شعور من نوع آخر..! بقلم الكاتبة نور أقريش من المغرب.

شعور من نوع آخر ..!إنه مزيج من الحزن والسعادة ، الصراخ والهدوء ، السقوط والثبات .. مؤسف جدا أن يواجه المرء كل هذا الخليط من المشاعر بابتسامة ميتة ، أخذت الكثير من الحقن الحزينة من قبل ، لذلك أصبحت مُحصّنة لا اشعر بشيء .. او ربما اكتسبت مناعة قوية مضادة لأحزاني التي اعتدت عليها !! تذكرت أبي… ذاك الرجل العظيم .. الذي منحني الثقة والحب، كان لي سندا في الحياة ولولاه لما كنت في الهنا والآن من أجل إسعاده، إني مُدينة لك يا ابي بكل ما يعجز الانسان عن فعله .. مع أن أبي كان يجهل القراءة والكتابة إلا أنه اكتسب أبجدية الحياة التي لم ادركها وأنا معه وأنا لا زلت طفلة بين ذراعيه، اشتقت الى طفولتي حيث لا مسؤوليات لا عمل ولا دراسة لا تفكير في المستقبل ولا التذمر من الحاضر طالما أن أبي إلى جانبي …إنه الكتف الذي لا يتعب ولا يشكو ويُميله ثقل الحمولة والمسؤوليّة.

بدأت في عدّ الايام والشهور التي أبعدتني عنه وعن منزلي فلم يتبق إلا أيام قليلة وأنتهي من الدراسة في الثانوية .. بعد تعب دام اثني عشر سنة كابدت فيها تعبا عسيرا  لاتحصل على تلك الشهادة اللعينة الباكالوريا..! انفقت كل طاقتي في سبيلها في كل مرة كنت أسقط بسبب الصعوبات والظروف التي تعترضني على نحو يومي، بالإضافة إلى ما أعانيه من ضغوطات اجتماعية صعبة، و مع ذلك لم استسلم، كنت مؤمنة بأن وراء كل بداية نهاية جميلة وأن بعد العسر يسرا…!

 لكن جسدي ما كان يقوى على كل تلك الظروف والصعاب الجسام،  فأُصبت بانهيار عصبي حادّ في الوقت الذي كنت فيه مقبلة على اجتياز امتحانات الباكالوريا، أمسيت أعاني من اختناق شديد ليلا ، وشرود دائم نهارا ، فتحوّلت  حياتي جحيما متباطئة أيامها في المضيّ ثقيلة على الروح والجسد… ، اعتقدت في البداية  أنه قلق عادي سينتهي حالما أنتهي من الامتحانات لكنه لم يكن عاديا ولم يمر بسرعة كما توهمت ، بل تقهقرت حالتي النفسيّة واشتدت أزماتي ونحل جسمي: وما زادني ألما ومأساة حين بدت على  ملامح أبي  الحزن والكآبة وهو يشاهد حالتي التي بدأت تستعصي على الأطباء..! فاشتدت كآبته وتعمق حزنه حين أبلغه الأطباء أنني أعاني من حالة اكتئاب حادة قد تؤدي بي إلى الانهيار التام..!

وبسرعة ما تعكرت حالتي النفسية فانعزلت على العالم الخارجي وابتعدت عن كل مخلوق… لا أفتح باب غرفتي المغلقة بإحكام إلا أوقات الضرورة! وما زاد في الطين بلّة رفض أمي القاطع زيارة طبيب نفساني لوهم أصابها واعتقاد ضبابي شائع بين سكان قريتنا أن زيارة الطبيب النفساني تعني في النهاية نعت المجتمع لك بالجنون! وبرّرت ذلك باعتقاد أكثر تخلفا أن هكذا وضع سيشوه سمعة العائلة؟ للأسف المجتمع الذي اعيش فيه لا يعرف ماذا يعني أن تكوني مريضة نفسيا وبحاجة الى مصحة نفسية، اعتدت على الأمر حتى أصبح بالنسبة لي شيئا طبيعيا وعلي أن أتعايش معه يوميا .. لجأت إلى الكتب وقرأت بعض الكتب التي تخص علم النفس وبفضلها اكتشفت أن مرضي النفسي ممكن علاجه تعمّقت في البحث عن النصائح وكيف يمكنني الخروج منه فتيقنت أن أفضل طبين وأنجع وصفة هو الكتاب فهو خير جليس وشرعت في التهام الكتب التهاما ووجدت فيها راحتي الفكريّة والنفسية وحققت لي توازنا وأصبح المتاب والمطالعة ملجئي كلما أحسست بضيق ما ..!

وآخيرا حطت السعادة على قلبي وأنا أستلم شهادة النجاح. كانت اللحظة الحاسمة التي انتظرتها كثيرا حملت شهادتي وفجأة اختفت كل تلك المعاناة لحظة استلامي لشهادتي التي استنزفت طاقتي ! اعتقدت أن كل تعبي سينتهي بعد الحصول على البكالوريا. لم أتوقع أبدا أن ما هو قادم أكثر قساوة ؟! جمعت أمتعتي لأنتقل إلى مكان آخر من أجل الدراسات العليا في إحدى الجامعات خارج بلدتي ..حملت شهادتي ومعها تعبي وذكرياتي .. لأبدأ حياة أخرى جديدة غير معتادة .. وقبل انطلاقي جلست برهة أتأمل في كل مكان في منزلنا ، واسترجع كل الايام التي قضيتها في هذا المنزل بأحزانها وبهجتها .. ودعتني أمي بتلك العبارة التي ما زلت أتذكرها ولن انساها أبدا حين قالت لي : لا أعلم كيف يستطيع المرء أن يبتعد عن من يحب..! وكأنها كانت تدرك حجم المعاناة التي تنتظرنا وتنتظرها أثناء رحلتي الطويلة والشاقة.

حاولت الصمود كثيرا لكن عيناي خانتاني فانهمرت دموعي بسرعة .. توجهت إلى غرفتي لأخفي دموعي و حزني.. بكيت وجعا وتأسفا على ما ينتظرني من شعور بالفقد والشوق لكنني في نفس الوقت انتابني شعور بالحماس وبالشجاعة على مواجهة الحياة بمفردي انا والحياة.

التفت إلي أبي وفي عينيه علامات الحزن وعبارات الكآبة والخوف وقال لي:”  ابنتي بعد اليوم لم أعد إلى جانبك  ولامعك..! سأتركك وسط غابة مجهولة …! لا أنكر أني لم أستطيع كتم ضحكتي وقلت له يا أبي ابنتك ذاهبة الى الجامعة وليس إلى الغابة كما تقول !! لكن سرعان ما فهمت قصده فأبي قليل الكلام بليغ المعنى وبقيت تلك الجملة البليغة المفعمة بالنصح والتحذير ترن في أذني  وبقيت أرددها كما قالها ليكلما أحلت بي مشكلة وهي ” أنت وسط الغابة الآن يا ابنتي إما أن تكوني حذرة وشجاعة وقادرة على المواجهة وإلا  ستتحولين إلى فريسة سهلة المنال  للوحوش .. فاحذري الذئاب يا ابنتي فمعظم من في الغابة مفترس وشرير …!

فعلا يا أبتي كان كلامك على حق فأنا بالفعل وسط غابة .. لذا كلما وقعت في مشكلة إلا وتذكرتك واندفعت بكل شجاعة وسؤدد لأبحث لنفسي عن طرق التجاوز وآليات التغلب على “وحوش الغابة”..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*