الذات الممزقة بين الكينونة والعدم في مجموعة “وقائع شتاء أخفتها الشمس” للشاعر رياض بوسليمي بقلم الأستاذ علي الشيحاوي/ أستاذ فلسفة متقاعدمن تونس.

تخطى الشاعر الإنفتاح على الآخر، يخاطبه بعيدا عن المألوف والمبتذل بطرافة آختص بها، لمّا آتّخذ مدينته المسلوبة من روحها واقعا غير مرضيا بتمثلات خياليّة يأمل من ورائها إدراك ” حلم اليقظة ” بذات آيديولوجية متمردة تنشق عن الواقع وتتصالح معه في نفس الآن. في قصيدة بدت في مطلعها وكأنّها مرثية، سرعان ما آنقلب عنها ثائرا وجوديا. تنكشف فيها ذاته المغتربة عن ذاتها، وعن المدينة المتموضعة فيها وهي خاوية من روحها، ساكنة لا تحركها الفصول في تعاقبها. كل ما فيها يدعو إلى القلق والضجر والضياع إلى حد القرف، مدينة فقدت كل شيء وقد سقط منها كل شيء، عائمة في الظلمة وقد تعرت لا حب فيها ولا عشقا ولا فرحا، تصحرت أرصفة شوارعها، فآغترب عنها شعراؤها، لا قصائد تتغنى بجمالها ولا عيون تبتسم في طرقاتها ولا سعف نخيل يرفرف في سمائها على حد تعبير شاعرها.

وما يحسب لشاعرها، أنّه لم يكتف بالتبرم من واقعها، فنراه يتخطى الضجر واليأس عتبة تعيق إسماءها بذات ترفض وترغب وتطمح..وهي في توقها تحفز تجديد إنبعاثها بشمس لا بدّا لها من أن تليّن وهجها بنور يفتّق مكامن بهاءها، وبحر يطفو على شطآنه بماء يغسل دموعها، وشوراع تعيد رسم حدود أرصفتها، وشعراء يلذ لهم المقام فيها، يتغنون بمجدها وجمالها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*