المنتشرين في أرجاء المعهد العالي الصغير من حيث المساحة ومن حيث عدد الطلبة، وبدا له من خلال الغشاوة التي حجبت جزءا من الصورة عن عينيه، أن توزيع المجموعات الصغيرة التي تكونت بشكل عفوي لم يكن يراعي أي توازن يتماشى مع الطبيعة، وغمغم بينه وبين نفسه متسائلا: وأي شيء يخضع للتوازن الدقيق في هذا العالم، فالشمس تطل على مناطق دون أخرى من الكرة الأرضية، والأراضي صحراء ثلجية في أماكن، وصحراء رملية في أماكن أخرى، وهناك من يرى ولا يبصر، وهناك من يعاني من عمى البصيرة، أليس هذا عالم مفارقات  بامتياز وهو أبدا لن  يكون عالم توازن كما ينظر إليه معظم الناس؟…

   وكاد الخيال أن ينفر به بعيدا لو لا أن تدخل زميله وصديقه الحميم صلاح ليخرجه من تصوراته الجامحة ويعيده إلى أرض الواقع ليسأله ان كان يعيش فوق نفس الأرض التي يطؤها بقدميه، وهل له بصر وبصيرة مثل باقي خلق الله.

عاود نفس الإحساس حمادي فجال في خاطره التوزيع السيء لعدد من الأشياء في الدنيا ووجه سؤاله في الحال لصلاح:

—أي معنى للجمال بالنسبة إليك، قل لي رأيك بصراحة، هل يستهويك الجمال الخارجي: جمال القشرة والملامح والمحيا، أم تفضل جمال الروح والقلب والعقل؟ وأية صورة للمرأة التي تتربع في خيالك؟

  تفاجأ صلاح بالسؤال وطلب منه بابتسامة خفيفة مهلة للتفكير على طريقة البرامج الإذاعية والتلفزية وأضاف يسأله بمكر ان كانت هناك احتمالات أفضل مما قدمه له.. ووجه الكلام مجددا له قائلا ان هذا السؤال قد يرقى إلى مرتبة امتحان في مادة الفلسفة لسنوات الباكالوريا ولن يستطيع الإجابة عنه بسهولة، وهذا التعليق بالذات جعل حمادي يبدي امتعاضا مكتوما إذ أن صديقه لم يجاره في خياله المجنح وقلب الأجواء إلى ما يشبه التهكم على أفكاره والتلاعب بمشاعره.

 في تلك اللحظة بالذات مرت سميرة أمامهما بقدها الممشوق وتناسقها غير الطبيعي وجمالها الذي لا يرقى إليه أي خدش، فاغتنم صلاح الفرصة وطرح السؤال على صديقه:

 -وما رأيك أنت في هذا الجمال، هل تراه متناسقا أم متنافرا أم ماذا، والله إنني لم أعد أفهمك منذ أن زارتك سلمى حبيبة القلب التي لم نعرف لها شكلا ولا عنوانا؟

 أثارته الإضافة الأخيرة التي جاءت على الهامش وذكرته بسلمى قلبه ومهجة روحه، وكاد أن يصمت عن الكلام المباح لو لا أن استحثه صديقة غير عابئ بالسيف الذي أسكنه بغمده في قلبه دون أن يدري… وتحامل على نفسه مغمغما:

—وهل في جمال سلمى ما يؤاخذ؟..إنها وردة ندية تتقاطر منها برودة الليل ويتدفق منها دفء الشمس الربيعية الخجولة…

 ولكن هذا التعليق لم يعجب صلاح فواصل استفزازه بقوله:

—ستبقى محبوسا لها أبد الدهر ولن تفلت من حبائلها…انظر إلى ما حولك هناك الكثير من مكامن الجمال في هذه الدنيا ولكن عينيك على ما يبدو لا ترى إلا ما تريد أن تراه…ووجه بقية الكلام إلى داخله بقوله”ان وجد لك بصر بالفعل” فأنا أشك في ذلك صراحة…

حدثني حمادي  الذي خرج للتو من أحد الأرياف شمال تونس عن حبيبته سلمى وأعاد على مسامعي طوال الليالي الشتوية الباردة قصة حبه الذي لم ير النور ووئد في المهد. وجنح بخياله بعيدا وهو يصف جمالها الأخاذ بقوام ممشوق وبياض ناصع وشعر فاحم وحاجبين يشبهان حد السيف وثغر ينام فوقه ندى الصباح حتى خلتها حورية من حوريات الجنة أو إحدى الجميلات التي فرت في الحال من قصص ألف ليلة وليلة.

 قال حمادي وهو غير عابئ بما ساورني من شكوك حول وجود امرأة جميلة باسم سلمى، انه رآها في خياله وهو صغير السن يرتع بين الحقول الغناء ويستمع لموسيقى البلابل ويتمتع بأشعة الشمس الربيعية الدافقة من كل مكان. وأمعن في خياله بالقول إنها زارته في المنام وطبعت على جبينه قبلة حارة وقالت إنها في انتظارها ولن تخون أبد الدهر العهد المقطوع عليها.

وأخبرني مرة أخرى أنها سلمته في المنام ، وهو بين نوم ويقظة،  قطعة شكولاطة وتمعن في جمالها وحمد الله أن تلك المرأة ستكون من نصيبه. وحلف بأغلظ الإيمان في صباح اليوم الموالي ان قطعة الشكولاطة التي وضعها فوق طاولة النوم هي من إهدائها وأنها طبعت قبلة فوقها ووضعتها بالقرب منها قبل أن تسارع إلى الطيران في خفة مثل الملائكة المهفهفة.

    وقبل أن نخرج سويا من باب المعهد الضيق مثل خرم إبرة، ساورتني الشكوك في وجود سلمى من حيث الأساس، فما يصبغه عليها من صفات وتناسق ومن عناصر جمالية لا تخطئها العين، يكاد يجعلها من الملائكة، وخيل لي أنها من وحي خياله ولكنني أحجمت عن قول الحقيقة والجهر بها خوفا على صديقي حمادي من وقع كلماتي على مشاعره المرهفة.

    كان من الصعب علي أن أجاريه في خياله الذي كاد يصيبني بلوثة عقلية، والأشد صعوبة بالنسبة لي أن أعارض ذلك الخيال الجامح وأن أطيح بحلمه البسيط، وربما خيل لي كذلك أن امرأة جميلة في انتظاري في مكان ما وقد تأتي لزيارتي في كل لحظة وقد تحمل لي قطعة شكولاطة كذلك.

مارس2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*