ميثاق الصداقة… قصّة قصيرة بقلم الكاتبة نريمان همامي من تونس.

المدرسة عالم صغير يعيش فيه التلميذ والمعلم، وهذه الوظيفة هي تكملة لمشوار الآباء والأمهات لتربية و صقل عقول الأطفال وتربيتهم على القيم الإنسانية النبيلة ومساعدتهم على تعزيز ثقتهم في أنفسهم وبناء علاقات إنسانية صلبة أساسها الاحترام وتقبل الأخر مهما كان اختلافه، وقد شهدت العديد من التجارب التي أعتز بها وعشتها مع أبنائي التلامذة في المدرسة،
صبيحة يوم جديد، التحقت بالمدرسة، كنت أستمع للضوضاء تعم الأروقة وهذا الضجيج في باحة القسم.
عيون تشع براءة و شقاوة طفولة، تراه لا يكف عن الحركة فتارة يقفز فوق الكراسي وطورا يتدحرج بين الطاولات متحججا بضياع أقلامه،
رائحة عطري وصدى خطواتي بين أروقة الساحة كإنذار ليتمركز في مكانه مناديا في زملائه ها قد أتت كل في مكانه.
-صباح الخير يا أبطال !

-صباح الخير .

-جلوس .
يجلس كل تلميذ في مقعده يخرج أدواته و نشرع بسم الله في الدرس.
ألتفت إلى السبورة فكثر الضجيج خلفي أعاود الالتفات من جديد فألاحظ حمرة قد كست خده وعلامات الضيق قد خطت سبيلها بين قسمات وجهه.

-أحمد ! ماذا بك؟
طأطأ رأسه و أجاب متعثرا : إنه جاسر ! إنه يسخر مني كعادته.
توجه بصري نحو جاسر الذي لمعت عيناه خبثا،

جاسر ألم ننهي هذا موضوع , هيا أعتذر هذه المرة و ستكون أخر مرة.
ظننت أن المشكل قد انتهى بالاعتذار فواصلت درسي ولكن خاب ظني.
انتصبت واقفة أراقب تصرفات التلاميذ لما سمعت قهقهات متعالية و لمعرفتي بأصواتهم فقد كان بينهم جاسر وعصابته كما أسميتها وهذا ما جعلني أترك ما بيدي من أوراق و أقف ألاحظ خلجات وجهيهما حيث لمحت أحمد ينظر مليا ناحية جاسر و الأخر يطلق ضحكات مستفزة،
ظللت أشاهد الموقف وتساؤل واحد يحيرني: ما سر هذا العداء!!؟
ولم يقطع علي خلوتي غير دخول سلمى معلمة العلوم التي لامست أناملها كتفي كي ألاحظ ولوجها إلى مكتبي

-مرحبا ! أنا هنا، أين سافر بك عقلك، آه يبدو أن الأطفال قد أنعشوا فيك الحنين لأيام الصبا.

وا حسرتاه على أيام الهناء لقد كان أخر همومي حينها حفظ جدول الضرب.
دخلنا في نوبة ضحك حتى أدمعت عينانا، ترددت للحظة ثم أردفت: سلمى أريد أن أسألك : أومأت برأسها موافقة فاستأنفت حديثي : بما أنك باشرت العمل قبلي هنا أرغب في معرفة سر عداء جاسر و أحمد فهما دائما الشجار ونظرات التحدي لا تغادر عينيهما … ذلك جلي.

أعلم ذلك جيدا فقد كانت علاقتهما عكس ما هي عليه الآن … وذاك نتيجة سخرية معلمة كانت تدرسهم قبلك سأروي لك:
أحمد و جاسر كانا صديقين حميمين يتقاسمان كل ما يفعلانه ولا يفترقان إلا ساعة النوم بالرغم من أن أحمد كان يعاني من مشكلة في النطق حيث أنه يتعثر دائما في نطق الكلمات بشكل صائب بالإضافة إلى أنه يستغرق وقتا طويلا حتى ينطق بسلاسة حملة واحدة وقد كان دوما مُعرّض للسخرية من زملائه عدا جاسر فقد كان يجبر بخاطره ولكن ذلك تغير بعدما باشرت السيدة مريم عملها و قد كانت تكلف تلاميذها بأعمال شفاهية تساعدهم على تحسين قدراتهم اللغوية والتعبيرية ولما لاحظت حالة أحمد صار يستفزها بصمته ومنذ ذلك الحين قررت استبعاده ومع اقتراب موعد الامتحانات الشفاهية وقف أحمد لإلقاء قصيدة فنهرته بشدة قائلة: عد إلى مكانك لن أنتظرك كامل اليوم…! عد إلى أمك تعلمك النطق بسلاسة ثم تعالى بعدها و زاول تعليمك . ثم توجهت إلى جاسر بالقول :وأنت يا جاسر غير مقعدك فكما تعلم الغباء مرض معد..! . ومنذ ذلك الموقف تغير كل شيء و ساءت الأمور بين الصديقين فجاسر سمع كلام معلمته وابتعد عن أحمد كما أنه انظمّ إلى مجموعة من المشاغبين فصار يسيء لمن كان صديقه… فقط هذه كل الحكاية .
رحلت سلمى بعدما شكرتها فقد ساعدني حديثها عن فهم ما يدور بين التوأم المختلف هذا ما حضر ببالي وقتها تُهت في زوبعة أفكاري أستجلي حلا لفض الخصام…
لاحت بخاطري فكرة استحسنتها و سأعمل حتما على تحقيقها .
في اليوم الموالي أعدت توزيع أسماء التلاميذ على المقاعد من جديد ولما حضروا أعلنت أن من لن يلتزم بمقعده الجديد سيعاقب،
التزم كل من في القسم الصمت عدا جاسر الذي طلب مني تغيير مقعده الذي جمعه بأحمد، نهرته بأسلوب جاف لم يعهده مني ثم توجهت نحو السبورة و خطت أناملي بخط كبير ” ميثاق الصداقة”
ثم التفت أحدّثهم: سنقوم اليوم بمشروع عنوانه ميثاق الصداقة لذا يجب على كل ثنائي منكم أيها الأعزاء أن يتعاون مع جليسه على خط ميثاق الصداقة و يعرف لنا ما معنى صداقة و ستكون لكم جوائز و هذا وعد مني.
هلل الأطفال فرحين و شرعوا منكبين في التخطيط لعملهم عدا جاسر الذي كان يتجنب النظر ناحية أحمد على عكس الأخير الذي ظل ينظر إليه و قد شاح شبح ابتسامة فتيقنت حينها أن أحمد يرغب في أن يفض المشكل وتعود الصداقة.
نهرت جاسر بصوت حاد فانكب في العمل على مضض ولكن مع مرور بعض الوقت لاحظت انغماسه مع زميله و اندماجهما في التخطيط للمشروع،
انتهى وقت الحصة على وعد مني أن أفضل الأعمال ستكرم من قبل إدارة المدرسة، ترشح بعض الأعمال و كان ضمنهم مشروع التوأم المختلف.
مضى حفل التكريم في غاية الروعة وكنت فخورة فنصف ما طمحت إليه قد حصل بالفعل و يبقى النصف الأخر الذي ستتكفل به الأيام فقد حرصت كل الحرص أن تعود المياه إلى مجاريها.
حان موعد الإعلان عن أفضل الأعمال فاعتلى المدير المنصة وأعلن على أسماء أحمد و جاسر اللذان تقدما وتسلما جائزتهما لكن أحمد قد قرر أن يلقي خطابا
مرددا في قرارة نقسه (ها أنا قد أصبحت قادرا على التحدث بسلاسة وأتحدث وأنا فخور بنفسي) .

قال: السلام عليكم جميعا، شكرا لمن آمن بي و أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى معلماتي الفاضلات صفاء وسلمى على ثقتهما بي وشكرا لمن سخر مني ومن طريقة نطقي للحروف فلو تسمحوا أرغب في إلقاء بعض الكلمات أتمنى أن تنال استحسانكم
( إلى خليلي
إلى صديق كان لي سندا
إلى صديق لم يرَ نقصي ولم يشعرني بعجزي يوما لكنه صار متقلب الود باع صداقة كتبت بدماء القلب بكلام مستهزئ فصار للمنافقين رفيقا،
أيا صاحبي..! لم ألم يوما تقصيرك ولا تماديك في أذيتي بل تقلبك صار لي محفزا، فشكرا لكل همزة وشكرا لكل سخرية جعلتني أرنو إلى ما أنا عليه الآن،
لكن رغم كل هذا الجفاء تبقى خليل القلب…


و ما إن أتم أحمد نطق أخر حرف من كلامه حتى انطلق جاسر نحوه يعانقه وقد تعالت شهقاته تحت أصوات التصفيق وعلمت وقتها أن الصداقة وعد القلوب البريئة والقلوب لا تنقض العهود مهما قسا الزمن واعتصرتها الظروف
فمهما تواترت همزات مرضى و فقراء الضمير، تبقى الصداقة ميثاق الأرواح الطاهرة و ستورق و تنمو و تنعش من جديد لو سقيت بحب خالص واعتنت بها الضمائر الحية.
فالمعلم (ة) مهما كان توجهه وجب عليه ترسيخ قيم و مبادئ و أخلاق تضمن صلاح المجتمع فهو مربي قبل كل شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*