لا أستطيع أن أضمن لك صمتــي… قصّة قصيرة بقلم الكاتبة صبحه بغوره من الجزائر.

في يوم رائق وناعم صادف وجود أميرة ذات الأربع وعشرين ربيعا في الحديقة الجميلة المجاورة لمنزلها الصغير مرور الشاب أحمد الذي يكبرها بعامين بنفس المكان ، كان بيدها قصة بلغة أجنبية وكان بيده كتاب يقرأه من اليمين ، كلاهما مستغرق في ما يقرأ، كانت جالسة على أريكة خشبية بينما هو كان بين رواح ومجيء يسير بخطوات متأنية وعيناه لا تغادر صفحات كتابه، استوقفته عبارة فتوقف عندها عن السير وكان توقفه غير بعيد عنها ، تمعن قليلا في ما قرأه ثم رفع نظره عن الكتاب فوقع بصره عليها، كانت أمامه تلاحظه  بعدما توقفت حشرجة احتكاك أقدامه بأوراق الأشجار المتناثرة ، رمقته من أعلى نظارتها ثم نزعتها بلطف وتأملت الموقف ثم أزاحت برفق خصلات من شعرها الكستنائي إلى الوراء، أسره هدوؤها وليس جمالها فليست كل امرأة جميلة عنده تكون طيبة ولكن كل امرأة طيبة جميلة، قرأ من هدوئها في عينيها كثيرا من التأمل والحكمة، فللهدوء جماله، تقدم نحوها وبعد التحية اختار مكانا وجلس ليس بعيدا عنها، تعارفا في يسر وتحادثا كثيرا،  كان سردها عابقا بجنون اللحظة ورحيق رغباتها، رأى فيها فنانة حساسة ترسم صور المشاعر وتلونها وتقدم ببلاغة عشقها وتستطيع أن تصل إلى ما تريد بجاذبية ودون خلاف، أدرك أنها ليست من بائعات الهوى في الطرقات كأوراق نثرتها ريح مدرسة الحياة فتشكلت بينهما سريعا مساحة عاطفية تمتزج بلوعة الفقد ، فكان ذلك بمثابة الوقود الذي غذى لديه كوامن الرغبة، ،ولم يدر كيف وجد نفسه قابعا في قلب العاصفة الروحية لامرأة يسكنها الحب ولا تملك سوى الحب سلاحا وأملا في الحياة، ولكنه غادرها وكاد أن لا يفعل ، لقد تعود أن ينزل والحافلة تسير، غادرها وقد امتن كثيرا للقدر في ابتسامته له بمعرفتها.

كانت أميرة تعلم أنها تملك من الهدوء ما يجعل من نفسها امرأة يتمنى أي رجل الارتباط بها  وكان أحمد يدرك أن شفافية روحه وصدقه مبعث راحة وطمأنينة في نفس كل من يقترب منه كلاهما كان يتمتع بالقبول الرباني الذي يمنح الفؤاد والبصر السكينة والبهجة، فاجتمعت فيهما النشوة والمتعة، توالت لقاءاتهما وتوطدت علاقتهما،انجذبت إليه ولم يكن ذلك ممكنا  مع أي أحد من قبل، لقد وجدت ما كانت تنشده وتتمناه من سمات الرجولة الساكنة فيه والمفترضة في الفكرة والرأي والجسد والحسم في الموقف والقوة في العلاقة العاطفية ووجد هو فيها تركيبة المرأة الذهنية والنفسية والعاطفية بالقدر المناسب لإبراز الأنوثة الكامنة فيها الجلية في السلاسة والخنوع والتمنع الأنثوي والاستكانة. كان ميل كلا منهما نحو الآخر راسخا في النفس طاغيا على الروح ومتملكا العقل ومسيطرا على القلب، صارت تمضي لياليها في الكتابة، كانت مجرد بعض الانطباعات العابرة وجملة من الخواطر غير العابرة وأفكار كثيرة متضاربة دونتها بدون توقف، بينما انصرف هو للقراءة، أخذ يطوي الكتاب وراء الكتاب مهما كان موضوعه، ولكن بقي الاضطراب يسكنهما نهارا والأرق يلازمهما ليلا، ورغبة عارمة تلح عليهما أن يا حب تجلى، إنهما يعرفان تماما ماهيتها ويدركان جيدا طبيعتها، ويعلمان أنه بمقدورهما إخماد نارها المتأججة في نفسيهما، فكان ذلك اللقاء الذي أختار له مكانا رومانسيا ، كان فضاء الوحي فيه أكبر من مساحة الكلام، أطلقت لمشاعرها العنان بما تملكه من حس أنثوي منتصر للحياة ،تلاعبت بسلمية المعاني ثم ما لبثت أن تحولت إلى البلاغات الماكرة ، استفز حديثها الناعم أدواته بلغة شعرية عفوية وبحرارة القول وجماليات الشعر ووهج العاطفة، كان هو مختلفا عنها من حيث التوجه والنبرة والمسافة فلجأ لحيلة معرفة أدق التفاصيل عنها وبدا كعادة المحققين يتحرون وهم على حافة الانهيار العصبي ويغرقون اضطرابهم بالمهدئات، حدثته وأخبرته بكل ما يريد فقط من أجل أن تلتق عيونهما وتغترف من عمق نظراته ما يرضي شوقها إليه، لقد امتزج عندها النظر بالعاطفة فانساقت إلى عالم البوح، كان حديثها همسا دافئا ، لحنا شجيا، يتسلل إليه كترياق شافي للوعته، كانت أفضل ما تكون في عطفها الغريزي، حاول أن يكون ندا لها يبادلها إطلاق عرائس الكلمات، لم يكن يدري أن قلبه مازال نابضا وليس كما كان يظن في نهاية الخدمة، لقد عاشت لتسعد يوما بالحب أما هو فيريد أن يحب من يسعد معها بالحياة، اندفعا بكل الشوق في منزلق السقوط في فخ الوجه الآخر للعاطفة، كلاهما أتقن ممارسة الذكاء العاطفي وأجاد التعبير، وفي غياب اللحظة أوقف وليمة الجسد، لم يشأ أن يساير اعتقادها أن شيوع القمع والمنع وراءه معركة وهمية عنوانها الفضيلة والأخلاق، غادرها مرة أخرى وكاد أن لا يفعل، لقد أكسبته الحياة بعض فنون الخروج سالما من المكائد، كان يؤمن أن الخطيئة مفسدة لعلاقتهما وقد تضعهما في منظومة تناقضهما الحسي المنبثقة من منظومة توافقهما الروحي والعاطفي.  

هل هي حقا ثورة الحب ؟ هكذا تساءل وهو يجوب وحده تلك الحديقة التي صادفها فيها أول مرة وعديد الأسئلة فرضت نفسها على تفكيره وهو يمر على ذات المقعد الذي شهد ذات يوم تعارفهما، يعلم أن القلب الشاغر يحتاج لصدق المشاعر، فهل كان لسانها حقا ترجمان قلبها؟ وهل كانت أحاسيسها صادقة معه ؟ وإن لم تكن فكيف أصبح أسيرها ؟ نعم انه يحتاجها بجانبه ولا يعلم إن كان حقا أحبها أم فقط أدمنها، في قرارة نفسه يشعر أنها تستحق أن يزرع لها في وجدانه ورودا للمحبة، استل هاتفه واتصل بها ، أراد أن يتخذ لوحا خشبيا يطفو به على الأمواج الهادئة حتى يصل إلى شاطئها، وقبل أن يكمل حديثه قاطعته بالموافقة، وافقت ولكن بشرط تمسكت به وهو أنها لن تستطيع أن تضمن له صمتها.. لن تتوقف عن البوح الجميل، ولن تكف عن حبه ..

                                   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*