لا مَكان لي . . ! بقلم سمير العوادي من المغرب.

أرى العالم كأنه قد هوى للتّو وكل شيء ينتهي إلى تلك النقطة الغائرة في الأفق . . . هل كبُرت أنا؟ هل أصبحتُ عجوزاً؟ هل فقدتُ حاسّة الشمّ؟ كل شيء فارغ، وبلا لون  أو رائحة . . . معطفي لم يعد دافئاً وجواربي رُتِقت للمرّة الألف، والقطّ الذي لطالما احببتُه قد مات قبل مدّة والى الٱن لا استطيع نسيانه. سيبدو لك أني سكران أو أهذي أو تحت تأثير أغنية ما . . . لكّن أنا واعي تماما بهذا الهراء تمام الوعي! وهذا ما يؤلمني.هل تسمعني؟ أعني مرحباً كيف الحال؟ هل تعتقد بأني نسيتك؟ أظنك الآن موجوداً لتقرأ . . .  أظنك صديقي بشكل ما! بطريقة مبهمة! اريد فقط أن أقول أني بخير، أو على الأقل مازلت أستيقظ من نومي لأفعل شيئا ما، أكتب، أقرأ، أشتُم . . . أحاول أن أتفادى دعوات السكر والحشيش مع الذين أصادفهم في الأماكن المُظلمة، في المقابر، في الحانات وفي عتبات المساجد وبقيّة الفيافي . . .  أريد أن أقول لك بأنني تغيرت، تغيرت كثيرا،  إن الثابت في شخصيتي هو التغير الدائم. أزحتُ الربّ من على قبّعتي ونفضتُ الغبار الذي كان يشوّش رؤيتي للنجوم! خانني الناس وأفسدوا عليّ نفسي ولم تعد لي المقدرة على النظر في المرٱة . . . خنُت الله وخانتني المعاني، كلّ شيء باهت، طفوليّ، ساذج وبلا معنى. كان الله هو المعنى لكلّ شيء. فلمّا أزحتُه تبدّدت سعادتي وتبدّى لي الجحيم الذي كان أهل القِدَم يخافونه في حال فقدوا أو فرّطوا بالعروة الوثقى. أتعرفُ جريمتي؟ لقد نفيتُ الله. نعم، نفيُ الله جريمتي الصمّاء! شجاعتي الخرقاء! خطوتي غير المحسوبة التبعات . . . ففي هذا القطب من الأرض لا يملك الناس إلا الله، وعند هذا المِلك يلتقون ويحضنون بعضهم البعض وصابرين على البلوى يراودهم ويمنّون النفس أن يأتي يوم النّور والفرح ويدخلون ارضاً خالداً فيها كلّ مايشتهون. هذا ما يبقيهم فرحين . . . أمّا أنا!  فهذا الفرح هو الذي لا اعرفُ منه سوى الإسم، وحتّى لو وددتُ عودة القهقرى مثقفّياً أثر ذاتي، فإني قد ضللتُ الطريق منذ مدّة غير قريبة . . . والريح الغربية قد طمست ٱثار أقدامي! اريد ان اعود لكنّي لم أعد أنا أنا! أنا عدوّ الله ولباس الشيطان بين الناس . . . أريد أعود لأن العودة إلى الله عودة إلى الطفولة، إلى الفرح والبراءة، إلى الحكايات، إلى حبّ الأم تحت ضوء الشموع، وإلى عود يدور  بين راحة يدها وركبتها لينسُج من الصوف معطفاً أو قبّعة أو وسادة ناعمة . . . العودة إلى الله عودة إلى صفاء الرّوح وبساطة الفكر والمُعتقد . . . لكنّي لا أعود . . . لا أعود . . . هل ماتزال هنُا؟ هل تفهمني؟ هل انتَ حيّ؟ هل يمكنك انتشالي؟ إنقاذي من نفسي؟ أو أي شيء ٱخر يمكنك فعله لي وتجاهي . . .
أنا مازلت أذهب لذات الأماكن  وأقابل نفس الاشخاص كلّ مرّة، لأواجه المزيد من الغباء والتحذلق والمعلومات القديمة المتعفنة. أنا  مازلت أكافح ،أكافح شعوري بالملل، بالفراغ، بالضجر، بالسواداوية. ما أنا إلا عبدُ الدقائق والساعات وشبيهي في الكٱنات ذلك الهامستر الذي لا يريد ان يكفّ عن . . . عن ما يفعله.  الٱن أنا فقير و كادح ومشغول مرّة بمشاكلي النفسية والإجتماعية، ومرّة مشغول بالبحث عن الشخص الذي كنته في طفولتي. لكنّي متأكد من شيء واحد : انني لا ألهتُ ابداً، بل لا أفكر حتى في إصلاح العالم أو المجتمع أو أشباه الاصدقاء  المدمنين . . . 
مازال لدي ما أفعله، ما أفكر به، ما أحاول الوصول إليه . مازلت أعيش هكذا ببساطة، أحاول أن ألتزم الصمت أكثر قدرٍ ممكن، لم أعد شغوفاً بشيء كما كنت. هل تسمعني ؟أقصد هل مازلت تهتم لي؟ هل نمت؟ لا يهم دعني أنهمر . . . والدتي مازالت تدعو لي بالنجاح. اما أنا فليس بيدي شيء، إطلاقاً. إنني أشعر بالعار كلّما نظرت لوجهها، وبالخزي كلّما تذكّرتُ ٱمالها المعقودة عليّ.  وبالرغم من كوني قد مللتُ كوني يسوعاً يتحمّل خطايا الٱخرين، فإني بنفس القدر مازلتُ أحافظ على توهّج قلبي تجاه الٱماني التي تريدها أمي. أنا عاجز! وغير قادر على فعل شيء ما! إن شعور اللاجدوى هذا شعور مر و بغيض، أنني محاصر بالكثير من المشاكل. إنني أحسبها بدقة. أحسب كل شيء . إنني شخص مهووس بحساب عدد المشاكل . إنني مشكلة كبيرة وعلى الموت أو ما شابه أن يقوم بحلها الآن. اتعلم لقد.نجوت من حادث سير مؤخّرا كما نجوت قبل بضع سنوات! أخاف ان الأبدية قد اغلقت بابها في وجهي ايضاً كما الٱخرين . . . أخاف أن الله طردني لألتحق بالشيطان هناك في حواف الوجود . . . لقد إنخفض سقف طموحاتي بشكل مهول . . . بل سقط السقف على رأسي فجأة، إنني أتعرض لحرب قذرة تُخاض داخل رأسي الذي سيَنفجر ذات يوم.
 صديقي شخص أبله، ينصحني بالتكيف مع هذه المهزلة، أنا لستُ قرداً يتكيف مع قضبان القفص، هل تسمعني؟ هل مازلت تقرأ. أريد منك إشارة. أخبرني أنك تقرأ، اصفعني، هز رأسك، اتصل بي هاتفيا،  إسأل شركة الاتصالات عن رقمي اللعين، إفعل شيئا ما، إنني وحيد وهذا المجتمع تافه،  وحبيبتي . . . اجل تلك البلهاء، لم تعد حبيبتي، بل صارت شيئا مقززا ومثيرا للشفقة والقرف. لا يهم.وحيداً [..]وحيداً، لدرجة أنني أصبحت أنقسم لعدة شخصيات أخرى، أحارب بها شعوري بالوحدة والملل الذان يقتلانني. لدي في ذاكرتي جيشٌ من الشخصيات المتناقضة التي تظهر كل يوم على سلوكي وتنهك حرمة تصرّفاتي وتفسد عليّ عزلتي واجتماعاتي.أنا وحيدٌ لدرجة أني أصبحت صديقي الوحيد . أنا كل أصدقائي، انا كل أصدقائي، انا كل أصدقائي . . . 

سمير العواي – مراكش 2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*